في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في تطور لافت ضمن مسار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، برز إعلان واشنطن تنفيذ عملية خاصة لإنقاذ طيار أمريكي من داخل الأراضي الإيرانية، في مشهد لم يتوقف عند حدوده الميدانية، بل امتد إلى مستوى مواز، حيث تتشكل روايتان متقابلتان تسعى كل منهما إلى ترسيخ تفسيرها لما جرى.
على الخريطة التفاعلية، تتضح ملامح هذا المشهد الأولي، إذ أشار عبد القادر عراضة إلى أن الوقائع تتركز في نطاق جغرافي بين أصفهان وخوزستان، وتحديدا في منطقة دهدشت ضمن محافظة كهكيلويه وبوير أحمد، حيث يرجح سقوط المقاتلة الأمريكية إف-15، قبل أن تتطور الأحداث إلى عملية بحث وإنقاذ خلال الأيام اللاحقة.
ومن خلال تتبع مسار هذه التطورات، يتضح أن التباين لا يقتصر على الوقائع الميدانية، بل يمتد إلى طريقة سردها؛ إذ أوضح عراضة أن الرواية الأمريكية تتحدث عن نجاح القوات في تحديد موقع الطيار والوصول إليه، في حين تشير الرواية الإيرانية إلى استهداف مسيرة وتدمير أو إسقاط طائرات نقل ومروحيات، مع الحديث عن اشتباكات في محيط العملية، بما يعكس اختلافا في تقديم الحدث نفسه.
وفي دلالات هذا التحرك، قال العقيد نضال أبو زيد، الخبير العسكري والإستراتيجي، إن نجاح القوات الأمريكية في الوصول إلى الأراضي الإيرانية وإنقاذ الطيار "أزعج الجانب الإيراني"، خاصة بعد أن كانت طهران قد نجحت، وفق تقديره، في انتزاع السيادة الجوية عبر استهداف الطائرات الأمريكية.
وأضاف أن الولايات المتحدة "عادت وانتزعت السيادة الجوية مرة أخرى"، مشيرا إلى أن وجود الطائرات الأمريكية داخل العمق الإيراني دون استهداف، إلى جانب وجود قوات برية. وانطلاقا من هذه المعطيات كما عرضها أبو زيد، يشير حديثه إلى هذا التحول في مسار السيطرة الجوية.
على مستوى تفسير النتائج، يتصاعد التباين في توصيف ما جرى، حيث يرى بول ديفيس، أستاذ معهد السياسة العالمية في واشنطن، أن العملية تمثل "دفعة معنوية للقوات الأمريكية"، وتعكس قدرة استخباراتية عالية، مؤكدا استمرار قدرة الولايات المتحدة على الوصول إلى عمق الأراضي الإيرانية واستعادة أفرادها.
في المقابل، يقدم عماد أبشناس، رئيس نقابة مراكز الأبحاث والدراسات في إيران، رواية مغايرة، معتبرا أن ما حدث كان "فشلا ذريعا للقوات الأمريكية"، مشيرا إلى تدمير طائرات دعم وإصابة عدد من الجنود، مع نفي سحب الطيار، في طرح يسعى إلى تقديم العملية بوصفها إخفاقا ميدانيا.
وبين هذين الطرحين، تتبلور روايتان متقابلتان، لا تتعلقان فقط بتفاصيل العملية، بل بالنتيجة التي يسعى كل طرف إلى تثبيتها أمام الرأي العام.
وعند الانتقال إلى ما يتجاوز الميدان، تتضح أهمية التأثير في الرأي العام، حيث قال أمين قمورية، الكاتب والمحلل السياسي، إن الجانب الأمريكي "حقق بسحب الطيار نقطة كبيرة لمصلحته"، لما لذلك من تأثير على صورة الجيش الأمريكي وهيبته، وقدرته على حماية جنوده.
وفي هذا الإطار، يضيف أن استعادة الطيار تعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة لا تترك جنودها، وهو عنصر له وزن في الرأي العام الأمريكي، خاصة في ظل وجود معارضة للحرب.
في المقابل، يشير قمورية إلى أن إيران، حتى لو نجحت في إسقاط الطائرات، لكنها فقدت "ورقة مهمة جدا"، وهي ورقة الطيار، التي كان يمكن توظيفها سياسيا وإعلاميا، مما يعني خسارة عنصر كان من الممكن أن ينعكس على اتجاهات الرأي العام.
وفي امتداد لهذا الجدل، قال عادل شديد، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، إن إسقاط المقاتلة الأمريكية إف-15 يشكك في الرواية الأمريكية بشأن السيطرة الكاملة على الأجواء الإيرانية، مؤكدا استمرار قدرة الدفاعات الإيرانية، في حين يرى بول ديفيس أن كثافة الطلعات الجوية تعكس استمرار التفوق الجوي الأمريكي رغم هذه الحوادث.
أما في التقييم العسكري، فقال العقيد أبو زيد إن العمليات العسكرية تتضمن دائما خسائر، لكن معيار الحكم الأساسي هو تحقيق الهدف، مؤكدا أن "إنقاذ حياة الطيار أهم من الطائرات"، ومشيرا إلى أن العملية منحت الولايات المتحدة تفوقا معنويا وحرمت إيران من تحقيق المشهد المرتبط بالطيار الأسير.
وتباينت قراءات المحللين لما جرى؛ إذ يرى بول ديفيس أن العملية تحمل أثرا معنويا وتعكس قدرة الولايات المتحدة على استعادة أفرادها، في حين يركز أبشناس على الخسائر التي رافقتها، معتبراً أنها تمثل إخفاقا ميدانيا.
وفي هذا الإطار، يشير قمورية إلى أن استعادة الطيار تمثل مكسبا مهما للولايات المتحدة، مقابل خسارة إيران ورقة كان يمكن توظيفها سياسيا وإعلاميا.
أما العقيد نضال أبو زيد، فيؤكد أن ما جرى لا يمكن اعتباره انتصارا كاملا لأي طرف، في ظل الخسائر التي ترافق أي عملية عسكرية، مع التشديد على أولوية إنقاذ الطيار.
المصدر:
الجزيرة