آخر الأخبار

هل حان الوقت لمقاربة أمنية جديدة مناقضة لمنطق "النفوذ" الغربي؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تحت وطأة الحروب المفتوحة وتصاعد التوترات الجيوسياسية، يعيد الإعلام طرح سؤال قديم جديد: هل لا يزال منطق "مناطق النفوذ" صالحا لتفسير وضبط العلاقات الدولية، أم أن القرن الـ21 يحتاج إلى مقاربة مغايرة للأمن؟

في هذا السياق يقدم تحليل نشرته صحيفة غلوبال تايمز الصينية للباحث أندريه كورتونوف عضو مجلس الشؤون الدولية الروسي، تصورا يدعو إلى تجاوز هذا المفهوم لصالح نموذج للأمن الجماعي، وبشكل يتقاطع بوضوح مع الخطاب الرسمي والإعلامي الصيني الرافض لمنطق الهيمنة وتقسيم العالم إلى دوائر مغلقة.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 من غزة إلى إيران.. محاولات تقويض المقاومة وإعادة تشكيل الإقليم
* list 2 of 3 إيران ترفض هدنة مؤقتة وتضع شروطا لسلام دائم مع أمريكا
* list 3 of 3 تحذيرات أوروبية من "جنون" التصعيد مع اقتراب انتهاء مهلة ترمب end of list

يذكّر كورتونوف بأن فكرة "مناطق النفوذ" ترسخت تاريخيا كأداة استخدمتها القوى الكبرى لفرض إرادتها على الدول الأضعف، عبر تقييد سيادتها وخياراتها الخارجية ضمن حدود نفوذ مرسومة سلفا.

حق مكتسب؟

وقد شاع مع نهاية القرن الـ20 الاعتقاد بأن هذا النموذج في طريقه إلى الأفول تحت تأثير العولمة وتزايد الترابط الاقتصادي والمعلوماتي.

بيد أن العقدين الأخيرين أظهرا أن منطق تقاسم النفوذ لم يختف، بل عاد بصيغ محدّثة تخفي جوهره خلف شعارات قانونية أو أخلاقية تبرر تدخل القوى الكبرى في محيطها أو في مناطق بعيدة، مع الحفاظ على فكرة "الحق المكتسب" في إدارة ساحات معينة.

وقد حرصت الصين في مستوى الخطاب الرسمي، على وضع مسافة واضحة بينها وبين هذا الإرث التاريخي.

حيث جاء في "الكتاب الأبيض للدفاع الوطني في العصر الجديد 2019" أن الصين لن تسعى أبدا إلى الهيمنة أو التوسع أو مناطق النفوذ، واعتبار هذا الامتناع بوصفه سمة مميزة لسياسة الدفاع الصينية، ورسالة سياسية تفيد بأن صعود بكين لا يفترض إعادة إنتاج نموذج الإمبراطوريات التقليدية التي بنت أمنها على السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على جوارها.

حذّر دينغ في مقاله من أن قراءة السياسة الخارجية الصينية بمنظار مناطق النفوذ الغربية تقود إلى سوء تقدير خطير يفترض مسبقا أن كل قوة صاعدة نسخة مكررة من القوى الاستعمارية السابقة

المخاوف

هذا الموقف وجد صداه في مقال نشرته صحيفة "غلوبال تايمز" للكاتب دينغ غانغ استعرض فيه ورقة بحثية للبروفيسور دا وي من جامعة تسينغهوا تحت عنوان "المخاوف الأمنية معقولة، ومناطق النفوذ ليست كذلك"، ناقش فيه الكاتب كيف طورت المجتمعات الآسيوية وبينها الصين -التي عانت من مناطق النفوذ- رفضا عميقا لفكرة تقسيم الدول إلى مناطق تابعة لهذه القوة أو تلك.

إعلان

وحذر دينغ في مقاله من أن قراءة السياسة الخارجية الصينية بمنظار مناطق النفوذ الغربية تقود إلى سوء تقدير خطير يفترض مسبقا أن كل قوة صاعدة نسخة مكررة من القوى الاستعمارية السابقة، كما انتقد مساعي واشنطن لبناء ترتيبات تعيد تدوير منطق الكتل المتنافسة الذي يغذي فكرة مناطق النفوذ ويدفع نحو صدامات جديدة.

انطلاقا من هذا التفسير ينتقل كورتونوف إلى طرح بديل يقوم على الانتقال من عالم مقسم إلى "مناطق نفوذ" إلى نظام أمن جماعي تشاركي.

ويستنتج بأن استمرار القبول بفكرة المناطق يعني التسليم ببقاء العالم مجزأ إلى وحدات أمنية مغلقة، في الوقت الذي أصبحت فيه التهديدات المعاصرة -من أسلحة الدمار الشامل والشبكات الإرهابية إلى الهجمات السيبرانية والأزمات المالية والوبائية- عابرة للحدود بما يجعل التقسيم الجغرافي الصلب دون جدوى.

أربع مزايا

ويعدد كورتونوف في مقاله 4 مزايا رئيسية لنموذج الأمن الجماعي:

-أنه لا يشترط إطارا إقليميا ثابتا، إذ يمكن أن تتشكل ترتيباته حول قضايا أو تهديدات محددة مثل منع الانتشار النووي أو مكافحة الإرهاب.

-أنه نهج شامل بطبيعته، لا يرسم حدودا بين "مناطق نفوذ" ولا يكرس تمييزا مؤسسيا بين قوى عظمى وأخرى عادية.

-أنه لا يحتاج إلى "عدو خارجي" لإضفاء الشرعية، بل يركز على التهديدات المشتركة بما فيها قضايا "الأمن الناعم" مثل حوكمة الذكاء الاصطناعي والمخاطر البيئية.

-أنه لا يفترض وجود تراتبية جامدة بين قادة وأتباع، بل يقوم على التزامات متبادلة وعلاقات متساوية قدر الإمكان.

ويقول إن بعض مرتكزات هذا الطرح تلتقي مع مبادرة الأمن العالمي التي أعلنتها الصين قبل نحو 4 سنوات، والتي تدعو -وفق ما نقلته صحيفة غلوبال تايمز- إلى التمسك بمبدأ الأمن غير القابل للتجزئة، وبناء هيكل أمني متوازن وفعال ومستدام، ورفض تحقيق أمن طرف على حساب تقويض أمن طرف آخر أو عبر أحلاف مغلقة ومناطق نفوذ حصرية.

من مزايا نموذج الأمن الجماعي أنه لا يشترط إطارا إقليميا ثابتا، إذ يمكن أن تتشكل ترتيباته حول قضايا أو تهديدات محددة مثل منع الانتشار النووي أو مكافحة الإرهاب.

معيار مخالف للغرب

بهذا المعنى، يمكن قراءة هذه المبادرة الصينية كمحاولة لصياغة إطار معياري للأمن الجماعي يختلف عن النموذج الغربي القائم على التحالفات العسكرية الصلبة.

وقد برز هذا الخطاب مجددا في تفاعل بكين مع تصريحات أمريكية حول إعادة تفعيل عقيدة مونرو في عهد الرئيس دونالد ترمب. إذ علقت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية "ماو نينغ" على تصريح منسوب لواشنطن تقول فيه إن "هذا هو نصف الكرة الخاص بنا".

وأكدت أن "اقتطاع مناطق نفوذ أو خلق مواجهات جيوسياسية لن يجعل أي دولة أكثر أمنا ولن يجلب السلام للعالم"، وأن ما يحفظ الأمن هو "الأمن المشترك والأمن التعاوني".

الربط بين نقد مناطق النفوذ ونقد سياسة التكتل ظهر مجددا في افتتاحيات صحيفة غلوبال تايمز على خلفية الصراعات الإقليمية الأخيرة، ومن بينها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تناول أحد المقالات 3 سرديات غربية تتهم الصين: إما بالفشل في منع الأزمة، أو بتحمل مسؤولية التصعيد، أو بالاستفادة من استمرارها.

إعلان

عقلية مهووسة

واعتبرت الصحيفة أن هذه السرديات تعكس عقلية مهووسة بمنطق القوة ورسم مناطق النفوذ، وعاجزة عن فهم قيم "التعايش السلمي" و"المنفعة المتبادلة" التي تقول بكين إنها تحكم سياستها الخارجية.

وفي محاولة لإبراز اختلاف "النموذج الصيني" عن نموذج القوى الغربية التقليدية القائمة على الأحلاف المسلحة والمعادلات الصفرية، شددت الصحيفة على أن الصين لا تنخرط في تحالفات عسكرية أو مواجهات بين كتل متقابلة ولا في حروب بالوكالة.

وهو ما أشار إليه كورتونوف في تحليله مستدلا على ذلك بمثال مجموعة " بريكس" التي تمثل إطارا أكثر شمولا وتشاركية من منطق الأحلاف المغلقة.

ويؤكد كورتونوف في تحليله أن نحو 200 دولة في العالم لن تكون متساوية من حيث الحجم والموارد والخبرة، وأن الدول الكبرى ستستمر في حمل مسؤوليات خاصة في إدارة النظام الدولي، لكنّ ذلك لا يبرر تكريس فكرة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ حصرية بينما تبقى غالبية الدول على الهامش.

في ظل نظام دولي لا تزال القوة العسكرية والمصالح الاقتصادية فيه هي المحرك الأهم لسلوك الدول، يبقى الانتقال من عالم "مناطق النفوذ" إلى عالم الأمن الجماعي مسارا طويلا ومحفوفا بالتناقضات

ويكشف مقال أندريه كورتونوف موقف بكين من مفهوم "مناطق النفوذ" الذي لم يعد مجرّد رد فعل ظرفي على تصريح أمريكي أو أزمة عابرة، بل تحول إلى خطاب بنيوي متراكم يقدم مناطق النفوذ بوصفها إرثا استعماريا تجاوزه الزمن، ويطرح الأمن الجماعي الشامل كبديل معياري ومنشود.

مع ذلك يبقى التحدي الجوهري ماثلا في أعين منتقدي الصين الذين يرون أن سلوكها في بحر جنوب الصين ومضيق تايوان يحمل سمات قريبة مما ترفضه في خطابها، ما يشير إلى فجوة بين القول والفعل ستظل معيارا أساسيا لقياس مصداقية الطرح الصيني البديل.

وفي ظل نظام دولي لا تزال القوة العسكرية والمصالح الاقتصادية فيه هي المحرك الأهم لسلوك الدول، يبقى الانتقال من عالم "مناطق النفوذ" إلى عالم الأمن الجماعي مسارا طويلا ومحفوفا بالتناقضات، حتى بالنسبة للقوى التي ترفع لواء هذا التحول في خطابها الرسمي والإعلامي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا