في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في سبتمبر/أيلول 1978، وصل الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى إيران للمرة الأولى بوصفه مبعوثا خاصا لصحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية، لتغطية الحركة الثورية الصاخبة في البلاد. وهناك شاهد شيئا مختلفا عن الثورة، كما رسخت في ذهنه أو كما عاشها خلال الاحتجاجات الطلابية والعمالية الهائلة في فرنسا في نهاية الستينات.
كانت دوافع فوكو تتجاوز مجرد الفضول الصحفي، حيث أراد أن يكون شاهدا على كيفية تحول خطاب الخضوع للسلطة إلى خطاب مقاومة. وكما أوضح لاحقا، فقد كان "يسعى لفهم طبيعة تجربة جماعية بدت وكأنها تقاوم جميع التصنيفات الغربية للتحليل السياسي". وما وجده، أو ما اعتقد أنه وجده، أتاح له فرصة كتابة بعض من أكثر كتاباته جرأة وإثارة للجدل في مسيرته الفكرية.
وقد تمحورت رؤية الفيلسوف الفرنسي للثورة الإسلامية حول مفهوم أطلق عليه اسم "الروحانية السياسية" الذي يلخص إمكانية وجود إرادة جماعية لا تحركها المصالح العقلانية أو المكانة الطبقية أو حتى البرنامج الأيديولوجي، وإنما هي شكل من أشكال التجربة الدينية التي ترفض وتتجاوز في آن واحد حدود السياسة العلمانية الحديثة.
انجذب فوكو في التجربة الإيرانية إلى استحالة اختزال الثورة، ظاهريا، إلى التصنيفات السياسية الغربية المألوفة. فالملايين الذين خرجوا في مسيرات فعلوا ذلك من وجهة نظره باسم شيء أقدم وأكثر شمولا، ألا وهو نمط حياة يذيب الحدود بين الحكم السياسي والخلاص الديني، وبين الإصلاح المؤسسي والتحول الذاتي.
بالنسبة لمفكر كرس حياته لتفكيك عقلية الحكم في زمن الحداثة، بدا هذا الأمر مثيرا للغاية، فها هو ذا شعب يرفض، على ما يبدو، إطار السلطة والمعرفة الذي أمضى فوكو عقدين من الزمن في تحليله. كان مفهوم "الروحانية السياسية"، في حد ذاته، ابتكارا فلسفيا حقيقيا. لم يقتصر الأمر على وصف دور الإسلام في الثورة، بل طرح فكرة أن الإسلام، في هذه اللحظة وهذا المكان، كان يعمل كشيء لا تستطيع النظرية السياسية العلمانية استيعابه، وكنمط من الذاتية الجماعية التي تتحدى الإطار الذي تجري فيه السياسة الحديثة عادة. مع ذلك، وفي غضون أشهر من انتصار الثورة، بدأ نظام الجمهورية الإسلامية في ملاحقة المعارضين وبناء جهاز أمني يتعارض مع نظرة فوكو الرومانسية.
"لم يقتصر فوكو على وصف دور الإسلام في الثورة، بل طرح فكرة أن الإسلام، في هذه اللحظة وهذا المكان، كان يعمل كشيء لا تستطيع النظرية السياسية العلمانية استيعابه".
لكن ما يثيره لقاء فوكو مع إيران تساؤلات أكثر عمقا تتجاوز تفسير ثورة معينة أو تقييم نظرة فيلسوف محدد. فهو يطرح تساؤلا حول ما يمكن للفلاسفة فعله، وما ينبغي عليهم فعله، عند مواجهة أحداث تاريخية عالمية فارقة، وهي أحداث تبدو وكأنها تتطلب انخراطا فكريا ودقة تحليلية، لكن تعقيدها وسرعتها يقاومان العمل الدقيق الذي تتطلبه المنهجية الفلسفية.
وهنا ربما يسقط الفيلسوف في فخ "السياحة الفلسفية"، التي تعني الانخراط المكثف والموجز في وضع سياسي أجنبي، متبوعا بتصريحات تفسيرية ذات نطاق نظري واسع دون دقة كافية. هذا النمط الفكري معروف وذو تاريخ طويل، من فولتير عن إنجلترا، إلى توكفيل عن أمريكا، إلى سارتر عن كوبا. وتبرز كتابات فوكو عن إيران بوضوح المخاطر المحددة لهذا النمط الفكري، على أساس الميل إلى رؤية الوضع الأجنبي تأكيدا للالتزامات النظرية المسبقة، وتصوير الآخر بصورة رومانسية، وإخضاع الاهتمام التجريبي للرغبة الفلسفية.
جاء ميشيل فوكو إلى الثورة الإيرانية من عقد صاخب بالتفكير، ربما هو الأهم في مسيرته الفلسفية. ولفهم ما اعتقد أنه يراه في إيران، من الضروري فهم ما ناقشه خلال العقد السابق حول السلطة الحديثة. فقد طور في كتابيه "المراقبة والمعاقبة" (1975) والمجلد الأول من "تاريخ الجنسانية" (1976) تحليل ما أسماه "السلطة الحيوية"، وهي مجموعة التقنيات التي تستخدمها الدول والمؤسسات الحديثة للتعامل مع السكان والأفراد بغرض الإدارة والتصنيف والهيمنة. فهي ليست سلطة بالمعنى السياسي التقليدي التي هي سلطة الحاكم في إصدار الأوامر والمعاقبة، أو حتى في إزهاق الأرواح أو العفو عنها، بل هي آلية أكثر دقة وانتشارا، هدفها الأساسي إنتاج أفراد مطيعين ونافعين وقابلين للهندسة من خلال التنظيم التأديبي للمكان والزمان والسلوك.
"طور فوكو مفهوم السلطة الحيوية التي تهدف لإنتاج أفراد مطيعين ونافعين وقابلين للهندسة من خلال التنظيم التأديبي للمكان والزمان والسلوك".
كانت تداعيات هذا التحليل على النظرية السياسية صادمة. فإذا لم تكن السلطة الحديثة في المقام الأول مسألة أيديولوجيا أو مصالح طبقية، بل مسألة ذاتية خاضعة للإدارة ولمعايير السلطة، وإذا كانت "الحرية" في المجتمعات الليبرالية نتاجا لأساليب تأديبية لا نفيا لها، فإن الموارد المعتادة للسياسة "التقدمية" مثل رفع الوعي والنقد البنيوي والاستيلاء على سلطة الدولة، تبدو في أحسن الأحوال غير كافية، وفي أسوأ الأحوال متواطئة مع العقلية نفسها التي ادعت معارضتها.
لذلك كانت مقاومة فوكو الغريبة لاقتراح برامج سياسية إيجابية، والتي أحبطت العديد من معاصريه، نابعة من منطق تحليله، الذي أشار إلى أن أي بديل متاح سيستعمر من قبل نفس العقلية التحكمية التي كان من المفترض أن يفلت منها. في الوقت نفسه، شهدت فترة أواخر سبعينيات القرن العشرين تحول فوكو نحو بعد أكثر إيجابية لمشروعه، أي نحو التساؤل عن أشكال الذاتية والحياة الجماعية التي قد تقاوم أو تتجاوز عملية التطبيع والتأديب التي تتعرض لهما الذات الحديثة في مؤسسات الضبط الاجتماعي كالمدرسة والمصحة والسجن.
واتجهت محاضرات فوكو في كوليج دو فرانس، منذ عام 1975 فصاعدا، نحو موضوع ما أسماه "الحوكمة"، أي العقلية التي تحكم بها المجتمعات والمساحات التي يمكن من خلالها تطوير فنون عيش بديلة. أما المحاضرات اللاحقة حول الأخلاق اليونانية والرومانية القديمة، والتي نشرت بعد وفاته بعنوان "رعاية الذات" (1984)، فقد وسعت هذا المشروع نحو دراسة أصول الذاتية الأخلاقية، أي الممارسات التي يشكل الأفراد من خلالها أنفسهم كذوات أخلاقية.
وهنا ولد النموذج الإيراني بالنسبة لفوكو. فقد دخلت إيران هذا المسار الفكري في نقطة محددة، وهي اللحظة التي كان يبحث فيها بإلحاح عن أمثلة تجريبية لما قد تبدو عليه مقاومة التطبيع مع ممارسات السلطة الحيوية. فقد بدت له المظاهرات الجماهيرية التي شهدها، من خلال ملايين الأشخاص الذين واجهوا طواعية سلطة الدولة المسلحة باسم نمط حياة سعى نظام الشاه التحديثي المتحالف مع الغرب إلى فرضه، مثالا واضحا على ذلك. وأصر على أن تقديم الثورة لنفسها بمصطلحات دينية صريحة كان أهم ما يميزها من الناحية الفلسفية.
ومن خلال هذا السياق، يبدو أن مفهوم "الروحانية السياسية" لم ينشأ عن جهل بالفكر الإسلامي أو لامبالاة بالسياسة الإيرانية، بل كان نتاج مشروع فلسفي يبحث عن مثال، وكان بحاجة إلى أن تكون الثورة الإيرانية على ما تبدو عليه، وبالتالي بدا أنه عاجز عن إدراك حقيقتها أمام إغراء هذا المثال.
استخدم فوكو عبارة "الروحانية السياسية" بشكل أكثر وضوحا في نص كتبه بعد زيارته الثانية لإيران، ونشره في مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور" في أكتوبر/تشرين الأول 1978. لكن المفهوم تم تفصيله عبر عدة نصوص لاحقة، مثل مقابلته "بماذا يحلم الإيرانيون؟"، وتقاريره من طهران، ودفاعه اللاحق عن موقفه في مواجهة النقد النسوي.
"يشير مصطلح الروحانية السياسية عند فوكو إلى تقاطع ثلاثة عناصر هي التحول الذاتي والإرادة الجماعية المشتركة والإطار الزمني".
في هذه النصوص، يشير مصطلح "الروحانية السياسية" إلى تقاطع ثلاثة عناصر. أولا، هناك تحول في الذات، فالثورة تنطوي على نمط من العمل السياسي توضع فيه الذات الدينية، أي الذات المشكلة في علاقتها بالله، وبالأمة، وبتقاليد الاستشهاد الشيعي، في صميم الحياة العامة، رافضة بذلك خصخصة الدين التي تفرضها الحداثة العلمانية. ولا يقتصر الأمر على مجرد توظيف الخطاب الديني لأغراض سياسية، بل هو ادعاء أكثر جوهرية، مفاده أن الحكم والعدالة والحياة الكريمة لا تنفصل عن تنمية نمط إسلامي خاص للحياة.
وثانيا، ثمة بعد جماعي لا يمكن اختزاله. فالثورة، في رؤية فوكو، ليست مجموع إرادات فردية، بل هي تعبير عن نمط حياة مشترك، وهو ما يصفه، في إحدى أكثر صياغاته فلسفية وإشكالية أيضا من الناحية السياسية، بأنه حركة "إجماع". والإرادة التي يراها ليست مجرد إرادة مشتركة على نطاق واسع، بل هي إرادة فريدة لا تنقسم.
وثالثا، ثمة اضطراب زمني، حيث تعود الثورة إلى الذاكرة الشيعية لكربلاء وأفقها الأخروي، عودة الإمام المهدي وإقامة العدل في نهاية الزمان، في مقابل الزمن الخطي لخطاب التحديث. لقد قدم نظام الشاه نفسه على أنه إرادة تقدم. في المقابل رفضت الثورة هذا الإطار الزمني، ورفعت بدلا من ذلك خطاب العودة والتوقعات الأخروية. بالنسبة لفوكو، لم يكن هذا البعد الزمني مجرد تصوف، بل شكلا من أشكال النقد السياسي، رفضا لفكرة أن الترتيب الحالي للسلطة يمكن تبريره من خلال علاقته بمستقبل تقدمي.
لذلك تتضافر هذه العناصر الثلاثة لتجعل من "الروحانية السياسية" مفهوما يحدد حدود العقلانية السياسية الغربية الحديثة، ويشير إلى ما وراءها. فلا يصف فوكو سياسات حركة إسلامية محددة، بل يقدم فئة تشير إلى إمكانية وجود حياة سياسية منظمة وفق مبادئ مختلفة عن تلك التي حكمت الحكم الغربي الحديث منذ عصر التنوير. وربما فعل الأمر نفسه مع التجربة التحديثية اليابانية – مع فارق المقارنة – والتي وجد فيها حداثة خاصة لا تخضع للمعايير التاريخية والفكرية للحداثة الغربية.
لكن رغم تماسك ما قدمه فوكو عن "الروحانية السياسية"، وهو البارع أسلوبا ولغة في إضفاء المشروعية الفلسفية على كثير من الأفكار الصادمة، فإن هذه الروحانية تواجه على الأقل ثلاث مشكلات تبرز تناقضها.
أول هذه المشكلات والأكثر وضوحا هو التفضيل المنهجي للعاطفة الشديدة على التحليل البنيوي. فأسلوب فوكو في التقارير الإيرانية، في بعض الأحيان، غنائي يصل إلى حد النشوة، وهو أسلوب يتناقض تماما مع الكتابة الرصينة والمنضبطة كالتي تظهر في كتابه "المراقبة والمعاقبة". ذلك أن لتصوير العاطفة بصورة رومانسية تبعات معرفية تتجاوز مجرد المبالغة البلاغية؛ إذ إن إعطاء الأولوية لتجربة الجمال الجماعي أو الكثافة أو التسامي على التحليل البنيوي للسلطة يزيح بشكل ملحوظ الأسئلة الأكثر أهمية: من المستفيد من هذه التعبئة؟ ومن الذي تتطلبه؟
إن احتفاء فوكو بكثافة الثورة "الإجماعية" يجسد هذه الإزاحة تحديدا. فالأسئلة المتعلقة بالتكوين الطبقي والعلاقات بين الجنسين والتنوع العرقي والرؤى المتنافسة للنظام ما بعد الثوري، لا تطرح بجدية، لأن مفهوم "الروحانية السياسية"، كما صاغه، يتطلب الوحدة العاطفية للحشد الثوري كأساس تجريبي له.
وثقت جانيت أفاري وكيفن أندرسون في كتابهما "فوكو والثورة الإيرانية: النوع الاجتماعي وإغراءات الإسلاموية" والذي يعد حتى الآن الدراسة الأكاديمية الأكثر شمولا لتجربة فوكو مع الثورة الإيرانية، كيف أثرت هذه النظرة الرومانسية على تفاعله مع محاوريه الإيرانيين. فعندما أجرى مقابلات مع أعضاء الجبهة الوطنية أو اليساريين، سجلت مخاوفهم دون تأطيرها نظريا؛ أما عندما تحدث مع آيات الله وأعضاء النخبة الدينية، اتسمت روايته بالتوسع والتفسير السخي.
وكان الأثر هو تفضيل منهجي للأصوات التي أكدت أطروحة "الروحانية السياسية" على تلك التي عقدتها. وهنا يبدو من المهم التمييز بين هذا النقد، والاتهام الساذج بأن فوكو قد عجز عن التنبؤ بالتحول "الاستبدادي" للثورة. فلا يمكن لأي ناقد جاد أن يحمله مسؤولية عدم توقعه بدقة لما ستؤول إليه الثورة. إنما يكمن النقد في أن المفهوم الذي كان يطوره ظل، منذ البداية، مهيكلا بطريقة أعاقت نوع التحليل الذي كان من شأنه أن يسمح بتقييم أكثر دقة للتوترات الداخلية للثورة. ذلك أن نمط تحليل يراعي تباين التحالف الثوري، والتكوينات المؤسسية الخاصة بحركة روح الله الخميني، وعلاقات القوة الداخلية في الثقافة الدينية الشيعية، لم يكن ليتنبأ بالضرورة بالنتيجة، ولكنه كان سيفسرها حين وقوعها.
يعد عمل رضا أفشاري "حقوق الإنسان في إيران: إساءة استخدام النسبية الثقافية"، مرجعا مهما في هذا السياق، إذ يبين تحليله الدقيق للتحالف الثوري أن صفة "الإجماع" التي لاحظها فوكو كانت إنجازا ظرفيا للحظة الثورية، نتيجة لوحدة تكتيكية بين جماعات ذات رؤى مستقبلية متباينة للغاية، وليست تعبيرا عن توافق ثقافي عميق. ولم يكن تفكك هذه الوحدة، الذي بدأ فور انتصار الثورة تقريبا، خيانة للجوهر الروحي للثورة، كما يشير إطار فوكو، بل كان نتيجة لحل تناقضات كانت موجودة فيها دائما. ويبدو واضحا أن طلاق فوكو مع الماركسية قبل سنوات، جعله أكثر بعدا عن القدرة على دمج تحليل التناقضات داخل الكتلة الثورية للخروج من معضلة "الإجماع".
أما النقد الثاني فيتعلق بما يمكن أن نسميه البنية المعرفية الاستشراقية لفكرة الإجماع. كان فوكو نفسه مؤثرا بشكل كبير على العمل التأسيسي لإدوارد سعيد. يرى سعيد في كتابه "الاستشراق"، الذي نشر في العام نفسه الذي زار فيه فوكو إيران، أن التصورات الغربية عن "الشرق" لم تكن مجرد تشويهات للواقع يمكن تصحيحها من خلال دراسات أفضل، بل كانت تشكل خطابا، هو عبارة عن مجموعة من الممارسات المعرفية المدفوعة بالهيمنة، والتي أنتجت موضوعها حتى وهي تدعي مجرد وصفه.
" إحدى السمات البنيوية المركزية للخطاب الاستشراقي هي إضفاء وحدة جوهرية غير متمايزة على الشعوب والثقافات غير الغربية".
أوضح سعيد أن إحدى السمات البنيوية المركزية للخطاب الاستشراقي هي إضفاء وحدة جوهرية غير متمايزة على الشعوب والثقافات غير الغربية، فقد تم تصور "الشرق" ككل متجانس، وتنوعه الظاهري تعبير عن طبيعة واحدة كامنة. ويبدو أن ثورة فوكو "الإجماعية" هي من الناحية البنيوية، شكل من أشكال هذه الإيماءة. ذلك أن إسناد إرادة روحية موحدة للشعب الإيراني، على الرغم من التنوع الظاهر في التحالف الثوري، يكرر التجانس الاستشراقي للفاعلين السياسيين غير الغربيين، حتى مع قلب دلالته التقييمية. فبينما نسب الاستشراق الكلاسيكي الجوهر غير المتمايز كعلامة على الدونية، ينسبه فوكو كعلامة على التميز الفلسفي. ولا يغير هذا القلب التقييمي البنية المعرفية الكامنة، ففي كلتا الحالتين، يختزل عدم تجانس الحياة السياسية الإيرانية الفعلية إلى جوهر واحد.
"الشعب الإيراني يظهر في كتابات فوكو لا كفاعلين تاريخيين ذوي مصالح متباينة وولاءات متنافسة ورهانات سياسية ملموسة، بل كحاملين لجوهر ديني فريد".
يبدو النقد الذي صاغه حميد دباشي أكثر الدراسات الفلسفية تعمقا في هذه الإشكالية. ففي كتابه "إيران: شعب مقاطع" (2007)، يرى دباشي أن تحليل فوكو يجرد الثورة من بعدها السياسي بشكل منهجي عبر إضفاء طابع روحاني عليها، أي باستبدال التحليل التاريخي والمؤسسي المحدد الذي تتطلبه الظروف بتفسير شبه صوفي للإرادة الجماعية.
والنتيجة هي أن الشعب الإيراني يظهر في كتابات فوكو لا كفاعلين تاريخيين ذوي مصالح متباينة وولاءات متنافسة ورهانات سياسية ملموسة، بل كحاملين لجوهر ديني يتمتع فوكو، كفيلسوف غربي، بموقع فريد لإدراكه والتنظير له. لذلك ثمة ما يثير القلق في هذا الترتيب المعرفي، حيث يصل الفيلسوف من باريس، ويراقب لبضعة أسابيع، ثم يدعي أنه استوعب المعنى الروحي العميق لثورة لم يستطع مشاركوها، ولا سيما أولئك الذين ستطغى الثورة لاحقا على مصالحهم، التعبير عنها بشكل كامل بأنفسهم.
في كتاب "إيران: شعبٌ مُقاطع" يرى دباشي أن تحليل فوكو يُجرد الثورة من بُعدها السياسي بشكلٍ منهجي عبر إضفاء طابعٍ روحاني عليها (الجزيرة)كما يقدم علم الاجتماع التاريخي للثورة الإيرانية، الذي وضعه إرفاند أبراهاميان، تصحيحا لهذه الصورة. يبين أبراهاميان في كتابه "إيران بين ثورتين" وأعماله اللاحقة، مركزية التكوين الطبقي، والقدرات التنظيمية الخاصة بالمؤسسة الدينية الشيعية (العلماء)، ودور طبقة تجار البازار، والحسابات السياسية لحركة الإمام الخميني في تحقيق نتائج الثورة. وهذه ليست عوامل يمكن استيعابها ضمن إطار "الروحانية السياسية"؛ بل هي المحددات البنيوية التي صمم مفهوم فوكو لتجاوزها. وبالتالي، فإن واقعها غير مرئي في تحليله.
في الوقت نفسه، لا يعني هذا أن التحليل البنيوي يستنفد روحية الثورة، أو أن الدوافع الدينية للمشاركين فيها كانت مجرد ظواهر ثانوية لأسباب مادية أعمق. لقد تجاوز علم اجتماع الدين هذا الاختزال بكثير. لكن البديل للاختزال ليس الرجوع إلى افتراض جوهر روحي موحد، بل البديل هو نوع من التحليل يأخذ الدوافع الدينية على محمل الجد باعتبارها ظواهر تاريخية ومتجذرة مؤسسيا ومتأثرة بالعوامل السياسية.
أما مدخل النقد الثالث، والذي يبدو الأكثر أهمية من الناحية النظرية، لأنه لا ينطلق من خارج إطار فوكو، بل من داخل التزاماته المنهجية، فيتلخص في أن "الروحانية السياسية" تعامل الثورة الإيرانية تماما كما فعل منهج فوكو النسبي على مدى عشرين عاما مع كل موضوع تحليل آخر، وأن هذا المنهج، عند تطبيقه على نفسه، يفكك أطروحة فوكو نفسها.
إن التحليل الجينيالوجي، كما طوره فوكو انطلاقا من كتاب نيتشه "في أصل الأخلاق"، وطبقه في أعماله المختلفة خاصة كتابه "المراقبة والمعاقبة"، يتسم بالتشكيك في الاستناد إلى الأصول والطبائع الجوهرية والرغبات العابرة للتاريخ. وتتمثل وظيفته الأساسية في إثبات أن ما يقدم على أنه طبيعي أو ضروري أو إنساني أصيل ليس في الواقع إلا نتاجا تاريخيا طارئا، وهو الأثر المتراكم للصراعات والحوادث وعلاقات القوة.
لذلك لا يقتصر دور الجينيالوجيا على اكتشاف البعد التاريخي للظواهر فحسب، بل إن دور هذا المنهج هو تسييس الظواهر أيضا، ليظهر أن الحياد الذي تبدو عليه الظواهر الجارية أو ادعاء أن الترتيبات القائمة حتمية طبيعية، كل ذلك يخفي وراءه ممارسات سلطوية.
فوكو كان يرغب في إيجاد شكل من أشكال الحياة الجماعية في مكان ما من العالم المعاصر، يفلت من التطبيع مع "السلطة الحيوية" المهيمنة في الغرب (غيتي)وإذا طُبّق هذا المنهج، فإنه يتطلب إخضاع مفهوم "الإرادة الروحية الجماعية" الذي طرحه فوكو في الثورة الإيرانية لنفس نوع البحث الجينيالوجي الذي طبّقه على ظواهر أخرى كإرادة المعرفة وتاريخ مؤسسات الضبط.
وهنا تبرز أسئلة مثل: ما هي الشروط التاريخية التي تُتيح إمكانية هذا الشكل الخاص من الذاتية السياسية الشيعية؟ وكيف نشأ هذا الشكل بفعل التاريخ المؤسسي المحدد للعلماء، وبناء الدولة الشيعية في العصر الصفوي، والتفاعل الذي شهده القرن العشرين بين الفكر الديني الإيراني والفلسفة السياسية الغربية؟ وما هي علاقات القوة الداخلية في الثقافة الدينية الإيرانية التي تُشكّل أنواع الإرادة الجماعية التي يُمكن التعبير عنها من خلال إطارها، والأهم من ذلك، تلك التي لا يُمكن التعبير عنها؟
"يقدم فوكو الروحانية السياسية كمعطى لا يُختزل، وكشكل من أشكال التجربة يسبق التفسير التاريخي ويتجاوزه".
هذه الأسئلة النسبية لا يقوم فوكو بطرحها. وبدلاً من ذلك يقدم "الروحانية السياسية" كمعطى لا يُختزل، وكشكل من أشكال التجربة يسبق التفسير التاريخي ويتجاوزه. وهذا ليس تناقضاً بسيطاً، بل يُمثِّل ما أسماه ديفيد سكوت، في كتابه "مجندو الحداثة: مأساة التنوير الاستعماري"، لحظة "رومانسية" في فكر فوكو، وهي لحظة تُعلَّق فيها الآلية النقدية للجينيالوجيا لصالح تأكيد إرادي على الآخرية، أي على أن التجربة الإيرانية تمثل الآخر المختلف عن التجربة الأوروبية.
وربما يعبر هذا المأزق عن رغبة فوكو في إيجاد شكل من أشكال الحياة الجماعية، في مكان ما من العالم المعاصر، يفلت فعلاً من التطبيع مع "السلطة الحيوية"، الذي حدده كشرط أساسي للذاتية الغربية الحديثة. وهذه الرغبة ليست غير عقلانية، بل هي في الواقع نابعة من منطق تحليله، الذي يُشير إلى أن مثل هذا الإفلات يجب أن يكون ممكناً إذا ما أُريد للمقاومة أن تكون أكثر من مجرد لفتة مؤقتة.
لكن الرغبة في الهروب لا تضمن أن ما يبدو هروباً هو كذلك فعلاً، والمنهجية التي تشكك بطبيعتها في كل ادعاءات الهروب من السلطة لا يمكنها أن تقبل مثل هذا الادعاء دون أن تقع في التناقض. وقد لاحظ بول رابينو، أحد أكثر مفسري فوكو دقة، أن الواقعة الإيرانية تمثل فشلاً لما أسماه فوكو في موضع آخر "فن عدم الخضوع للحكم"، أي فشلاً في الحفاظ على المسافة النقدية من جميع أشكال الحماس السياسي التي يبدو أن تحليل فوكو للحوكمة يتطلبها.
فالفيلسوف الذي بيّن كيف أن "الذات الحرة" في النزعة الإنسانية الليبرالية هي نفسها نتاج سلطة تأديبية، وقع في إيران في مطب معكوس، من خلال الاحتفاء بـ"ذات ثورية" اعتُبرت حريتها الظاهرية من "السلطة الحيوية" الغربية دليلا على اختلاف حقيقي بدلا من اعتبارها مناسبة لمزيد من البحث الجينيالوجي.
تتجلى التداعيات السياسية للإخفاقات المفاهيمية لـ"الروحانية السياسية" في المشكلات التي عانت الثورة في معالجتها ومنها قضايا المرأة. في 8 مارس/آذار 1979، الموافق لليوم العالمي للمرأة، تظاهرت آلاف النساء الإيرانيات في طهران احتجاجا على مرسوم الخميني الذي فرض ارتداء الحجاب في المكاتب الحكومية. وفي غضون أسابيع، تم تعليق قانون حماية الأسرة، الذي كان يضمن للمرأة حقوقا قانونية هامة في عهد الشاه.
قبل ذلك بأسابيع نشرت امرأة إيرانية تكتب تحت اسم مستعار "أتوسا"، رسالة في مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور" وهو العدد نفسه الذي نُشرت فيه مقالات فوكو، تتساءل فيها عن الضمانات التي يمكن تقديمها لكي لا يتحول "الحلم" الذي كان يحتفل به الفيلسوف الفرنسي إلى "كابوس" بحسب قولها. وجاء رد فوكو مشيرا إلى أن معاملة الجمهورية الإسلامية للنساء مسألة سياسية طارئة لا ينبغي أن تحجب الدلالة الروحية الأعمق للحركة الثورية.
وفي المحصلة، فإن هذه الأصوات الناقذة أثارت اعتراضات معرفية ومنهجية كان ينبغي على إطار فوكو نفسه أن يأخذها على محمل الجد، وهي اعتراضات لا تقف عند قضية المرأة. فأعمال أبراهاميان وأفشاري توثّق التنوع الاستثنائي في التحالف الثوري الإيراني، المشكّل من وطنيين علمانيين منظمين حول إرث مصدق، وماركسيين من مختلف التوجهات، وأقليات عرقية ذات مطالب محددة بالحكم الذاتي، وليبراليين دستوريين، ومصلحين دينيين كانت رؤيتهم للحكم الإسلامي مختلفة جذريا عن رؤية الخميني.
"النظرية السياسية العلمانية عجزت تاريخيا عن تفسير العمل السياسي ذي الدوافع الدينية".
ومع ذلك يظل مفهوم "الروحانية السياسية" معبرا عن مشكلة نظرية حقيقية لم يعالجها منتقدو فوكو بشكل كاف. فالنظرية السياسية العلمانية عجزت تاريخيا عن تفسير العمل السياسي ذي الدوافع الدينية، إما باختزاله إلى شيء آخر، كالوعي الزائف أو المصالح الطبقية المزاحة أو الاستغلال السياسي للمشترك الديني أو ردة الفعل المرضية على التحديث، أو بإقصائه عن التحليل باعتباره تجربة روحية أصيلة لا يمكن فهمها إلا من خلال منظور ديني محدد.
لا يعد أي من الاختزالية أو الإيمان المطلق منظورا كافيا. فالاختزال لا يستطيع تفسير القوة الدافعة الحقيقية للتجربة الدينية، أي حقيقة أن الناس يتخذون خيارات سياسية بناء على معتقدات وممارسات لا يمكن تفسيرها بالكامل بالرجوع إلى المصالح المادية. أما التسليم المطلق للنزعة الدينية فيهمل إمكانية التحليل النقدي، إذ تعامل الحركات الدينية السياسية على أنها ذاتية التفسير، فهي حركات تنبع من جوهر الدين، وبالتالي معفاة من التدقيق الذي يجب أن تفرضه النظرية السياسية على جميع ممارسات السلطة.
وقد نجح فوكو في تحديد هذا المأزق بوضوح، وربما بشكل أوضح من أي من معاصريه. لم يكن خطؤه في إدراك المشكلة، بل في الحل الذي سعى إليه، فمفهوم الإرادة الروحية غير القابلة للاختزال يحل مشكلة الاختزالية بتصحيح مفرط في الاتجاه المعاكس، وبذلك يعيد -ربما عن غير قصد- إنتاج فكرة الاستشراق عن الجوهر الديني للظواهر الشرقية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة