غزة- في خيمتها المقامة على أنقاض منزل عائلتها المدمر في بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، يعلو نحيب والدة الطفلة ريتاج ريحان التي قتلتها رصاصة إسرائيلية وهي على مقاعد الدراسة في خيمة تعليمية انضمت لها مؤخرا.
بلا وعي تنادي الأم المكلومة عُلا ريحان "أعيدوا لي ريتاج"، فيتحول صدى صوتها إلى دموع تنهمر من النسوة اللواتي جئن لمواساتها في فاجعتها.
تعود بداية التفاصيل المؤلمة إلى صبيحة الخميس الماضي عندما اصطحب والد ريتاج طفلته البالغة من العمر 9 أعوام إلى مقاعد الدراسة -التي أقيمت على أنقاض مدرسة أبو عبيدة بن الجراح المدمرة في بيت لاهيا– لتلتحق بالخيمة التعليمية التي نُصبت قبل 5 أيام فقط.
كانت ملامح السعادة تعلو وجه الطفلة التي تنضم للدراسة لأول مرة منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ، لكنْ في لحظة واحدة، قرر جندي إسرائيلي يتمركز داخل الخط الأصفر شمالي القطاع، إنهاء حياة ريتاج قبل أن تعود إلى خيمة أسرتها.
كانت تقف في مقدمة الفصل تنتظر تصحيح دفترها، وعلى نحو مفاجئ اندفعت الدماء من فمها قبل أن تسقط أرضا، ليتبين أن رصاصة اخترقت الخيمة واستقرت في جوفها، كما يروي عدد من الأطفال الذين كانوا على مقاعد الدراسة معها للجزيرة نت.
على عجل استعانت إدارة المدرسة بعربة تجرها دابة للوصول إلى أقرب نقطة طبية في محاولة يائسة لإنقاذها ريتاج، بعدما دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي جميع مستشفيات محافظة غزة.
"أصيبت إصابة مباشرة.. بدون أي فرصة للعيش" يقول الأب عبد الرؤوف ريحان، الذي تلقى اتصالا هو الأقسى في حياته، ليبلغه مدرس ابنته أنها فارقت الحياة.
بينما يقلب دفترها الملطخ بدمائها يروي الأب للجزيرة نت تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة طفلته، بصوت يختلط فيه الذهول بالفقد، بعد أن تحولت طريقها القصيرة إلى خيمة التعليم إلى رحلة بلا عودة.
يحاول الأب أن يخفي دموعه لكنها غلبته وهو يقول "كنت أعتقد أن عودة ريتاج للدراسة بعدما كانت في المرحلة التمهيدية قبل العدوان، سيعوضها ما حرمتها منه الحرب، لكنْ في ذلك الصباح انتهى كل شيء.. أوصلتها وهي تسير على قدميها، وعادت جثة هامدة".
في دفترها المدرسي، بقيت آثار اللحظة الأخيرة شاهدة على ما حدث، فقد امتلأت صفحاته بدماء ريتاج التي اختلطت بكلماتها، وكان آخر ما كتبته: "قريتنا نظيفة"، لكنّ رصاصة قاتلة مزّقت هذه الكلمات البسيطة التي كانت حلما لطفلة تعيش بين الدمار الذي خلفته الحرب.
"يبدو أن الاحتلال لا يريد أي محاولة للحياة" يقول الأب، في إشارة إلى البلدة التي دُمرت مبانيها، واضطر هو وأسرته للعيش في خيمة قرب ركام منزله فيها.
يختصر عبد الرؤوف خسارته بكلمات قليلة: "كنت أحلم تكبر قدام عيني، لكنّ الاحتلال قتلها ولاحق أحلامي".
في الخيمة التي غابت عنها ريتاج، تقلب والدتها صورها وتحتضن ملابسها، ولم تعد تحتمل الحديث أمام دموعها التي لم تتوقف.
يقول خال الطفلة علاء ريحان، إن هذه الملابس الجديدة اشترتها ريتاج قبل أيام لترتديها في زفافه المقرر بعد أيام، لكنّ الفرحة المنتظرة تحولت إلى فاجعة، موضحا أن والديْ ريتاج رزقا بها بعد عناء، وخمس سنوات من العلاج انتهت بعملية زراعة طفل أنابيب، وهو ما يضاعف الحزن على فقدانها.
غابت ريتاج وبقي شقيقها الأصغر البالغ من العمر 5 سنوات يبكي بجوار والدته لعدم رؤيته شقيقته، لكنه لا يدري ماذا يعني أن تخطف رصاصة إسرائيلية حياة ريتاج دون عودة.
أما جدّ الطفلة الحاج رائد ريحان الذي تتدلى سبحته من كفّه، فيحاول مواساة والديها، ويشدد على أن الاحتلال يصر على قتل أي أمل لأطفال غزة ليعيشوا كراما بعيدا عن أجواء الحرب المريرة.
على بعد مئات الأمتار، شقت الجزيرة نت طريقها حيث مقاعد الدراسة البدائية التي أقيمت على أنقاض المدرسة، وبدا المكان خاليا عقب هروب الطلبة مذعورين بعدما قتلت الرصاصة ريتاج.
يعم الصمت المكان وتبدو جدران المدرسة القديمة المهدومة شاهدة على الأذى الذي ألحقه جيش الاحتلال بالمرافق التعليمية بغزة، وفي الوقت تُظهِر الفصول البديلة المصنوعة من النايلون والمقاعد الخشبية، محاولات حثيثة لإحياء العملية التعليمية في المكان من جديد، قبل أن تقتلها رصاصة إسرائيلية.
داخل الخيمة التعليمية الشاهدة على جريمة الاحتلال، تبدو آثار الرصاصة الإسرائيلية التي اخترقت فم ريتاج جليّة، إذ لا تزال دماؤها التي سالت شاهدة على فظاعة محتل لا يريد للحرب أن تتوقف.
هكذا انتهت رحلة هذه الصغيرة مع التعليم لتنضم إلى قافلة تضم 21 ألفا و510 أطفال قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، وفقا لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة التي أصدرتها في 5 أبريل/نيسان الجاري بمناسبة يوم الطفل الفلسطيني، لتبقى قصتها واحدة من حكايات كثيرة في غزة، تحولت فيها التفاصيل البسيطة كالدفتر المدرسي أو الخيمة التعليمية، إلى أهداف لا تنجو من الرصاص.
ووفقا لأحدث إحصائية أصدرتها وزارة التربية والتعليم في غزة فإن الاحتلال الإسرائيلي حرم خلال عامين من حرب الإبادة 785 ألف طالب من حقهم في التعليم، وقتل 88 معلما، و45 أكاديميا، ودمر 95% من مدارس قطاع غزة، بالإضافة إلى تدمير أكثر من 30 مؤسسة تعليم عالٍ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة