في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في 28 فبراير/شباط 2026 استيقظ الإيرانيون كعادتهم لممارسة حياتهم اليومية، لكن ذلك اليوم لم يكن كأي يوم خاصة في مدينة ميناب بمحافظة هرمزكان جنوب شرق البلاد. هناك في مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية أوصلت أم تعمل قابلة -وهي الاختصاصية الصحية المسؤولة عن رعاية النساء خلال فترة الحمل والولادة- ابنها إلى المدرسة ثم مضت إلى عملها في المستشفى القريب.
تقول الأم التي تحدثت إلى موقع "إن بي سي نيوز" (NBC News) إن المدرسة سرعان ما اتصلت بها لتبلغها أن الحرب قد بدأت، وأن عليها أن تأتي لتأخذ ابنها. لم تستطع الأم المغادرة على الفور بسبب ارتباطها برعاية المرضى في عملها، لكنها سرعان ما شعرت باهتزاز الأرض تحت قدميها فمضت على الفور. وحين وصلت كانت المدرسة بأكملها قد انهارت فوق الأطفال، بعد أن استهدفها صاروخ توماهوك أمريكي بشكل مباشر.
لكن وراء هذا المشهد الإنساني المروع تكمن تفصيلة تحول المأساة إلى سؤال استخباراتي وقانوني بامتياز. فمدرسة الشجرة الطيبة كانت في السابق تقع داخل سور مجمع تابع لبحرية الحرس الثوري الإيراني. غير أنه بين عامي 2013 و2016، بني جدار فاصل بين المدرسة والموقع العسكري، وأزيلت أبراج المراقبة، ورسم ملعب كرة قدم في فناء المدرسة. خلص تحقيق سابق لوحدة التحقيقات الرقمية في الجزيرة إلى أن المدرسة المستهدفة كانت مفصولة بشكل واضح عن الموقع العسكري المجاور لها منذ ما لا يقل عن 10 سنوات. لمدة عقد كامل، كان هذا الموقع مدنيًا بكل المقاييس. لكن في صباح 28 فبراير/شباط 2026، كانت المدرسة على أول قائمة الأهداف الأمريكية.
لم يكن ما جرى في ميناب حادثة منعزلة. ففي الوقت نفسه تقريبًا، كانت صواريخ أمريكية وإسرائيلية قد اخترقت سماء العاصمة طهران، واستهدفت مقر المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أثناء اجتماعه مع كبار قادة الدولة، في ضربة استئصالية أنهت حياة الرجل الذي قاد الجمهورية الإسلامية لأكثر من 3 عقود. كانت تلك الشرارة الافتتاحية لأوسع حملة جوية مشتركة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث استهدفت الدولة الإيرانية من قمة القيادة السياسية والدينية إلى آخر منظومة رادار على الشريط الساحلي الجنوبي.
لم تقتصر الموجة الأولى على اغتيال خامنئي، بل امتدت بشكل متزامن لتدمير مقر الهيئة العامة لقوات الأمن الداخلي ومركز القيادة والسيطرة التابع للحرس الثوري في طهران، واغتيال العميد غلام رضا رضائيان قائد مركز الاستخبارات وإنفاذ القانون التابع للشرطة الإيرانية، واستهداف مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون. كان المشهد واضحا منذ اللحظة الأولى أن هذه ليست حربا لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية، أو برنامجها الصاروخي، أو مشروعها النووي، لكنها ترقى إلى وصفها بـ"محاولة منهجية" لتفكيك البنية السياسية والأمنية للنظام الإيراني.
وعلى مدار 48 ساعة (أول يومين من عمر القصف الجوي)، امتدت رقعة الاستهداف عبر مساحة جغرافية شاسعة من كردستان غربا إلى زاهدان في أقصى الجنوب الشرقي، في حملة قصف متعددة الأبعاد استهدفت عشرات منظومات الدفاع الجوي والرادار، وقواعد الصواريخ الباليستية، والقواعد البحرية والجوية، إلى جانب المقار الأمنية ومؤسسات الحكم. وقد وصف بيت هيغسيث، وزير الحرب الأمريكي، الضربات بأنها مثلت ضعف حجم ضربات الصدمة والترويع الجوية التي افتتحت غزو العراق عام 2003.
أجرت وحدة التحقيقات الرقمية في شبكة الجزيرة تحقيقا معمقا لرسم الصورة الأكثر اكتمالا حتى الآن لما جرى خلال تلك الساعات. بدأ الفريق بجمع الإحداثيات المتاحة للمواقع العسكرية ونقاط الدفاع الجوي داخل الأراضي الإيرانية عبر قواعد البيانات الجغرافية المتخصصة المتاحة من المصادر المفتوحة، ثم أجرى مراجعة منهجية لصور الأقمار الصناعية التجارية الصادرة عن شركتي "بلانيت لابز" (Planet Labs PBC) و"فانتور" (Vantor)، مقارنا الصور الملتقطة بعد تاريخ 28 فبراير/شباط بصور مرجعية سابقة لتحديد مواقع الأضرار والدمار.
وقد شكّلت الخريطة التي أعدتها الوحدة خلال حرب الاثني عشر يوما في يونيو/حزيران 2025 قاعدة مرجعية أساسية، إذ تمت مقارنة المواقع المستهدفة في الحرب الحالية مع تلك التي تعرضت للاستهداف سابقا. ولم يتوقف العمل عند المسح الفضائي، بل امتد إلى التحقق من الإحداثيات التي نشرها محللو المصادر المفتوحة على منصة إكس (تويتر سابقا)، والبحث في الفيديوهات والصور المتداولة لتأكيد أو نفي ادعاءات الاستهداف، ومطابقة جميع النتائج مع البيانات الرسمية الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) والجيش الإسرائيلي ووسائل الإعلام الإيرانية.
أسفرت هذه المنهجية عن تحديد 110 نقاط استهداف مؤكدة، منها 93 نقطة رصدها فريق التحقيقات بشكل مباشر، و17 نقطة تم التحقق منها بعد نشرها من قبل نشطاء المصادر المفتوحة. ورغم أن المؤكد، بناء على التصريحات الأمريكية والإسرائيلية والرصد الميداني، هو أن العدد الفعلي للضربات أعلى بكثير، غير أن عوامل مثل انقطاع الإنترنت شبه الكامل داخل إيران ومحدودية التغطية الفورية بالأقمار الصناعية وصعوبة التحقق في ظل ظروف الحرب تحول دون التوثيق الشامل. ومع ذلك، فإن هذه العينة الكبيرة والمحققة توفر قاعدة بيانات كافية لاستخلاص الأنماط العملياتية والاستراتيجية التي تعكس طبيعة الحملة العسكرية وأهدافها.
"تعد هذه الخريطة من أكثر الخرائط شمولا ودقة من حيث عدد الأهداف المرصودة والموثقة خلال 48 ساعة الأولى من الحرب".
ويكشف التحليل المعمق لهذه البيانات عن حملة متعددة الأبعاد لم تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية فحسب، بل سعت إلى تطويق الجغرافيا الإيرانية. وتكشف الخريطة عن نمط عملياتي على محورين جغرافيين متوازيين -غربي وجنوبي- وهو ما يمثل تطورا جوهريا عن حرب الاثني عشر يوما السابقة (يونيو/حزيران 2025)، مع إعادة استهداف منهجية لـ27 موقعا سبق استهدافها خلال حرب العام الماضي، بعد إعادة تأهيل معظمها من قبل الجهات الإيرانية المختصة.
استخدم الأمريكيون والإسرائيليون في بداية حملتهم العسكرية مزيجا من الطائرات الشبحية والقاذفات المتقدمة ومنصات الحرب الإلكترونية والقدرات الهجومية الأخرى وفق ما أعلنته القيادة المركزية الأمريكية. كان الهدف هو صناعة منظومة متكاملة من القدرات التي تلائم البيئة العملياتية المعقدة للعمق الإيراني، حيث يفرض اتساع الأراضي وكثافة الدفاعات الجوية الأرضية حاجة لقطع مسافات طويلة في مجال مغطى بالرصد.
"وظفت الضربة الجوية مزيجا من الطائرات الشبحية والقاذفات المتقدمة ومنصات الحرب الإلكترونية والقدرات الهجومية الأخرى بهدف صناعة منظومة متكاملة من القدرات التي تلائم البيئة العملياتية المعقدة للعمق الإيراني".
في قمة هذا الهيكل العسكري، تقع منصات الضربات الاختراقية والهيمنة الجوية. استُخدمت قاذفات الشبح "بي-2 سبيريت" (B-2 Spirit) العاملة من مدى بعيد، لإيصال ذخائر موجهة بدقة زنة 2000 رطل ضد منظومات الصواريخ الباليستية الإيرانية والبنية التحتية المحصنة. وللغرض ذاته استخدمت طائرة "إف-15" (F-15) القادرة على حمل ذخائر يصل وزنها إلى 10 آلاف-13 ألف كيلوغرام من الصواريخ والقنابل، لتوجيه الضربات من خارج المجال الجوي الإيراني.
بصورة موازية ومكملة، عملت مقاتلات "إف-22″ (F-22) و"إف-35" (F-35) على تأمين التفوق الجوي وقمع الدفاعات الجوية الإيرانية في وقت مبكر. وبفضل قدرتها على التخفي، ودمج البيانات الحسية، تستطيع هذه المقاتلات رصد وتتبع واستهداف رادارات الدفاع الجوي، وأنظمة صواريخ "أرض-جو"، والطائرات المعادية، دون أن تُرصد. عمليًا، لا تقتصر وظيفة هذه المنصات على توجيه ضربات عالية القيمة فحسب، بل تنشئ أيضًا ممرات مكانية ونوافذ زمانية تمكن القوات اللاحقة من العمل بمخاطر أقل، مما يعيد رسم خريطة المجال الجوي خلال فترة الحملة.
" لا تقتصر وظيفة هذه المنصات على توجيه ضربات عالية القيمة فحسب، بل تنشئ أيضًا ممرات مكانية ونوافذ زمانية تمكن القوات اللاحقة من العمل بمخاطر أقل".
وبمجرد أن تضعف هذه المرحلة الأولية أكثر أصول الدفاع الجوي تطورًا، تحول التركيز إلى الطائرات التكتيكية متعددة المهام والدعم الجوي القريب. وفي هذا السياق، تضمن مقاتلات "إف-16″ (F-16) و"إف/إيه 18- سوبر هورنت" (F/A-18) التي تطلق غالبًا من على متن حاملات الطائرات، كثافة واستمرارية النيران الدقيقة اللازمة لمواصلة الضغط على البنية التحتية المستهدفة. أما طائرات الهجوم "إيه- 10" (ِA-10) المصممة للاشتباك الدقيق على ارتفاعات منخفضة، فتضيف طبقة إضافية من القوة النارية الموجهة ضد القوات البرية أو وحدات الصواريخ المتنقلة العاملة خارج المناطق المحصنة.
بالإضافة إلى ذلك، أكدت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) الاستخدام الأول في مسرح العمليات لطائرات "لوكاس" المسيرة، المستوحاة من مسيرات شاهد الإيرانية رخيصة التكلفة، بهدف توفير قوة هجومية كبيرة بتكلفة زهيدة مقارنةً بالطائرات المأهولة أو صواريخ كروز. وتعمل هذه الطائرات جنبًا إلى جنب مع مسيرات "إم كيو-9 ريبر" (MQ-9) الأكثر تطورًا، حيث يمكنها التحليق فوق المناطق المتنازع عليها، واستكشاف الدفاعات الجوية، وضرب مواقع الرادار والصواريخ، فضلًا عن مهام الاستطلاع وتقييم آثار الضربات.
"لا تعمل هذه الأصول القتالية الجوية بمعزل عن غيرها ولكنها تدمج ضمن إطار أوسع يشمل الدفاع الصاروخي وسائر أشكال القوة النارية".
يمثل التحكم في الطيف الكهرومغناطيسي ركيزة لا تقل أهمية للهيمنة الجوية، وهنا جاء دور طائرات الهجوم الإلكتروني "إي إيه-18 جي غرولر" (EA-18G) المصممة لمهام قمع الدفاعات الجوية والتشويش على الرادارات وأنظمة الاتصالات، والتي تمتلك وحدات تشويش عالية القدرة تعمي منظومات الدفاع الجوي وتربك شبكات القيادة والسيطرة. وبجانبها تعمل طائرات الاستطلاع "آر سي-135" (RC-135) وأجهزة الاتصالات الجوية المتخصصة، مما يوسع نطاق جمع المعلومات، ويكشف عن مصادر الإرسال الجديدة، ويضمن التوزيع السريع لبيانات المستشعرات إلى منصات الضربات المنتشرة في جميع أنحاء مسرح العمليات.
لا تعمل هذه الأصول القتالية الجوية بمعزل عن غيرها ولكنها تدمج ضمن إطار أوسع يشمل الدفاع الصاروخي وسائر أشكال القوة النارية. تعمل أنظمة باتريوت وثاد المنتشرة في المنطقة على الدفاع ضد الصواريخ الإيرانية، وهو ما يعني حرية أكبر في دعم العمليات الجوية على المدى الطويل. وفي البحر، تطلق حاملات الطائرات والمدمرات صواريخ توماهوك ضد أهداف محددة بدقة. يعد هذا النهج المتكامل أساس المنطق التكتيكي للحملة، فالتفوق الجوي وتقويض الدفاعات الجوية الإيرانية والدفاع الصاروخي، وحتى السيطرة البحرية هي أمور متكاملة لا غنى عنها لنجاح الضربة.
يمهد هذا التفوق الجوي المتكامل الطريق أمام الاستهداف الفعال لبنوك الأهداف المحددة مسبقا للحرب. وقد شكلت مواقع الدفاع الجوي والرادار ما يقارب نصف إجمالي الأهداف المرصودة، بواقع 54 موقعا من أصل 110 وهو ما يكشف عن أولوية واضحة تتمثل في إخماد منظومة الإنذار المبكر والاعتراض الجوي كشرط مسبق لكل ما يلي ذلك من هجمات. غير أن اللافت في هذه الموجة لم يكن حجمها فحسب، بل امتدادها الجغرافي الواسع منذ البداية مقارنة بحرب يونيو/حزيران 2025 حين تركزت معظم الضربات الافتتاحية في الغرب الإيراني وامتدت لاحقا إلى الوسط.
عمل التحالف الأمريكي الإسرائيلي على فرض سيادة جوية متدرجة بهدف تحقيق 3 أهداف متكاملة هي توفير ممرات جوية آمنة للموجات اللاحقة من الضربات، والحد من قدرة النظام الإيراني على إطلاق الصواريخ الباليستية كهدف مرحلي، فضلا عن تأمين مساحة عمل للطائرات المسيرة القادرة على البقاء في الأجواء لفترات أطول بتكلفة أقل.
وقد أظهرت خريطة الاستهداف هذا المنطق العملياتي في توزيع جغرافي على ثلاث مناطق: أولا، العاصمة طهران ومحيطها لفرض سيادة جوية مطلقة على مركز القرار، وثانيا، محور غربي يمتد من كردستان وكرمانشاه عبر همدان ولرستان وصولا إلى إيلام، وثالثا، محور جنوبي يمتد على طول الشريط الساحلي من بوشهر إلى بندر عباس وجاسك وكوناراك. يعكس هذا التوزيع منطقا عملياتيا واضحا يهدف إلى تحييد قدرة الإنذار والاعتراض على طول مسارات الاقتراب الرئيسية من سلاح الجو القادم من الغرب والجنوب.
وكمثال على ذلك، تُظهر صور الأقمار الصناعية التي راجعتها وحدة التحقيقات بتاريخ الأول من مارس/آذار تعرض موقع للدفاع الجوي (إحداثيات: 35°27’02.45″ N 51°17’08.98″ E) جنوب طهران للاستهداف، حيث تظهر الصور أضرارا واضحة في إحدى نقاط الموقع. وقد نشر الجيش الإسرائيلي فيديو يوثق استهداف هذا الموقع بتاريخ 3 مارس/آذار على منصة إكس.
يعكس ظهور المحور الجنوبي تحديدا تحولا في طبيعة العمليات ونطاقها. فهذا المحور لا يستهدف إسكات الدفاعات الجوية فحسب، بل يمتد إلى تفكيك القدرات البحرية الإيرانية ومحاولة تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز. ويُرجح أن هذا المحور يشهد مشاركة أمريكية مباشرة أكبر مقارنة بالمحور الغربي الذي تقوده إسرائيل بشكل رئيسي.
"يعكس ظهور المحور الجنوبي تحديدا تحولا في طبيعة العمليات وتركيزا على تفكيك القدرات البحرية الإيرانية ومحاولة تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز".
ويتسق هذا مع تقارير تشير إلى أن واشنطن تدرس خيارات عملياتية أوسع على هذا المحور تتجاوز الضربات الجوية. فقد كشف تقرير لموقع أكسيوس (Axios) نقلا عن مصادر في الجيش الإسرائيلي والبنتاغون أن إدارة ترامب تبحث جديا إرسال وحدات قوات خاصة إلى إيران لتنفيذ مهام محددة، كما تناولت النقاشات إمكانية الاستيلاء على جزيرة خرج التي تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية.
وقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أن القوات الأمريكية دمرت أكثر من 20 سفينة حربية إيرانية خلال الأيام الأولى من العملية، بما في ذلك إغراق سفينة من طراز جمران عند رصيف تشاه بهار (جنوب شرق) في المرحلة الافتتاحية للحرب، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية أعمدة دخان كثيفة تتصاعد من قاعدة بندر عباس البحرية (جنوب)، وهي المقر الرئيسي للبحرية الإيرانية والمنشأة الأهم في منظومة السيطرة على المضيق. ووفقاً للقيادة المركزية، لم تبقَ أي من السفن الحربية الإيرانية الإحدى عشرة التي كانت متمركزة شرق مضيق هرمز قبل بدء العمليات بعد أول 48 ساعة فقط من الحرب.
"استهدفت الحملة الحالية أكثر من 1250 هدفا خلال أول يومين من الحرب، وهو أكبر بكثير مما حدث إبان حرب العراق عام 2003".
تكتسب هذه الأرقام ثقلها حين تُوضع في سياقها المقارن. فحملة الصدمة والترويع التي افتتحت غزو العراق استهدفت نحو 300-400 هدف في 24 ساعة، بينما ادعت الولايات المتحدة أن القوة المشتركة تجاوزت ذلك بمراحل من حيث الحجم والتعقيد والامتداد الجغرافي إلى حد استهداف أكثر من 1250 هدفا خلال أول يومين من الحرب. وقد أسفر هذا الإخماد المتعدد الطبقات عن نتيجة عملياتية واضحة تمثلت في إضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية بشدة أمام الموجات اللاحقة من الضربات.
من أبرز ما كشفه هذا التحقيق، ومن أعمقه دلالةً على طبيعة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، أن 27 موقعا من أصل 110 مواقع تم رصدها كان قد تعرض للاستهداف سابقاً في حرب يونيو/حزيران 2025، ثم أعادت السلطات الإيرانية تأهيل بعضها وإعادته للخدمة خلال الأشهر التالية، قبل أن يُستهدف مجدداً في الضربات الافتتاحية للحرب الحالية. توزعت هذه المواقع على النحو التالي: 12 موقع دفاع جوي ورادار، و6 قواعد صواريخ باليستية، و5 منشآت تابعة للقوة الجوية، وموقعان حكوميان، ومنشأة صناعية واحدة، وقاعدة برية واحدة.
خريطة توضح المواقع التي أُعيد استهدافها بعد حرب الاثني عشر يوما (وحدة التحقيقات الرقمية – الجزيرة)تكشف خريطة هذه المواقع والاستهدافات عن مستوى الرصد الاستخباراتي المستمر للبنية التحتية العسكرية الإيرانية. فإعادة الاستهداف تعني أن أجهزة الاستخبارات والرصد الأمريكية والإسرائيلية كانت تراقب جهود إعادة التأهيل الإيرانية بدقة كافية لتحديد المواقع التي عادت للخدمة وإدراجها ضمن قائمة الأهداف الافتتاحية. إن هذه ليست حملة عسكرية ارتُجلت في أيام بعد فشل المفاوضات أو أثنائها، بل مجموعة أهداف جرى تحديدها وتحديثها على مدى أشهر أو سنوات، مما يحوّل الحملة من عملية عسكرية محدودة إلى ما يمكن وصفه بعملية إفناء منهجي للقدرات الدفاعية الإيرانية.
من أبرز الأمثلة التي وثقها الفريق إعادة استهداف منظومة إنذار مبكر من طراز غدير في منطقة غرب إيران على قمة جبل تشير عند الإحداثيات (38.7567103° N, 44.9558593° E). تعمل منظومة غدير رادارا للإنذار المبكر بعيد المدى لاكتشاف الأهداف الجوية وتتبعها ضمن منظومة الدفاع الجوي الإيراني، وهي من الأصول الاستراتيجية التي لا يمكن تعويضها بسهولة.
صور متتالية لموقع رادار غدير على جبل تشير: على اليسار بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 2024 قبل الاستهداف، في المنتصف بتاريخ 2 يوليو/تموز 2025 بعد الاستهداف في حرب الاثني عشر يوماً، على اليمين بتاريخ 4 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد إعادة الإصلاح (بلانيت لابز)كشفت المقارنة التسلسلية لصور الأقمار الصناعية من "بلانيت لابز" (Planet Labs) عن 4 مراحل متتالية تروي قصة هذا الموقع. أولها صورة أرشيفية بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 2024 تُظهر الموقع سليما وعاملا، ثم صورة بتاريخ 2 يوليو/تموز 2025 تُظهر أضرار الاستهداف خلال حرب الاثني عشر يوما، ثم صورة بتاريخ 4 أكتوبر/تشرين الأول 2025 توثق إعادة الإصلاح واستعادة الموقع لوضعه التشغيلي، وأخيرا صورة بتاريخ 28 فبراير/شباط 2026 تُظهر تدميره مجددا في الضربة الافتتاحية.
مقارنة بين صورتين: على اليسار بتاريخ 26 فبراير/شباط 2016 تُظهر الموقع بعد الإصلاح، على اليمين بتاريخ 28 فبراير/شباط 2026 بعد إعادة الاستهداف (بلانيت لابز)لم يكن رادار غدير وحيدا. فقد وثق الفريق المسار ذاته في موقع رادار ثابت أعلى قمة جبل دينار كوه في محافظة إيلام الحدودية مع العراق عند الإحداثيات (32.91625° N, 47.29038° E). استُهدف هذا الرادار خلال حرب الاثني عشر يوما ثم أُعيد تأهيله، ليُستهدف مرة أخرى في الساعات الأولى من الحرب في الأول من مارس/آذار 2026.
لم تكن هاتان المنظومتان سوى مثالين من 12 موقع دفاع جوي ورادار أُعيد استهدافه، توزعت بكثافة أكبر في مناطق غرب إيران مع عدد محدود في الوسط والجنوب.
خريطة تُظهر مواقع الرادار والدفاع الجوي المُعاد استهدافها (وحدة التحقيقات الرقمية – الجزيرة)مثلت قواعد الصواريخ الباليستية ثاني أبرز فئات الاستهداف بعد الدفاع الجوي، بواقع 14 موقعا مؤكدا تشمل قواعد صواريخ تابعة للحرس الثوري الإيراني ومنصات إطلاق ومداخل تجمعات عسكرية محصنة تحت الأرض. ومن أبرز ما رصده التحقيق استهداف قاعدة جام جنوب إيران وقاعدة كرمان شرقها وقاعدة خورقو الصاروخية في الجنوب.
مقارنة بين صورتين لقاعدة خورقو الصاروخية جنوب إيران: على اليسار بتاريخ 28 فبراير/شباط، على اليمين بتاريخ 1 مارس/آذار 2026 بعد الاستهداف (بلانيت لابز)وضمن المواقع الـ 27 المعاد استهدافها، تُظهر صورة ملتقطة بتاريخ 1 مارس/آذار إعادة استهداف قاعدة صواريخ باليستية شمال أصفهان عند الإحداثيات (32°43’8.468″ N, 51°24’55.672″ E) بعد أن أُعيد تأهيلها إثر ضربها سابقا في حرب يونيو/حزيران 2025. وهي واحدة من ست قواعد صواريخ باليستية أُعيد استهدافها، مما يعني أن التحالف كان يراقب عودة هذه القواعد للعمل.
صورة بتاريخ 1 مارس/آذار 2026 تُظهر الأضرار الناتجة عن قصف قاعدة الصواريخ الباليستية شمال أصفهان (بلانيت لابز)يمثل تدمير منشآت الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها بعدا مزدوجا في الحملة. فمن جهة يحقق الهدف الاستراتيجي المعلن بتدمير القدرة الصاروخية الإيرانية، ومن جهة أخرى يحقق هدفا تكتيكيا آنيا بتقليص قدرة إيران على إطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل والقواعد الأمريكية، مما يخفف الضغط على منظومات الاعتراض الصاروخي الأمريكية والإسرائيلية قبل استنفاد مخزونها من الصواريخ الاعتراضية.
"تدمير منشآت الصواريخ ومنصات إطلاقها يحقق هدفا مزدوجا: تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية، وتقليص قدرة إيران على إطلاق صواريخ باليستية أثناء الحرب".
تستخدم إيران مركبات متحركة بشكل أساسي لإطلاق صواريخها، رغم قدرتها على الإطلاق من منصات ثابتة أخرى. ذلك أن المركبات المتحركة توفر مرونة عملياتية وقدرة على الانتقال بين مواقع متعددة، مما يعزز فرص النجاة من الضربات الاستباقية. وهذه الخصائص تجعلها جذابة لإيران تحديدا، لأن الإطلاق من قواعد ثابتة معروفة الإحداثيات يعني تعرضها للتدمير فور انطلاق الصواريخ منها، وهو خيار غير مستدام في حرب طويلة.
وبناء عليه، فإن خسارة منصات الإطلاق المتحركة أهم استراتيجيا من خسارة الصواريخ ذاتها. غير أن هذه المنصات تستخدم في الغالب مركبات ذات أصل تجاري مدني، وهو ما يجعلها أرخص ثمنا وأكثر قابلية للإحلال والتعويض. ولهذا السبب بالتحديد فهناك من يرى أن تدمير جزء كبير منها ليس مفيدا بالضرورة على المستوى الاستراتيجي البعيد، لأن إيران التي عاشت معظم تاريخها تحت العقوبات طورت حلولا غير تقليدية تتجاوز الاعتماد العادي على مركبات عسكرية مخصصة، ويمكنها تعويض ما فقدته على المدى الطويل.
ومع ذلك، فإن الأثر التكتيكي الآني واضح. فقد أعلن قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر في الرابع من مارس/آذار أن القوة المشتركة دمرت مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ومنصات الإطلاق، وأن معدل إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية انخفض بشكل ملحوظ مقارنة ببداية الحرب. مما يعني أن الحملة نجحت على الأقل في تقليص وتيرة التهديد الصاروخي الفوري، حتى لو ظلت قدرة إيران على إعادة البناء على المدى المتوسط والبعيد قائمة.
يمثل استهداف البنية الأمنية ومؤسسات الدولة "شبه المدنية" منذ اللحظة الأولى أحد أبرز الفوارق بين هذه الحرب وحرب الاثني عشر يوما. ففي حرب يونيو/حزيران 2025 لم تستهدف المقار الأمنية ومؤسسات الدولة إلا في المراحل الأخيرة من القتال، كرسائل ختامية للعملية أكثر منها أهدافا عسكرية بالمعنى التكتيكي. أما في الحرب الحالية، فقد كانت ضربات مؤسسات الحكم ومقار صنع القرار هي الموجة الافتتاحية ذاتها.
استهدف مقر المرشد الأعلى واغتيل المرشد خامنئي أثناء اجتماعه مع كبار قادة الدولة. واستهدفت في الموجة ذاتها المقار الرئيسية للمؤسسات الأمنية، وتحديدا مقر الهيئة العامة لقوات الأمن الداخلي، ومركز القيادة والسيطرة التابع للحرس الثوري في طهران، ومقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني. كما اغتيل العميد غلام رضا رضائيان قائد مركز الاستخبارات وإنفاذ القانون التابع للشرطة الإيرانية. إن ضرب القيادة السياسية والأمنية والإعلامية بشكل متزامن في الساعة الأولى كشف عن نية لإحداث صدمة نظامية شاملة تفقد أجهزة الدولة قدرتها على التنسيق والاستجابة في اللحظة التي تحتاج فيها هذه القدرات أكثر من أي وقت آخر.
مجمع القيادة قبل استهدافه، 1 فبراير/شباط 2026 (فانتور)آثار الدمار في مجمع القيادة بعد استهدافه 1 مارس/آذار 2026 (فانتور)تكشف صور الأقمار الصناعية كذلك حجم الأضرار التي لحقت بالمقار الأمنية في طهران ومحيطها. فقد أظهرت صور "فانتور" (Vantor) أضراراً بالغة في مقر نبي أكرم خاتمي عند الإحداثيات (35.77771895° N, 51.39708671° E)، كما وثّقت صور بلانيت لابز بتاريخ 3 مارس/آذار 2026 آثار الاستهداف في مقر قيادة الشرطة في طهران عند الإحداثيات (33.63673° N, 46.32399° E).
مقر نبي أكرم خاتمي قبل استهدافه، 27 فبراير/شباط 2026 (فانتور)مقر نبي أكرم خاتمي بعد استهدافه – ١ مارس/آذار 2026 (فانتور)يعكس هذا النمط تحولاً جذرياً في أهداف الحملة. فكثافة الاستهدافات في منطقة العاصمة طهران ومحيطها تُبرز أن مستهدفات هذه الحرب تتجاوز التدمير العسكري إلى محاولة شل قدرة النظام على إدارة الأزمة والسيطرة على الأوضاع في لحظة الانكشاف القصوى. وتزامن ذلك مع دعوات أطراف من المعارضة الإيرانية في المنفى، والرئيس الأمريكي، وساسة إسرائيليين، للإيرانيين للانتفاض ضد النظام الحاكم.
آثار الاستهداف على مقر قيادة الشرطة، 3 مارس/آذار 2026. الإحداثيات: 33.63673°N, 46.32399°E المصدر: (بلانيت لابز)تركزت الضربات البحرية في جنوب إيران على طول الشريط الساحلي المطل على مضيق هرمز وبحر العرب، مستهدفة خمسة أهداف بحرية تشمل قواعد وأصولا عائمة. ويمكن فهم هذه الضربات في إطار مساعٍ أمريكية لتحييد قدرات القوات الإيرانية على تهديد السفن في الخليج العربي ومضيق هرمز، بالإضافة إلى حماية القطع البحرية الأمريكية في منطقة العمليات ببحر العرب.
من أبرز ما رصده التحقيق خلال الـ48 ساعة الأولى للحرب استهداف قاعدة كوناراك البحرية عند الإحداثيات (25.30420° N, 60.43271° E)، والتي تُعد من أهم القواعد البحرية في جنوب شرق إيران. أظهرت صور بلانيت لابز بتاريخ 1 مارس/آذار 2026 أعمدة دخان كثيفة تتصاعد من القاعدة، فيما كشفت صور فانتور حجم الدمار الذي لحق بها. كما رصد التحقيق استهداف قاعدة الإمام علي البحرية التابعة للحرس الثوري وقاعدة بحرية أخرى، بالإضافة إلى ضرب سفينة حربية إيرانية ومستودعات بحرية.
أعمدة دخان تتصاعد من قاعدة كوناراك البحرية بعد الاستهداف، 1 مارس/آذار 2026 (بلانيت لابز)حجم الدمار الذي تعرضت له قاعدة كوناراك البحرية بعد الاستهداف، 1 مارس/آذار 2026 (فانتور)وتتضح الأهمية الاستراتيجية لهذه الضربات حين ندرك أن مضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس الإنتاج النفطي العالمي اليومي. وقد أعلنت إيران فعلاً تهديدها باستهداف السفن العابرة للمضيق. ووفقاً للقيادة المركزية الأمريكية، لم تبقَ أي من السفن الحربية الإيرانية الإحدى عشرة التي كانت متمركزة شرق مضيق هرمز قبل بدء العمليات خلال الساعات الثماني والأربعين الأولى.
"طوّر الحرس الثوري قدرات بحرية غير تقليدية تعتمد على القوارب المفخخة والألغام البحرية وصواريخ كروز المضادة للسفن وكلها أسلحة لا تتطلب بنية تحتية تقليدية من قواعد ومرافئ".
غير أن فاعلية هذه الهجمات تظل محل تقييم. فبسبب العقوبات والعزلة الدولية، يدرك النظام الإيراني ضعف قواته البحرية التقليدية وتقادمها، ولذلك طوّر الحرس الثوري قدرات بحرية غير تقليدية تعتمد على القوارب المفخخة المسيّرة عن بعد والألغام البحرية وصواريخ كروز المضادة للسفن التي تُطلق من منصات برية متنقلة على الساحل، وكلها أسلحة لا تتطلب بنية تحتية تقليدية من قواعد ومرافئ؛ مما يعني أن تدمير القواعد البحرية والسفن الحربية، رغم أهميته الرمزية والتكتيكية، قد لا يُنهي التهديد البحري الإيراني كما ترجو الولايات المتحدة وإسرائيل.
بخلاف استهداف الموانئ والقوة البحرية، استهدفت القوة المشتركة 12 موقعاً تابعاً للقوة الجوية الإيرانية، تنوعت بين قواعد جوية تقليدية وقواعد طائرات مسيّرة ومنشآت صيانة وإصلاح. ومن أبرز ما رصده التحقيق تدمير طائرات من طرازات "سوخوي-22 إم 4″ (Su-22M4) و"إف-4 فانتوم" (F-4) و"إف-5 تايغر" (F-5) على الأرض، واستهداف قيادة النقل والإصلاح التابعة للقوة الجوية في الحرس الثوري، وتدمير حظائر طائرات في عدة قواعد.
كما استُهدفت ثلاث قواعد للطائرات المسيّرة، بما يشمل مركز قيادة الطائرات المسيّرة التابع لقوة الفضاء الجوي في الحرس الثوري، بهدف الحد من قدرة إيران على شن هجمات بطائرات مسيّرة ضد إسرائيل أو ضد القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، ثمة ملاحظة تكتيكية مهمة يكشفها هذا التحقيق تتعلق بالفارق الجوهري في نمط استهداف القواعد الجوية بين غرب إيران وجنوبها، وهو فارق يحمل دلالات استراتيجية عميقة.
ففي الغرب، ركزت الضربات على إخراج المطارات والمدارج من الخدمة بالكامل عبر إحداث حفر في الممرات الجانبية والمدرجات الرئيسية. والهدف منع أي نشاط جوي إيراني من هذه القواعد بشكل نهائي. أما في الجنوب، فقد اقتصرت الضربات على تدمير الأصول مثل الطائرات والحظائر ومنشآت الصيانة دون تعطيل المدارج ذاتها.
آثار الاستهدافات في قاعدة كوناراك الجوية: تدمير حظائر الطائرات وبرج المراقبة مع الإبقاء على المدرج الرئيسي سليماً. 1 مارس/آذار 2026 (فانتور)ويوضح المثال من قاعدة كوناراك الجوية عند الإحداثيات (25.43634° N, 60.36589° E) هذا النمط بوضوح، إذ استهدفت حظائر الطائرات بجانب برج المراقبة، ورصدت آثار بعض القذائف على الطرق الجانبية للمطار، لكن لم يرصد أي استهداف للمدرج الرئيسي.
صورة بتاريخ 3 مارس/آذار 2026 توضح استهداف مدرج الطائرات بمطار تبريز بعدد كبير من القذائف لإخراجه عن الخدمة بشكل كامل (بلانيت لابز بي بي سي)لا يبدو هذا التباين عشوائيا على الأرجح. فتدمير المدارج عملية تتطلب استهدافا محددا لنقاط على المدرج ذاته، وغيابه في الجنوب مع حضوره في الغرب يرجح وجود قرار واع بالتمييز بين المنطقتين. ورغم عدم وجود تصريح رسمي أمريكي أو إسرائيلي يفسر هذا الفارق، فإن قراءته في سياق المعطيات الأخرى تفتح عدة احتمالات.
"إذا كانت واشنطن تدرس فعلا خيارات برية في جنوب إيران، فإن المدارج في هذه المنطقة تصبح بنية تحتية لوجستية لا غنى عنها".
فتدمير مدارج الغرب يتسق مع الهدف الأكبر لتقويض البنية التحتية العسكرية لإيران. أما الإبقاء على مدارج الجنوب تحديدا فقد يعكس حسابات مختلفة. فإذا كانت واشنطن تدرس فعلا خيارات برية في جنوب إيران، كما أشار تقرير أكسيوس عن القوات الخاصة وجزيرة خرج، فإن هذه المدارج تصبح بنية تحتية لوجستية لا يستغنى عنها.
ما يمكن تأكيده هو أن إعادة استهداف الـ27 موقعا، والبدء باستهداف رأس القيادة، وكذلك نمط استهداف المدارج، كلها تضاف إلى المؤشرات التي تدلل على أن هذه العمليات صممت بالنظر إلى أهداف تمتد إلى ما بعد الحرب الحالية.
بعيداً عن الأهداف العسكرية، والبنية التحتية المؤسسية، رصد التحقيق 8 نقاط استهداف طالت منشآت مدنية، توزعت بين منشآت تعليمية وصحية ومناطق سكنية. وبينما تكشف الخريطة عن حملة عسكرية بدقة استهداف لافتة في معظم المواقع العسكرية، فإن هذه النقاط الثماني تطرح تساؤلات جوهرية لا يمكن تجاوزها، وتثير تساؤلات حول التزام الحملة بالقانون الدولي الإنساني، تحديداً مبدأي التمييز والتناسب المنصوص عليهما في اتفاقيات جنيف.
استهدفت الضربات جامعة صحند التقنية في تبريز كما استهدفت مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب بمحافظة هرمزكان جنوب شرق إيران، والتي أسفر استهدافها عن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين وتعد من أكثر الحوادث دموية خلال الحرب. وقد استنتج تحقيق سابق لوحدة التحقيقات الرقمية أن المدرسة المستهدفة كانت مفصولة بشكل واضح عن الموقع العسكري المجاور لها منذ ما لا يقل عن عشر سنوات، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول نمط الاستهداف ومدى دقة المعلومات الاستخباراتية التي بني عليها القصف.
وفي إطار القانون الدولي الإنساني، يلزم مبدأ التمييز أطراف النزاع بالتفريق في جميع الأوقات بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وبتوجيه عملياتها حصراً ضد الأهداف العسكرية. وفي حالة مدرسة ميناب، فإن وجود جدار مادي فاصل بين المدرسة والموقع العسكري منذ عقد كامل يجعل من استهداف المدرسة انتهاكا قد يرقى إلى مستوى المساءلة الدولية.
"يلزم مبدأ التمييز أطراف النزاع بالتفريق في جميع الأوقات بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وبتوجيه عملياتها حصرا ضد الأهداف العسكرية".
على صعيد المنشآت الصحية، رصد التحقيق استهداف مركز طبي في اليوم الأول بالإضافة إلى الأضرار البالغة التي لحقت بمستشفى غاندي في طهران عند الإحداثيات (35.74513551° N, 51.41209278° E). ولم تنتج أضرار المستشفى عن استهدافه مباشرة، بل عن استهداف برج اتصالات تلفزيون الدولة المجاور له. وقد أفادت منظمة الصحة العالمية بإجلاء المرضى من المستشفى نتيجة الأضرار الهيكلية.
مستشفى غاندي في طهران قبل تعرضه للأضرار (فانتور)مستشفى غاندي في طهران بعد تعرضه للأضرار نتيجة استهداف برج الاتصالات المجاور في 4 مارس/آذار 2026 (فانتور)رصد التحقيق كذلك ثلاث نقاط استهداف في مناطق سكنية، بما يشمل أضراراً ودماراً في مبانٍ سكنية في طهران، بالإضافة إلى أعمدة دخان رصدت في شارع شريعتي وقرب برج ميلاد. أظهرت صور بلانيت لابز (Planet Labs) الحديثة بالمقارنة مع صور بتاريخ 24 يناير/كانون الثاني 2026 الأضرار الواضحة التي لحقت بعدد من المباني السكنية.
وقد نفى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن تكون الولايات المتحدة قد استهدفت منشآت مدنية، مؤكداً أن القوات الأمريكية "لا تستهدف أبداً أهدافاً مدنية"، لكنه لم يقدم أي تفاصيل أو تفسير بشأن سقوط العشرات من الضحايا المدنيين، خاصة في ضربة مدرسة ميناب تحديداً.
صورة توضح المباني السكنية قبل الاستهداف، 24 يناير/كانون الثاني 2026 (بلانيت لابز)صورة أقمار صناعية تُظهر دماراً في عدد من المباني السكنية بعد الاستهداف في 6 مارس/آذار 2026 (بلانيت لابز )بعد حرب يونيو/حزيران 2025، أعادت إيران بناء بعض ما دمرته الطائرات الأمريكية والإسرائيلية. فرمّمت الرادارات على قمم الجبال، وأصلحت قواعد الصواريخ، وأعادت تأهيل منشآت الدفاع الجوي الواحدة تلو الأخرى. وهذا ما تفعله الدول بعد الحروب حين تُرمّم ما تهدّم وتستعد لما قد يأتي. لكن هذه الحرب تطرح سؤالاً: ماذا بقي ليُرمَّم؟
فما بين القوة النارية الهائلة، و27 موقعاً أُعيد تدميره بعد ترميمه، وقيادة سياسية أُزيلت في الدقائق الأولى، ويُهدّد من تبقى منها بالاغتيال، تتبلور صورة حرب لم تُصمَّم فقط لإرسال رسالة أو إعادة ضبط موازين القوى وتعديل قواعد الاشتباك. إذ يبدو أن سؤال الحرب بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة لم يكن "كيف نُضعف إيران؟" بل "كيف نجعل من المستحيل على إيران أن تُعيد بناء ما دُمّر من جديد؟".
"هذه حملة حربية بلغت من الدقة حداً جعلها قادرة على ضرب رادار فوق قمة جبل بعد ثمانية أشهر من إعادة بنائه، لكنها لم تكترث بالتمييز بين مدرسة ابتدائية وقاعدة عسكرية مفصولين بوضوح منذ 10 أعوام".
في ميناب، كان الجدار الذي فصل المدرسة عن القاعدة العسكرية قائماً منذ عقد كامل. لكنه لم يكن موجوداً في الخريطة التي اعتمدتها غرفة العمليات. جدار وُجد في الواقع لكنه غاب عن قاعدة بيانات الاستهداف يمثل المفارقة التي تختصر هذه الحرب بأسرها. فهي حملة حربية بلغت من الدقة حداً جعلها قادرة على ضرب رادار فوق قمة جبل للمرة الثانية بعد ثمانية أشهر من إعادة بنائه، لكنها عجزت، أو لم تكترث، عن التمييز بين مدرسة ابتدائية وقاعدة عسكرية فصل بينهما جدار منذ عشر سنوات.
ما بات واضحاً هو أن الأوضاع ربما لن تعود إلى ما كانت عليه قبل فجر 28 فبراير/شباط 2026.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة