كلما طال اضطراب مضيق هرمز، اتسعت السلسلة التي تربط بين الحرب والطعام والسفر. فالإمدادات التي تتعثر في الخليج لا ترفع فقط أسعار الطاقة، بل تضرب أيضا وقود الطائرات في أوروبا وآسيا وغاز الطهي في الهند، لتتحول الحرب تدريجيا من نزاع جيوسياسي إلى أزمة معيشية عابرة للحدود.
ومن هذه الزاوية، يرسم تقريران بريطانيان كيف تتمدد قائمة ضحايا الحرب من المطارات إلى المطابخ.
في صحيفة إندبندنت ، ترصد ميرايا ميرينو كيف امتدت أزمة الشرق الأوسط إلى قطاع الطيران العالمي، بعدما دفعت القفزة الحادة في أسعار وقود الطائرات شركات الطيران إلى إلغاء رحلات، وتقليص السعة التشغيلية، ورفع الرسوم والأسعار.
ويشير التقرير إلى أن أسعار الوقود ارتفعت من نحو 85 إلى 90 دولارا للبرميل إلى ما بين 150 و200 دولار في غضون أسابيع، في ضربة قاسية لقطاع قد يلتهم الوقود فيه ربع النفقات التشغيلية. ومن هنا، لم تعد المسألة تقلبا عابرا في السوق، بل أزمة تنعكس مباشرة على التذاكر والحقائب والجداول وربحية الشركات معا.
وتبدو أوروبا في قلب هذا الارتجاج. فالتقرير يلفت إلى أن نحو 75% من إمدادات وقود الطائرات الأوروبية تأتي من الشرق الأوسط، ما يجعل اضطراب مضيق هرمز خطرا مباشرا على المطارات وشركات الطيران.
ولهذا تحركت المفوضية الأوروبية لطرح إجراءات هدفها تحسين توزيع الوقود بين الدول الأعضاء لتجنب النقص، فيما سبق لمسؤولين أوروبيين أن حذروا من صيف صعب حتى في أفضل السيناريوهات.
أما على مستوى الشركات، فقد أشارت الصحيفة إلى إعلان لوفتهانزا إلغاء 20 ألف رحلة خلال 6 أشهر لتوفير الوقود، في حين قال رئيس يونايتد إيرلاينز إن أسعار التذاكر قد تحتاج إلى الارتفاع بين 15% و20%، بينما مضت شركات أخرى من آسيا وأوروبا وأمريكا وإفريقيا إلى فرض رسوم إضافية، أو تقليص الرحلات، أو خفض التوقعات المالية.
وما يلفت في هذه الصورة ليس فقط حجم الخسائر التي تتحملها الشركات، بل اتساع الجغرافيا التي أصابتها الأزمة. فالقائمة التي تجمعها إندبندنت تمتد من الخطوط الجوية الفرنسية وكاثي باسيفيك ودلتا وساوث ويست إلى شركات في نيجيريا والهند وكوريا الجنوبية وأستراليا وفيتنام. بعضها خفض الرحلات، وبعضها رفع الرسوم على الوقود أو الأمتعة، وبعضها حذر من أن استمرار هذه الأسعار يهدد الربحية أو حتى الاستمرار.
وهكذا، لم يعد المسافر البعيد عن الخليج بعيدا فعلا عن الحرب، لأن ما يدفعه في الحجز أو على المقعد أو الحقيبة صار جزءا من فاتورة الحرب اليومية.
وبحسب المقال، فإن الحرب على إيران قلصت بشدة إمدادات الهند من الغاز النفطي المسال، في وقت تعتمد فيه البلاد على الشرق الأوسط في نحو 90% من وارداتها الخارجية من هذا الوقود، فيما يمر معظم هذه الشحنات عبر مضيق هرمز.
ولا يقتصر الأثر على المطاعم. فالهند، وهي ثاني أكبر مستورد للغاز النفطي المسال في العالم، وجدت نفسها أمام أزمة طالت المنازل أولا: طوابير للحصول على الأسطوانات، وإقبال واسع على المواقد الحثية التي نفدت سريعا من المتاجر والمنصات الإلكترونية، في حين لا تتصل سوى 5% من المنازل بشبكات الغاز عبر الأنابيب، بينما تشكل الأسر أصلا ما بين 85% و90% من الاستهلاك.
ووفقا للمقال، اضطرت الحكومة إلى تقنين الإمدادات للمستخدمين التجاريين وطلب شحنات من أماكن بعيدة مثل الولايات المتحدة، لكن ذلك لم يحل دون تحول الأزمة إلى ملف سياسي شديد الحساسية.
ويمضي مقال فايننشال تايمز إلى رسم صورة أوسع للأثر المتنامي: مطاعم وفنادق تقلص قوائمها، ومقاصف تخفض خيارات الإفطار والغداء، وباعة طعام وشاي صغار يتحولون إلى مواقد الديزل أو يغلقون أبوابهم تماما لعجزهم عن تحمل كلفة الكهرباء، وعمال بالأجر اليومي يتركون المدن بعدما استنزفتهم أسعار السوق السوداء.
وحتى المقاهي الراقية لم تسلم؛ إذ يعرض المقال لافتة في مقهى شهير في بودوتشيري تعتذر للزبائن عن التوقف المؤقت عن بيع الخبز بسبب نقص الغاز، مع تراجع عدد مرات الخَبز اليومية إلى النصف تقريبا.
وتزداد الأزمة حساسية في الهند لأنها تضرب حكومة ناريندرا مودي في لحظة انتخابية دقيقة، فيما يصف هو نفسه الوضع بأنه "مقلق".
كما يرى المقال أن ما يجري يشكل جرس إنذار للهند كلها، التي اختُبر أمنها الطاقي مرتين في فترة قصيرة: أولا مع اضطرابات النفط الروسي، ثم مع حرب إيران. ولهذا تنقل الصحيفة عن محللي "برنشتاين" قولهم إن التحول إلى بدائل كهربائية لم يعد ترفا بقدر ما أصبح ضرورة.
أما الحكومة، بحسب المقال، فتحاول تهدئة الذعر بملاحقة المحتكرين والسوق السوداء، والتأكيد على أن الهند لا تزال "واحة من الأمن الطاقي والتوافر والقدرة على التحمل"، لكن مشاهد الطوابير والمطابخ الخالية والموائد المنقوصة تقول إن أثر الحرب سبق تطمينات الخطاب الرسمي.
ولا يقتصر أثر الحرب على شركات الطيران أو مطابخ الهند. ففي بريطانيا، حذرت تقارير حديثة من أن تداعياتها بدأت تصل إلى الحياة اليومية نفسها، من ارتفاع أسعار بعض الأدوية الشائعة في إنجلترا بنسبة تراوحت بين 20% و30%، إلى تراجع ثقة الأسر مع مخاوف من موجة غلاء جديدة، فيما بدأت كلفة الوقود تضيف عشرات اليوروهات إلى تذاكر الطيران الأوروبية وتهدد بنقص الإمدادات في بعض المطارات إذا طال أمد الأزمة.
كما تتسع دائرة المتضررين إلى السياحة في تايلاند وتقنين الوقود في سريلانكا، بما يجعل الحرب حدثا يُعاد الشعور به من الصيدلية والمطبخ إلى المطار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة