آخر الأخبار

الاستيلاء على اليورانيوم المخصب.. هل يسهل نقل أخطر مادة على الأرض؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تحدثت تقارير إعلامية كثيرة منشورة على مواقع مقربة من البيت الأبيض في الولايات المتحدة، أن الاستيلاء على أسطوانات اليورانيوم المخصب أحد أهم الأهداف التي تضعها الولايات المتحدة في الحسبان، إذا قررت تنفيذ عملية برية في إيران.

وبعيدا عن صعوبة تحديد أماكن تلك الأسطوانات التي تحتاج إلى جهد استخباراتي كبير، فإن هذه ليست المشكلة الوحيدة، فالأزمة الأكبر ستكون في نقل تلك المادة التي تتمتع بمواصفات خاصة جدا، وهو ما يجعل هذا المخطط عملية شديدة التعقيد، لاسيما في ظل عملية عسكرية لن تكون سهلة.

وتبدو أسطوانات اليورانيوم المخصب للوهلة الأولى، مجرد أسطوانات معدنية ضخمة، لكنها في الحقيقة تحتوي على مادة توصف بأنها "الأخطر على الأرض"، إذ تتمتع بخصائص فيزيائية في الوزن والضغط والحرارة، تضيف الكثير من الصعوبة على عملية النقل.

مصدر الصورة اليورانيوم المخصب ينقل عادة على شكل سداسي فلوريد اليورانيوم (رويترز)

أثقل من الماء خمسة أضعاف

واليورانيوم المخصب ينقل عادة على شكل سداسي فلوريد اليورانيوم، وهو مركب كيميائي يتحول إلى صلب بلوري في درجات الحرارة المنخفضة لتسهيل النقل وتقليل المخاطر، وعند الحاجة لاستخدامه في عمليات التخصيب، يتم تسخينه لإعادته إلى الحالة الغازية، ليتمكن من الانتشار عبر الأنابيب ومواصلة المعالجة، وهذه الخصائص تجعل التعامل مع المادة شديد الحساسية، حيث يتطلب النقل والتخزين إجراءات أمان مشددة لمنع أي تسرب أو ارتفاع ضغط قد يؤدي إلى مخاطر كيميائية أو إشعاعية.

ويقول رئيس المركز المصري للفيزياء النظرية الدكتور عبدالناصر توفيق للجزيرة نت: "نحن أمام مادة كثافتها عالية جدا، إذ تبلغ في الحالة الصلبة، وهي الحالة التي يكون عليها أثناء النقل، نحو 5.1 غرامات لكل سنتيمتر مكعب، وهو ما يجعلها أثقل بنحو خمسة أضعاف من الماء، ما يعني أن كميات صغيرة منها، ستكون ثقيلة للغاية".

إعلان

ويضيف أن "هذه الكثافة العالية تعني أن كميات كبيرة من المادة يمكن ضغطها داخل حجم صغير نسبيا، لكنها في المقابل تجعل الأسطوانات المستخدمة في تخزينه ونقله ثقيلة للغاية وصعبة المناولة، الأمر الذي يضيف تحديا لوجستيا أثناء النقل".

وتحتاج مادة بهذا الشكل إلى معدات نقل كبيرة بكل ما يحيط بها من تعقيدات هندسية ولوجستية، وهذا يفرض أيضا ضرورة استخدام حاويات قوية تتحمل الوزن وحتمية إجراء حسابات دقيقة لتوزيع الأحمال أثناء النقل وأيضا أخذ المخاطر الميكانيكية المحتملة مثل السقوط أو الصدمات في الحسبان، وفق ما أوضح الدكتور عبدالناصر.

ويشير تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن هذه المادة يجب أن تنقل تحت ضغط أقل من الضغط الجوي، وهي طريقة تهدف إلى تقليل احتمالات التسرب.

ويوضح التقرير أن "أحد أهم التحديات الأخرى، أن الأسطوانات المستخدمة في النقل، هي حاويات متعددة الاستخدامات، تستعمل ليس فقط في النقل، بل أيضا في التخزين والإنتاج داخل المنشآت النووية، ونظرا لأن النقل يشكل جزءا صغيرا فقط من دورة حياة الأسطوانة، فإنها تتعرض عبر الزمن لتأثيرات التآكل الميكانيكي والكيميائي والإجهاد الحراري".

أخطار ارتفاع الحرارة والضغط

ومشكلة نقل تلك المادة ليست في ثقلها فقط، بل أيضا في خطورة حدوث ارتفاع تدريجي في درجات الحرارة.

ويقول عبدالناصر: "بعض مركبات اليورانيوم، خاصة عند تخزينها أو نقلها لفترات طويلة، قد تتعرض لارتفاع تدريجي في درجة حرارتها نتيجة ما يُعرف بـالتحلل الإشعاعي الذاتي، ففي هذه العملية، تطلق نوى الذرات غير المستقرة طاقة على هيئة جسيمات وإشعاع، يتحول جزء منها إلى حرارة تتراكم ببطء داخل المادة، خصوصا إذا كانت محفوظة في حاويات مغلقة أو ذات تهوية محدودة".

ويوضح تقرير لهيئة التنظيم النووي الأمريكية أن هذا الارتفاع الحراري، حتى وإن كان تدريجيا، يمكن أن يؤدي إلى تمدد المادة أو الغاز داخل الأسطوانة، ما يرفع الضغط الداخلي بمرور الوقت، ومع استمرار هذا الضغط، تزداد احتمالات إجهاد جدران الحاوية، وقد تظهر تشققات دقيقة أو يتأثر نظام العزل، خاصة في حال وجود عوامل حماية إضافية تمنع التآكل أو الصدمات أثناء النقل.

وتشير دراسة لباحثين من مختبر أوك ريدج الوطني بأمريكا نشرتها دورية "جورنال أوف راديوأناليتكال أند نيوكليير كيمستري" (Journal of Radioanalytical and Nuclear Chemistry)، أنه حتى الحرارة اليومية يمكن أن تتحول إلى تهديد حقيقي، فأسطوانات سداسي فلوريد اليورانيوم المستخدمة لنقل اليورانيوم المخصب، تتعرض أحيانا للشمس المباشرة خلال النقل، ما يؤدي إلى تغير توزيع المادة بداخلها.

وأوضحت الدراسة أن حرارة الشمس تجعل المادة تتجزأ مع نواتج التحلل، مما يؤدي إلى قياسات مضللة لمستوى التخصيب عند استخدام الأجهزة التقليدية للتحقق، وبعبارة أخرى، قد تبدو الأسطوانة آمنة وفقا للقراءات، لكنها قد تخفي داخلها واقعا مختلفا عن محتواها الحقيقي.

لكن المخاطر لا تتوقف عند حدود القياسات، فالتغير الحراري، وفق الدراسة، يسبب تمددا داخليا للغاز والمادة الصلبة، ما يرفع الضغط على جدران الأسطوانة ويزيد احتمالية حدوث تشققات دقيقة أو تلف في نظام العزل، ومع عوامل إضافية مثل الصدمات والاهتزازات خلال النقل، يصبح الخطر مضاعفا، مما يجعل حماية الأسطوانات والطاقم والمحيط ضرورة قصوى.

مصدر الصورة حرارة الشمس تجعل المادة تتجزأ مع نواتج التحلل(شترستوك)

أخطاء صغيرة قد تتحول إلى كوارث

ولا تتوقف الأخطار عند المشكلات الكبيرة، بل إن عبد الناصر يشير إلى أنه "حتى الأخطاء الصغيرة قد تتحول إلى كوارث بسبب طبيعة تلك المواد، كأن يحدث اهتزاز زائد قد يسبب احتكاكا، وبالتالي تلفا في الحاوية، وارتفاع حرارة غير محسوب قد يؤدي إلى تمدد المادة أو تلف مواد العزل، كما أن الصدمات الميكانيكية أثناء التحميل والنقل قد تسبب تشققات طفيفة قد تتسبب لاحقا في تسرب، وأخيرا لا نغفل احتمالية حدوث أخطاء بشرية في الإغلاق أو التثبيت والتحميل، فقد يؤدي ذلك إلى فقدان السيطرة على المادة".

إعلان

والأخطار المترتبة على التسرب ليست بالهينة، كما تشير العديد من الدراسات، ومنها دراسة أمريكية نشرتها دورية "أتموسفيريك إنفايرونمنت" (Atmospheric Environment)، إذ أظهرت أن مركب سداسي فلوريد اليورانيوم عند تسربه قد يشكل خطرا كبيرا عند تفاعله مع الغلاف الجوي، فعند التعرض للرطوبة الجوية، يتحول إلى فلوريد الهيدروجين ويوريل فلوريد، وهي مركبات يمكن أن تسبب تهيجا حادا للجهاز التنفسي والعيون وتآكل الجلد عند التعرض لها مباشرة، ويمكن أن تبقى في الجو على شكل غبار دقيق أو تترسب على التربة والمياه.

وعليه، فإن التعامل مع اليورانيوم عالي التخصيب عملية بالغة الحساسية، ليس فقط لأنه مادة نووية يمكن أن تستخدم في تطبيقات عسكرية، بل لأن خصائصه الفيزيائية والكيميائية تجعله عرضة لمخاطر كبيرة إذا لم ينقل ويخزن وفق المعايير الصارمة.

وإذا كانت هذه المخاطر توجد في الظروف الطبيعية، فما بالنا بالعمليات العسكرية التي تهدف للاستيلاء عليه عنوة ومن ثم نقله خارج إيران.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار