دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة دقيقة وحاسمة مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسط تهديدات واضحة باستهداف البنية التحتية الحيوية داخل إيران، من جسور ومحطات كهرباء ومنشآت طاقة.
ومع تصاعد حدة التصريحات والتلويح بخيارات عسكرية واسعة، بدت الجهود الدبلوماسية عاجزة عن تضييق الفجوة بين الطرفين، خصوصا مع تصعيد الخطاب السياسي، إذ تحدث ترامب عن أن "حضارة إيران بأكملها ستموت الليلة"، في مقابل تحذير الحرس الثوري من أن أي تجاوز للخطوط الحمراء سيقابل برد "يتجاوز حدود المنطقة"، في وقت يترقب فيه العالم ما قد تحمله الساعات المقبلة من تطورات قد تعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة.
وفي هذا المشهد المتوتر، لم يعد التركيز محصورا على الرد الإيراني المباشر، بل اتسع ليشمل دور الحلفاء الإقليميين لطهران ، الذين يشكلون امتدادا استراتيجيا لقدرتها على الرد والتصعيد.
ومع تنوع أدوات الحلفاء، من القدرات الصاروخية التي تتيح استهداف العمق، إلى التحكم بالممرات البحرية الحيوية القادرة على تعطيل التجارة العالمية، وصولا إلى استهداف القواعد العسكرية والوجود الأميركي في المنطقة، تتزايد المخاوف من انتقال المواجهة إلى نطاق إقليمي متعدد الجبهات، خصوصا مع مؤشرات على أن أي رد قد لا يبقى ضمن الإطار التقليدي، بل قد يستهدف مفاصل حساسة في الاقتصاد والبنية التحتية الإقليمية. فكيف يمكن أن تتحرك هذه الأطراف إذا تم تنفيذ التهديدات الأميركية؟
في صدارة أدوات الضغط المحتملة، يبرز التهديد بإغلاق الممرات البحرية الحيوية، مع تقارير عن استعداد حلفاء إيران للذهاب نحو تعطيل مضيق باب المندب في حال خروج التصعيد عن السيطرة. هذا السيناريو، إذا تحقق، لا يقتصر تأثيره على المنطقة، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، نظرا لأهمية هذا الممر في حركة التجارة الدولية.
وتملك جماعة أنصار الله "الحوثيين" في اليمن القدرة العملية على تنفيذ هذا النوع من الضغط، سواء عبر استهداف السفن أو فرض واقع أمني يحد من حركة الملاحة.
ومع إغلاق مضيق هرمز، فإن تعطيل الملاحة في باب المندب أيضا سيدفع العالم نحو شلل جزئي في تدفق الطاقة، ما يرفع منسوب الضغط الدولي ويحوّل المواجهة إلى أزمة تتجاوز البعد العسكري.
بالتوازي، يتجه التصعيد نحو استهداف قطاع الطاقة كأحد أكثر الملفات حساسية. فالتلويح الأميركي بضرب منشآت الطاقة الإيرانية يقابله تحذير واضح من طهران بأن الرد قد يطال البنية التحتية المرتبطة بالنفط والغاز لدى الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة.
هذا التهديد لا يقتصر على الضربات المباشرة، بل يتضمن إمكانية تعطيل الإنتاج أو التصدير أو حتى البنية اللوجستية المرتبطة بالطاقة لفترات طويلة. وقد أشار الحرس الثوري إلى أن أي استهداف لمنشآت مدنية سيقابل برد مماثل قد يحرم خصومه من الاستفادة من موارد الطاقة لسنوات، في إشارة إلى احتمال دخول المواجهة في إطار استنزاف اقتصادي ممتد.
إلى جانب الطاقة، يبرز سيناريو استهداف البنية التحتية الحيوية كأداة مركزية في أي تصعيد مقبل. فالمواجهة قد تنتقل إلى ضرب شبكات الكهرباء والمطارات والموانئ، بما يؤدي إلى تعطيل الحياة اليومية وإحداث ضغط داخلي واسع.
وفي هذا السياق، تبرز قدرات أطراف تمتلك ترسانة صاروخية متقدمة، وعلى رأسها حزب الله في لبنان، الذي يُعد من أكثر الحلفاء قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة ومؤثرة داخل العمق الإسرائيلي. فقد انتقل الحزب خلال مراحل التصعيد من عمليات محدودة إلى نمط أكثر كثافة وتنظيما، مع توسيع بنك الأهداف ورفع وتيرة النيران.
وتشير المعطيات إلى أن الحزب يعتمد بشكل متزايد على تنسيق العمليات مع إيران وبقية الحلفاء، حيث تأتي الهجمات في توقيتات متقاربة من عدة جبهات، ما يهدف إلى تشتيت أنظمة الدفاع الجوي وإرباكها. كما يمتلك الحزب ترسانة صاروخية متنوعة، بينها صواريخ دقيقة قادرة على إصابة منشآت حيوية، ما يعزز من قدرته على إحداث تأثير استراتيجي.
وفي حال تنفيذ ضربات واسعة ضد منشآت الطاقة الإيرانية، قد يتجه الحزب إلى تصعيد نوعي يستهدف البنية التحتية الإسرائيلية بشكل مباشر، مثل محطات الكهرباء والموانئ والمطارات، في إطار فرض معادلة رد تقوم على إلحاق ضرر مماثل، وهو ما قد ينقل المواجهة إلى مستوى غير مسبوق من التأثير على الداخل.
في موازاة ذلك، تبقى القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة هدفا مباشرا لأي تصعيد، خصوصا في العراق، حيث تنشط فصائل موالية لإيران قادرة على تنفيذ هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيرة.
ومع ارتفاع مستوى التوتر، قد تتجه هذه الفصائل إلى تصعيد عملياتها بشكل منظم، عبر استهداف القواعد وخطوط الإمداد، في محاولة لفرض واقع ميداني جديد وتقليص الوجود الأميركي.
في المحصلة، يكشف المشهد عن تصعيد فعلي يتسم بتعدد أدوات الضغط وتداخل الجبهات، من الممرات البحرية إلى منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية وصولا إلى القواعد العسكرية، في إطار مواجهة لم تعد محصورة بطرفين بل تمتد على مستوى الإقليم.
هذا التشابك بين الأدوات والساحات يعكس انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدا، حيث تتداخل الضغوط العسكرية والاقتصادية في آن واحد، ويصبح أي تطور قابلا للتمدد سريعا خارج حدوده المباشرة.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى المسار مفتوحا على احتمالين: إما انفراجة في اللحظات الأخيرة تخفف من حدة التصعيد وتعيده إلى مسار يمكن احتواؤه، أو انزلاق تدريجي نحو مستوى أوسع يصعب ضبطه وتداعياته تتجاوز حدود المنطقة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة