في ظل إطلاق إيران صواريخ وطائرات مسيّرة على دول خليجية، بدأت تداعيات الصراع تتجاوز ساحات المواجهة المباشرة لتطال البنية التحتية الرقمية والاقتصادية في المنطقة.
وانعكس استهداف بعض المواقع في دول الخليج على قطاعات التكنولوجيا والخدمات السحابية، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن أمن واستقرار منظومات البيانات والبنية التحتية التقنية.
وأفادت وكالة رويترز، في مارس الماضي، بأن شركة أمازون أعلنت تعرّض بعض مراكز بياناتها في الإمارات والبحرين لأضرار نتيجة ضربات بطائرات مسيّرة. وأدى ذلك إلى تعطّل عدد من خدمات الحوسبة السحابية، مع تحذير من أن استعادة التشغيل الكامل قد تستغرق وقتاً طويلاً بسبب تعقيدات الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية التقنية.
كما ذكرت تقارير نشرتها وكالة بلومبرغ في مارس الجاري أن الأعمال المرتبطة بمشروع ضخم لمد كابلات الاتصالات التابعة لشركة “ميتا” في منطقة الخليج توقفت مؤقتاً بفعل تداعيات الحرب. ويعكس هذا التوقف حجم المخاطر الأمنية واللوجستية التي فرضها التصعيد العسكري، وهو ما قد يهدد استمرارية تنفيذ المشروع ويؤثر في خطط الشركة لتوسيع شبكات البنية التحتية الرقمية في المنطقة.
ويقول الخبير المختص في الذكاء الاصطناعي عبد الله العدوي إن استهداف منشآت تقنية حساسة، مثل مراكز البيانات التابعة لشركات عالمية، يمكن أن يترك أثراً واضحاً على الانطباع الاستثماري الدولي. ويشير، في حديث لموقع “الحرة”، إلى أن قطاع مراكز البيانات يقوم في جوهره على عنصرين أساسيين هما الثقة في الاستمرارية والأمن التشغيلي، وبالتالي فإن تعرض هذه المنشآت لهجمات مباشرة قد يدفع شركات عالمية إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر في المنطقة وربما إعادة النظر في تركّز مشاريعها ضمن نطاق جغرافي واحد.
ومع ذلك، يرى العدوي أن هذه التطورات لا تعني تراجعاً جذرياً في جاذبية دول الخليج كمركز تقني ناشئ.
قبل شهر واحد فقط من بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، كانت المؤشرات الاستثمارية تشير إلى صعود متسارع لدول الخليج كمركز متنامٍ في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي هذا الإطار، أعلنت شركة مايكروسوفت خططها لافتتاح منشأة جديدة لخدمة “أزور” للحوسبة السحابية في السعودية بحلول نهاية العام، وذلك بهدف تلبية احتياجات عملاء استراتيجيين من بينهم “أكوا باور” وشركة “القدية للاستثمار”.
وجاءت هذه الخطوة في خضم تسارع بناء البنية التحتية المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف الدول الخليجية. فقد التزمت شركتا “هيومين” السعودية و”جي 42″ الإماراتية بتمويل مجمعات ضخمة من مراكز البيانات، بالتوازي مع إبرام شراكات واسعة مع شركات “إنفيديا” و”أمازون” و”مايكروسوفت” لتعزيز قدرات الحوسبة المتقدمة. كما تمضي الإمارات في إنشاء أحد مجمعات مشروع “ستارغيت” التابع لشركة “أوبن إيه آي” في أبوظبي.
غير أن التصعيد العسكري الأخير يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا المسار: هل ستظل دول الخليج مركزاً جاذباً لاستثمارات الذكاء الاصطناعي، أم أن التحولات الجيوسياسية وتطورات الحرب قد تدفعان الشركات العالمية إلى إعادة تقييم خريطة انتشارها التقني في المنطقة؟
في معرض إجابته على هذا السؤال، يرى العدوي أن التطورات الجارية قد تدفع الشركات العالمية إلى إعادة تقييم تموضعها الاستثماري في المنطقة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انسحاباً أو تراجعاً واسع النطاق.
يرجّح العدوي أن تتجه الشركات المعنية إلى إعادة تنظيم انتشار بنيتها الرقمية عبر عدة دول لتقليل المخاطر التشغيلية، مع احتمال تأجيل بعض القرارات الاستثمارية الكبرى إلى حين اتضاح المشهد الأمني بشكل أكبر.
كما يتوقع أن تسعى الشركات إلى الحصول على ضمانات تشغيلية وأمنية أكثر وضوحا قبل المضي في تنفيذ مشاريع جديدة.
في 11 مارس الجاري، قال مقر خاتم الأنبياء، وهو غرفة العمليات العسكرية المركزية في إيران، في بيان، إن إسرائيل استهدفت أحد البنوك الإيرانية، وإن طهران، رداً على ذلك، ستستهدف المراكز الاقتصادية والمصرفية المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.
ومن شأن مثل هذه التهديدات المقرونة بهجمات إيرانية طالت منشآت مدنية في دول مجلس التعاون الخليجي، أن تزيد من قلق الأخيرة من استهداف مراكز البيانات ومشاريع الذكاء الاصطناعي والكابلات البحرية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي في المنطقة، وهي مشاريع تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.
ويقول العدوي إن ما يحدث يمثل اختباراً صعباً للصورة التقنية الصاعدة لدول الخليج، لكنه لا يعني بالضرورة تآكلها بالكامل.
“مستقبل المنطقة في مجال الذكاء الاصطناعي لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات المعلنة، بل أيضاً بقدرتها على حماية بنيتها الرقمية والحفاظ على كفاءة عمل الاقتصاد الرقمي حتى في ظل التوترات الإقليمية”، يضيف.
كما يؤكد العدوي أن نجاح دول المنطقة في تنفيذ هذه الإجراءات وإظهار قدر من الاستقرار التشغيلي خلال الفترة المقبلة قد يسهم في استعادة جزء كبير من ثقة المستثمرين في وقت قصير نسبياً. وفي المقابل، فإن تكرار الاضطرابات أو استمرار المخاطر الأمنية قد يدفع بعض الشركات إلى إعادة توجيه جزء من استثماراتها التقنية نحو مناطق أخرى.
وبانتظار ما ستؤول إليه الأمور بشأن إيران، فإن التطورات تفرض تحديات جديدة أمام المستثمرين وشركات التأمين والحكومات وشركات التكنولوجيا، لكن الأهم يتعلق بماهية مستقبل التكنولوجيا والبنية الرقمية في الدول الخليجية.
يرى أمجد أرناؤوط، مؤسس شركة MarkCognition المتخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي، أن الدول الخليجية تتوافر فيها ثلاثة عناصر أساسية لأي مركز عالمي للتكنولوجيا، تتمثل في بنية تحتية رقمية متقدمة، واستثمارات كبيرة في قطاع التكنولوجيا، إضافة إلى توفر مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات الضخمة.
ويشير أرناؤوط، في حديث لـ”الحرة”، إلى أن الذكاء الاصطناعي يعتمد أساساً على عنصرين رئيسيين هما البيانات والطاقة، لافتاً إلى أن دول الخليج تمتلك أحدهما وهو الطاقة.
وبحسب أرناؤوط، فإن “هذا العامل يمنح المنطقة فرصة للعب دور مؤثر في التحول العالمي نحو اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على الحوسبة والذكاء الاصطناعي”.
المصدر:
الحرة