آخر الأخبار

أجواء مغلقة وقواعد محظورة.. كيف تمردت دول أوروبية على ترمب بحرب إيران؟

شارك

في خضم التصعيد العسكري المستمر للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، برز إلى السطح شرخ داخل التحالف الغربي، أعاد إلى الأذهان رفض دول أوروبية عديدة الانخراط في الحرب التي شنتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش على العراق في العام 2003.

فمع غياب قرار موحّد على مستوى حلف شمال الأطلسي "الناتو" أو الاتحاد الأوروبي، اتخذت ثلاث من كبرى العواصم الأوروبية (مدريد، و روما، وباريس) قرارات بتقييد أو منع استخدام أجوائها وقواعدها العسكرية أمام الطيران الأمريكي، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول دوافع هذا الرفض، وتداعياته على مسار الحرب والنظام الدولي.

أولا: ما حقيقة المنع الأوروبي؟

لا يأخذ الرفض الأوروبي شكلا واحدا، بل يتدرج في مستوياته بناء على الحسابات السياسية لكل دولة:

إسبانيا (إغلاق تام وموقف حاسم): اتخذت مدريد الموقف الأشد صرامة، وأعلنت وزيرة الدفاع مارغريتا روبلز الإغلاق الكامل للمجال الجوي، قائلة بوضوح: "لا نسمح لا باستخدام القواعد ولا الأجواء لأي أعمال مرتبطة بالحرب في إيران".

ووصفت الحرب بأنها "غير قانونية وغير عادلة بشكل عميق"، وكانت مدريد قد أعلنت في وقت سابق رفض استخدام القاعدتين العسكريتين المشتركتين في "روتا" و"مورون" لأي عمليات مرتبطة بالحرب على إيران، قبل أن توسّع القرار ليشمل المجال الجوي بأكمله.

وقد ترجم رئيس الوزراء بيدرو سانشيز هذا الموقف أمام البرلمان بتأكيده رفض "كل خطط الطيران المرتبطة بالعملية في إيران، بما في ذلك طائرات التزود بالوقود". هذا الموقف دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتهديد مدريد علنا بقطع العلاقات التجارية.

إيطاليا (أزمة سيغونيللا وغياب التفويض): بحسب وكالة "رويترز" نقلا عن صحيفة "كورييري ديلا سيرا"، فقد رفضت روما السماح لقاذفات أمريكية بالهبوط في قاعدة "سيغونيللا" في صقلية.

ورغم تقارب رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني مع ترمب، فإن الرفض كان إجرائيا وعمليا. وأصدرت الحكومة الإيطالية بيانا أكدت فيه أن جميع الطلبات "تدرس بعناية على أساس كل حالة على حدة".

إعلان

واختارت إيطاليا تبرير قرار المنع -وفقا للمصدر ذاته- بعدم تقديم واشنطن طلب تصريح مسبق وعدم التشاور مع القيادة الإيطالية قبل تحليق الطائرات. وقد لاقت هذه الخطوة ترحيبا واسعا من قوى المعارضة الإيطالية التي اعتبرتها قرارا مهما يثبت صحة مخاوفها من التورط في الصراع.

فرنسا (رفض انتقائي وموازنة دقيقة): لم تصدر باريس قرارا رسميا بالإغلاق على غرار مدريد، لكنّ مصادر دبلوماسية وتقارير صحفية ذكرت أن فرنسا رفضت مرور طائرات متجهة إلى إسرائيل محملة بأسلحة أمريكية تُستَخدم في الحرب.

وفي المقابل، سمحت باريس باستخدام بعض التسهيلات للتزود بالوقود ودعم الحلفاء بالمنطقة، في محاولة دقيقة للموازنة بين التزاماتها الأطلسية ورغبتها في عدم الظهور كطرف مباشر في الهجمات.

ورغم ذلك اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرنسا علنا، عبر منشورات على منصة "تروث سوشيال"، بمنع مرور الطائرات الأمريكية فوق أراضيها، ولكنّ مسؤولا عسكريا فرنسيا نفى في تصريحات لصحيفة " نيويورك تايمز" أن تكون باريس قد أغلقت مجالها الجوي بالكامل أمام الطائرات الأمريكية، مؤكدا أن فرنسا لم تتخذ قرارا شاملا من هذا النوع.

بولندا (رفض تسليم أنظمة الدفاع الجوي): في امتداد لهذا الرفض والتحفظ الأوروبي، أعلنت بولندا رفضها القاطع لطلب أمريكي بنقل أنظمة الدفاع الجوي "باتريوت" الخاصة بها إلى الشرق الأوسط.

وأكد وزير الدفاع البولندي ولاديسلاف كوسينياك-كاميش أن هذه البطاريات مخصصة لحماية المجال الجوي للبلاد والجناح الشرقي لحلف الناتو، مشددا على أن "أمن بولندا يمثل أولوية مطلقة ولا توجد أي خطط لنقل هذه الأنظمة إلى أي مكان".

ثانيا: تناقضات ترمب تقلق الحلفاء

لفهم أسباب هذا الرفض، لا بد من النظر إلى التقييم الأوروبي لإدارة واشنطن للمعركة، فالأوروبيون متوجسون من الانجرار لحرب تفتقر لخطة خروج واضحة، وذلك على النحو التالي:

ورطة إستراتيجية: في مقال بصحيفة "تايمز"، اعتبر وزير الخارجية البريطاني السابق وليام هيغ أن ترمب ارتكب "حماقة جيوستراتيجية" ورطت بلاده في حرب غير ضرورية، واصفا ما يجري بأنه "خطأ إستراتيجي على نطاق مذهل".

رسائل متناقضة: أشار تقرير لموقع "أكسيوس" إلى أن ترمب كرر مرارا أن نهاية الحرب قريبة، متحدثا عن "نصر كامل"، بينما يناقض نفسه بالتهديد بتدمير البنية التحتية للطاقة الإيرانية.

مَن سيفتح مضيق هرمز؟

زاد الطين بلة -في نظر بعض الأوروبيين- ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال" عن استعداد ترمب لإنهاء الحملة العسكرية حتى وإن ظل مضيق هرمز مغلقا، مع تحويل عبء إعادة فتحه إلى الحلفاء في أوروبا والخليج.

هذا التوجّه جعل العواصم الأوروبية أكثر حذرا في تقديم أي دعم لوجيستي لحرب قد تترك أوروبا لتدفع فواتيرها الاقتصادية والأمنية بمفردها.

مصدر الصورة إيران تخطط لنظام جديد لعبور السفن مضيق هرمز بعد الحرب (رويترز)

ثالثا: الدوافع المباشرة (السياسة والاقتصاد والرأي العام)

إلى جانب القلق من إستراتيجية ترمب، تستند المواقف الأوروبية إلى ركائز واضحة:

الشرعية الدولية: تصنف حكومات أوروبية (خاصة يسار الوسط) الحرب بأنها أحادية الجانب وتفتقر للتفويض الأممي.

ضغط الشارع: تتحرك الحكومات الأوروبية -في عمومها- تحت وطأة رأي عام محلي لا يزال مثقلا بذاكرة حرب العراق ومآسي غزة، ويرى في التصعيد الحالي خطوة غير مبررة نحو مزيد من الفوضى.

إعلان

فوبيا التضخم وأزمة الطاقة: أدت الحرب إلى قفزة هائلة في أسعار النفط، وتدرك أوروبا أن استمرار التصعيد يعني أزمة طاقة مباشرة وضغطا اقتصاديا لا تحتمله الحكومات.

الخوف من الانتقام الإيراني: تحولت القواعد المستخدمة في الهجوم إلى أهداف محتملة، والدول الأوروبية المعنية ترفض وضع أراضيها في بنك الأهداف الإيراني.

مصدر الصورة قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري قرب ليماسول بقبرص تعرضت لقصف سابق (أسوشيتد برس)

رابعا: بين واشنطن وبكين.. أوروبا في منتصف نظام دولي مضطرب

لا تنحصر التداعيات في الجوار الإقليمي، بل تمتد لتشكّل قلقا عالميا، فوفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، تجد الصين- ومعها أوروبا – نفسها أمام ولايات متحدة قد تبدو قوية خصوصا في الجانب العسكري، لكنها "أضعف وأقل قدرة على التحكم في النظام الدولي. "

ومن شأن التحركات الأمريكية، التي يصفها بعضهم بالمتهورة، أن تزعزع استقرار النظام العالمي، والأسواق، والممرات البحرية (مثل مضيق هرمز)، وهي الأسس التي يعتمد عليها الاقتصاد الأوروبي والصيني على حد سواء.

هذا الاضطراب يدفع أوروبا -أو بعضها على الأقل- للنأي بنفسها عن ما تصفه بالفوضى الأمريكية قدر الإمكان.

خامسا: ظلال التاريخ تُعيد نفسها

هذا "التمرد" الأوروبي ليس سابقة معزولة، بل يُعيد إلى الأذهان محطات تاريخية مشابهة:

قصف ليبيا (1986): قيّدت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا استخدام أجوائها أمام الطيران الأمريكي.

غزو العراق (2003): عارضت فرنسا وألمانيا الحرب بشدة، ورفضت تركيا (عضو الناتو) استخدام أراضيها، في رفض واضح لحروب تراها تلك الدول "غير شرعية".

مصدر الصورة اعتبر وزير الخارجية البريطاني السابق وليام هيغ أن ترمب ارتكب "حماقة" ورطت بلاده في حرب غير ضرورية (الفرنسية)

الخلاصة

المشهد الحالي ليس حظرا أوروبيا شاملا، أو قريبا من ذلك، بل هو سلسلة من القرارات السيادية المتفاوتة، صارمة في إسبانيا، إجرائية في إيطاليا، وانتقائية في فرنسا.

ورغم اختلاف الأشكال، يجمعها قاسم مشترك: رفض التورط في حرب أحادية تفتقر لإستراتيجية خروج، يقودها رئيس أمريكي متقلب، وفقا لما يراه عدد من خصومه السياسيين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا