آخر الأخبار

إعدام الأسرى .. ما وراء هندسة إسرائيل للإجرام؟!

شارك

مقدمة

توسل الاحتلال الإسرائيلي طوال عقود من الاحتلال بجهاز تعذيب جهنمي لكسر إرادة الشعب الفلسطيني وثنيه عن المقاومة ودفعه إلى الاستسلام.

وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبحت ماكينة التعذيب الإسرائيلية أكثر وحشية، حوَّلت أجساد الأسرى إلى أدوات لإرسال رسائل سياسية، ولجعل الأسير المفرج عنه يعيش في حال من "الموت الاجتماعي". لكن الاحتلال فشل في مسعاه، كما تؤكد شهادات متواترة لأسرى من ضحايا التعذيب والاغتصاب الذين أَفْرَجَ عنهم.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 هل ربح ترمب ونتنياهو الحرب على إيران؟
* list 2 of 2 السيناريوهات المحتملة لدور الحوثيين في الأيام المقبلة end of list

وهذا ما دفع الاحتلال إلى سَنِّ قانون إعدام الأسرى، حتى يجد الأسير نفسه بين موتين، وذلك في سياق ثقافة تُشرعِن العنف وتُحوِّل الجناة إلى "أبطال". وهذا بيان لذلك.

ذروة "الهندسة التشريعية" الإجرامية

صادق الكنيست الإسرائيلي في قراءة أولى، يوم الاثنين، 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بأغلبية 39 صوتًا مقابل 16 صوتًا.

وقد احتفل إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، بذلك التصويت بتوزيع الحلوى على أعضاء الكنيست.

ورغم أن القانون وُوجِه آنذاك ببعض المعارضة إلا أن معظم المعارضين اختاروا عدم التصويت لعلمهم أن الامتناع عن التصويت لا يُحتسب بدلًا من التصويت ضده.

وهذا دليل على أن التطرف في إسرائيل أصبح عامًّا. وهذا ما يكشفه تعليق زعيم المعارضة، أفيغدور ليبرمان: "يجب أن يموت الإرهابي، إما في ساحة المعركة أو في المحكمة".

جاء هذا القانون بعد أن أدرك الكيان المحتل فشله في القضاء على المقاومة رغم توسله بشتى أساليب التعذيب والتنكيل والاغتصاب والحرمان التي تؤدي إلى الوفاة.

لقد قُدِّم مشروع القانون على أنه قانون "استثنائي"، يتمتع بوضع خاص يسمح بإقراره بأغلبية الأصوات المدلى بها فحسب، وليس بأغلبية أعضاء الكنيست.

ينطبق القانون على الأفراد المدانين بأفعال أدَّت إلى مقتل إسرائيليين، إذا كانت هذه الأفعال بدافع "العنصرية أو العداء تجاه الجمهور" و"ارتُكبت بهدف الإضرار بدولة إسرائيل أو نهضة الشعب اليهودي"؛ ما يجعله ينطبق حصريًّا على الفلسطينيين. وقد قدَّمته عضو الكنيست، ليمور سون هار- ميليش ، من حزب "القوة اليهودية" القومي المتطرف، الذي يحظى بدعم قوي من المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة.

إعلان

لقد كان تطبيق عقوبة الإعدام على السجناء الفلسطينيين مطلبًا سياسيًّا رئيسيًّا لـ"بن غفير"، رئيس الحزب، الحليف الرئيسي للائتلاف الحكومي لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو. ومنذ تولي بن غفير منصبه، تدهورت ظروف اعتقال السجناء الفلسطينيين.

تنص القوانين الإسرائيلية على عقوبة الإعدام، ولكنها لم تُطبَّق إلا في حالات نادرة من الجرائم الخطرة، مثل الإبادة الجماعية، وقد طُبِّقت مرة واحدة، في 1962، ضد الضابط النازي السابق، أدولف أيخمان ، الذي كان مسؤولًا ألمانيًّا رفيع المستوى، اختطفه الموساد، في 11 مايو/أيار عام 1960، من الأرجنتين وحوكم في إسرائيل وصدر في حقه حكم بالإعدام بسبب دوره في "الهولوكوست" خلال الحرب العالمية الثانية.

يُقدِّم القانون ثلاثة بنود جديدة تُشير إلى نية تطبيق عقوبة الإعدام على الفلسطينيين؛ أولًا: تُجيز صياغة مشروع القانون تطبيق عقوبة الإعدام على الأفراد المُدانين بقتل إسرائيليين لأسباب "قومية أو عنصرية". وهذا يُقيِّد تطبيقه على غير الإسرائيليين، ويُستخدم تعبير "الجرائم القومية" الملطف المُستخدَم عادةً لوصف الهجمات الفلسطينية ضد الإسرائيليين. ثانيًا: بما أنه ينطبق على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة فإنه يمنح المحاكم العسكرية الإسرائيلية، وهي الجهة التي تُصدر أحكامًا جزائية ضد الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، سُلطةَ إعدامهم. ثالثًا: يُجيز إصدار حكم الإعدام بأغلبية بسيطة من القضاة، وليس بالإجماع.

وعلى الرغم من أن القوانين لا تسري بأثر رجعي كونها قاعدة عامة، فقد دعا بن غفير إلى إعدام السجناء الفلسطينيين المدانين بتهمة "المقاتلين غير الشرعيين"، وخاصة أولئك المتهمين بأنهم مقاتلون من حماس، والذين أُلقي القبض عليهم منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد استغل بن غفير أجواء ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول للترويج للقانون.

يُمثِّل مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ذروة "الهندسة التشريعية" الإجرامية التي تنتهجها منظومة الاحتلال؛ إذ يهدف المقترح بشكل مباشر إلى توسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام لتشمل القضايا المرتبطة بالفلسطينيين حصرًا، وتحديدًا الأسرى والمعتقلين. وقد انتقل المشروع من حيز الأفكار المتطرفة إلى المسار الرسمي بعد مصادقة لجنة الأمن القومي التابعة للكنيست عليه؛ ما يضع الأساس القانوني لتحويل القتل السياسي إلى ممارسة تشريعية مُمأسسة تتجاوز الضمانات القضائية الدولية.

شهدت السياسة العقابية للاحتلال تحولًا نوعيًّا وجذريًّا في عقيدتها الجنائية؛ فمن الناحية التاريخية، ظلت عقوبة الإعدام "استثناءً نظريًّا" معطلًا في القوانين الإسرائيلية، ولم تُطبَّق فعليًّا سوى في حالة وحيدة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، أما المشهد الراهن، فيكشف عن انتقال إستراتيجي نحو "مأسسة القتل" عبر دفع تشريعي يستهدف الوجود الفلسطيني. هذا التحول ليس مجرد تشديد للعقوبة بل هو إعادة صياغة للنظام القانوني ليصبح أداة تصفية جسدية مباشرة بغطاء تشريعي، محولًا الاستثناء التاريخي إلى قاعدة سياسية وعقابية.

مصدر الصورة فلسطينيون يرفعون صورًا لأسرى لدى إسرائيل على هامش مؤتمر للدفاع عنهم عقد في رام الله (الفرنسية)

يوضح الجدول الآتي التسلسل الزمني لتطور التشريع، والذي يعكس إصرارًا سياسيًّا على الضرب بالقانون الدولي عُرْض الحائط.

مصدر الصورة

إن تفكيك النص التشريعي المقترح، يبرز ملامح خطرة تهدف إلى طمس معايير العدالة الجنائية:

إعلان

فالقانون لا يكتفي باستهداف القتل العمد، بل ينص على إيقاع عقوبة الموت بحق كل من يتسبب بموت مواطن إسرائيلي بدافع "عنصري" أو للإضرار بإسرائيل، سواء كان ذلك عن قصد أم بسبب "اللامبالاة"؛ وهو توسع قانوني يهدف إلى خفض عتبة الإدانة وتسهيل استصدار أحكام الإعدام. يهدف القانون إلى تغيير شروط فرض العقوبة من "الإجماع" بين القضاة (كما كان متبعًا سابقًا لمنع الأخطاء القضائية) إلى "الأغلبية" فقط؛ وهي خطوة إستراتيجية تهدف إلى تجاوز أي تردد أو "تحفظ قضائي" قد يبديه بعض القضاة في المحاكم العسكرية.

يمنع القانون المقترح أي إمكانية لتخفيف العقوبة أو تقليصها بعد صدور حكم نهائي؛ مما يجعل العقوبة قطعية وغير قابلة للمراجعة. بربطِ القانون الجريمةَ بالمساس بـ"إسرائيل كدولة جامعة لليهود"، يشرعن القانون استثناءً عنصريًّا واضحًا؛ حيث يُطبَّق على الفلسطينيين حصرًا ويستثني المستوطنين واليهود قانونيًّا، حتى في حال ارتكابهم جرائم قتل مماثلة ضد الفلسطينيين.

يُعد وزير الأمن القومي "إيتمار بن غفير" الدافع الرئيسي لهذا التشريع، مستندًا إلى تاريخ طويل ومسجل من النشاط المناهض للفلسطينيين ودعم العنصرية. يتقاطع هذا القانون مع سياساته المتطرفة الأخرى التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية قانونيًّا وميدانيًّا، ومن أبرزها:


* السعي إلى إلغاء المفاعيل القانونية لاتفاقيات أوسلو عبر تشريعات مضادة.
* انتهاج سياسة "الاكتظاظ الممنهج" في السجون أداة تعذيب أخرى.
* سياسة التجويع والحرمان من الاحتياجات الأساسية؛ إذ أقر علانية بتقديم "الحد الأدنى" فحسب من المتطلبات المعيشية، واصفًا الأسرى بـ"الإرهابيين" الذين لا يستحقون الحقوق الأساسية.

يكشف القانون عن نظام قضائي مزدوج يطبق معايير متناقضة بناءً على الهوية الوطنية؛ ما يقوض مبدأ المساواة أمام القانون.

لقد اتخذت حالة الطوارئ المعلنة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (والممتدة حتى 16 ديسمبر/كانون الأول 2025) غطاء قانونيًّا لتمرير القانون. تمنح هذه الحالة سلطات الاحتلال صلاحيات استثنائية لصياغة أنظمة طوارئ تتجاوز التشريعات العادية؛ ما سهَّل طمس المعايير الحقوقية وتصعيد الإجراءات الانتقامية ضد الأسرى بعيدًا عن الرقابة الدولية والقانونية.

يمثل إقرار قانون إعدام الأسرى خرقًا جوهريًّا وجسيمًا للمواثيق الدولية، ويضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع التوصيفات الجنائية الآتية:


* جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية: يندرج إعدام الأسرى تحت بند "القتل العمد" (المادة 8 من نظام روما الأساسي)، و"الاضطهاد" (المادة 7)، وتكريس نظام الفصل العنصري عبر تطبيق عقوبات قصوى على عرق محدد دون الآخر.
* تقويض التفريد القضائي: القانون يسلب القاضي سلطة تقدير الظروف الفردية لكل حالة ؛ مما يحوِّل المحكمة إلى أداة تنفيذية آلية للقتل.
* غياب الحياد: المحاكم العسكرية تفتقر أصلًا لشروط المحاكمة العادلة والاستقلال المطلوب دوليًّا؛ ما يجعل أي حكم صادر عنها بمنزلة تصفية خارج إطار القانون. مصدر الصورة متظاهرون في تل أبيب يرتدون أقنعة تحمل صور نتنياهو (يسار) و بن غفير(الفرنسية)

موقف أمريكي يغرد خارج سرب الإجماع العالمي

أثار إقرار الكنيست الإسرائيلي القانون موجة انتقادات حادة على المستويات السياسية والقانونية والحقوقية.

فقد رأت فيه أطراف أوروبية، بما فيها كتل برلمانية ومؤسسات رسمية، انتهاكًا صريحًا لمبادئ حقوق الإنسان، ودعت إلى إجراءات عقابية محتملة، من بينها تعليق اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل.

كما أعربت عدة دول غربية عن قلقها من الطابع التمييزي للقانون واحتمال تطبيقه حصريًّا على الفلسطينيين، في حين شدَّدت منظمات حقوقية دولية على خطورته في ظل منظومة قضائية تُسجل معدلات إدانة مرتفعة وتفتقر لضمانات المحاكمة العادلة.

إعلان

في السياق ذاته، أدانت دول عربية وإسلامية، إلى جانب مؤسسات فلسطينية، القانون وعدَّته تصعيدًا خطرًا وانتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، محذِّرة من تداعياته على الاستقرار الإقليمي وعلى أوضاع الأسرى الفلسطينيين. كما ربطت بعض التحليلات بين هذا التشريع وسياسات أوسع تتسم بالتمييز البنيوي، تصل حدَّ توصيفها بممارسات فصل عنصري.

وعلى الرغم من هذا الإجماع الدولي الواسع على رفض القانون، برز الموقف الأمريكي يغرد خارج السرب كدأبه كلما تعلق الأمر بإسرائيل ليؤكد احترام "الحق السيادي" لإسرائيل في سَنِّ تشريعاتها. إن إقرار القانون يثير تساؤلات جوهرية بشأن فاعلية النظام الدولي في فرض الالتزام بمعايير حقوق الإنسان في سياقات النزاع.

مصدر الصورة تظاهر نشطاء إسرائيليون وفلسطينيون في بيت جالا بالضفة الغربيةاحتجاجًا على قانون عقوبة الإعدام (غيتي)

خاتمة

إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليس مجرد نص قانوني عقابي، بل هو تشريع للقتل العمد يطمس ما تبقى من معايير العدالة الدولية. وبناءً عليه، يجب على دول المجتمع الدولي ودول العالم التدخل الفوري وممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية حقيقية لوقف إقرار هذا القانون وتفعيل آليات المحاسبة الدولية.

كما يجب على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فتح تحقيق عاجل في "الهندسة التشريعية" العنصرية التي تمارسها إسرائيل بحق الأسرى، وهم فئة محمية بموجب القانون الدولي الإنساني. وأخيرًا على المنظمات الحقوقية الدولية القيام بمسؤولياتها والضغط من أجل إلغاء القانون.

إن إقرار الكنيست الإسرائيلي القانون يؤكد جنوح المجتمع الإسرائيلي إلى التطرف وتحوله إلى ثقافة راسخة. وهذا التطرف يتشربه الفرد الإسرائيلي داخل الأسرة وفي المدرسة منذ لحظات الحياة الأولى عبر نسق كامل من المحفزات والنواهي، صريحة وغير صريحة، تدفع به إلى امتثالٍ لا واع للمبادئ الأساسية لثقافة مجتمعه. تلك هي الصيرورة التي أسماها الأنثروبولوجيون "الترسيخ الثقافي". إن بنية الشخصية الإسرائيلية الناتجة من نقل الثقافة عن طريق التربية تتأقلم، مبدئيًّا، مع نموذج هذه الثقافة.

ولنا أن نتساءل: هل هذا القانون يندرج تحت عنوان "الخصوصية" التي تدعيها الصهيونية لـ"الشعب اليهودي"؛ "خصوصية العرق" و"خصوصية الذكاء" و"خصوصية المرض"…وغيرها من الأساطير التي جرفها "طوفان الأقصى"؟ إن هؤلاء الذين سَنُّوا قانون إعدام الأسرى هم من يخشى عليهم المؤرخ اليهودي المناهض للصهيونية، إيلان بابيه من الفوضى التي ستعم في مرحلة انهيار المشروع الصهيوني، كما هو شأن كل المشاريع الاستعمارية، وينتظر أن يسمع من الفلسطينيين ما يطمئنهم على مستقبلهم.

إن الاستعمار، وفقًا للمفكر المارتينيكي، إيمي سيزير، يعمل على نزع الصفة الإنسانية عن المستعمَر، ومعاملته بوحشية بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإذلاله. إن الاحتلال الإسرائيلي لا يملك السلطة المطلقة لتجريد من أسماهم قادة إسرائيل، وبعض نخبتها "الحيوانات"، من حقوقهم، إنما على حياتهم. وهكذا تحول الفلسطيني إلى ما أسماه الفيلسوف الإيطالي، جورجيو أغامبن "الإنسان العاري" أو "المستباح"

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا