نابلس – منذ 3 أسابيع تعيش رقية عبد الكريم من منطقة جبل رأس العين غرب بلدة قصرة جنوب نابلس حالة رعب متواصلة، جعلتها حبيسة منزلها الذي فقدت فيه الإحساس بالأمان. فبعد أن نصب أحد المستوطنين 3 خيام في المنطقة واستقر فيها مع قطعان من الأغنام كبؤرة رعوية جديدة، تحوّل المكان إلى مصدر يومي للاعتداءات والتهديد للسكان الفلسطينيين.
رقية، أم لطفلتين أكبرهما في الرابعة من عمرها، باتت تخشى البقاء وحدها في المنزل، ولا تجرؤ حتى على فتح النوافذ أو جمع الحطب للمدفئة ما لم تكن برفقة عدد من أفراد عائلتها. وتقول: "نعيش في رأس العين واقعا مرعبا، جرارات المستوطنين تجوب محيط بيتنا بشكل دائم، يقتحمون البوابات، يدخلون إلى أراضينا، ويلتفون حول المنزل، بل ويرعون أغنامهم داخل حديقته وتحت النوافذ".
هذا الواقع المهدِّد جعل رقية (28 عاما) تمتنع عن مغادرة منزلها تحت أي ظرف، خاصة بعد أن اقتحمه المستوطنون قبل أسبوع مستغلين غياب العائلة. فجر ذلك اليوم، حطموا 3 شاشات تلفاز وهاتفا محمولا وعبثوا بمحتويات البيت، وسرقوا معدات عمل، إضافة إلى جهاز تسجيل الكاميرات في محاولة لإخفاء أدلة اعتداءاتهم.
وقالت رقية للجزيرة نت "حرمت من زيارة عائلتي في قبلان التي لم أراها منذ 3 أسابيع، أخشى مغادرة المنزل حتى لا يقتحموه مجددا في غيابي".
ورغم تهديدات المستوطنين المتكررة بحرق المنزل أو إخراج الأسرة منه عنوة، تؤكد أن خيارها الوحيد هو الصمود، وأضافت: "فكرنا بالانتقال مؤقتا إلى منزل أهل زوجي، لكن عندما أدركنا أن الاستهداف ممنهج ومستمر، قررنا البقاء ولن نخرج من بيتنا أبدا بإذن الله".
بدوره، تعرّض جارها وفيق أبو ريدة لاعتداء مشابه قبل نحو أسبوع، حين اقتحم أكثر من 50 مستوطنا المنطقة في وضح النهار في هجوم جماعي منسّق، ولاحقوا السكان محاولين الاعتداء عليهم. وأسفر الهجوم عن تكسير الزجاج الأمامي والخلفي لسيارته وسيارة شقيقه بالكامل، كما قاموا بخلع أقفال "فيلا" سكنية تعود لأخيه وسرقوا 5 كاميرات مراقبة منها.
وأكد أبو ريدة للجزيرة نت أن الحياة اليومية باتت معطلة ومحفوفة بالمخاطر، حيث يخشى الرجال الذهاب إلى أعمالهم خوفا على عائلاتهم من اعتداءات المستوطنين، وأوضح: "إذا تأخر أحدنا بعد السابعة أو الثامنة مساءً، يضطر للمبيت عند أقاربه داخل مركز القرية، لأن العودة إلى المنزل المحاذي للبؤرة باتت مخاطرة حقيقية".
تقع البؤرة الاستيطانية الجديدة في منطقة "عين عينا" على بعد يتراوح بين 300 و500 متر فقط من منازل الفلسطينيين، ما يجعلها تهديدا مباشرا لهم. ويشير الأهالي إلى أن المستوطنين يفرضون حصارا فعليا على المنطقة، ويمنعون أي فلسطيني من الاقتراب منها، ويلاحقون كل من يحاول الوصول إلى أرضه أو منزله.
من جهته، أكد رئيس بلدية قصرة هاني عودة للجزيرة نت أن البلدة بأكملها تتضرر من هذه البؤرة، التي ستطبق الخناق عليها من الجهة الغربية، المتنفس الوحيد المتبقي بعد أن باتت محاصرة من الجهات الجنوبية والشرقية والشمالية، بسبب 3 مستوطنات محيطة وبوابة عسكرية مغلقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وحسب عودة، فإن المنطقة الغربية كانت المساحة الوحيدة المتاحة للتوسع العمراني والزراعي، لكن الآن توقفت أعمال البناء في 5 منازل قيد الإنشاء، لأن أصحابها لم يعودوا قادرين على الوصول إليها، ما يهدد مستقبل النمو السكاني في البلدة.
وتُعد "عين عينا" أو جبل رأس العين منطقة إستراتيجية تربط بين 3 قرى هي قصرة وتلفيت وجالود عبر شارع رئيسي قطعه المستوطنون. كما أنها تمثل "خزان مياه" حيويا، إذ تضم نبعا يغذي ينابيع القرى الثلاث، ما يعني أن السيطرة عليها تعني التحكّم بشريان الحياة المائي للمنطقة.
وأشار عودة إلى تواطؤ جيش الاحتلال مع المستوطنين، موضحا أن هناك قرارا رسميا بالإخلاء أُبلغ به عبر جهاز الارتباط الفلسطيني، لكنّ ما يجري على الأرض مجرد "مسرحية هزلية، حيث يأتي الجيش، ويختبئ المستوطنون على بعد أمتار، فيدّعي الجنود عدم وجود أحد ثم يغادرون. وتتحول المنطقة يوميا إلى ساحة مواجهات تُستخدم فيها قنابل الغاز والرصاص الحي".
بدوره، شدد رئيس مركز القدس للمساعدة القانونية عصام العاروري على أن ما تشهده قصرة ليس حدثا معزولا، بل جزء من مخطط أوسع يستهدف جنوب وجنوب شرق نابلس، وقد تكرر النمط ذاته في عقربا وبيتا وقرى أخرى. وأوضح أن المجموعات الاستيطانية تستخدم ذرائع أمنية للسيطرة على الأرض، ثم تنشئ بؤرا رعوية تنشر ما وصفه بـ"الإرهاب الاستيطاني"، الذي يشمل الحرق والنهب وتجريف الأراضي وقطع الطرق، ما ألحق خسائر زراعية فادحة.
وأكد أن منطقة جبل رأس العين تقع ضمن تصنيف "ب" وفق اتفاق أوسلو، أي أنها تخضع إداريا ل لسلطة الفلسطينية، لكن ذلك لم يمنع الاعتداءات. ووصف الواقع الحالي بأنه انتقال من مرحلة "الحكم العسكري" إلى "حكم العصابات"، حيث تتم الاقتحامات والسرقات دون أي سند قانوني، بما في ذلك مصادرة الأموال والمواشي دون إيصالات أو إجراءات رسمية.
وأشار العاروري إلى أن للمستوطنين "ثأرا قديما" مع قصرة بسبب تاريخها في التصدي لاعتداءاتهم ومحاولاتهم المستمرة لتحطيم نموذجها الاقتصادي ودفع شبابها للهجرة. وأكد أن ما يجري اليوم يهدف إلى كسر إرادة البلدة، الأمر الذي يتطلب تعزيز صمود سكانها في مواجهة سياسات التهجير القسرية.
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لعام 2024، تُعد قصرة جنوب نابلس من أكثر بلدات الضفة الغربية تعرضا لاعتداءات المستوطنين، إذ تحيط بها 3 مستوطنات رئيسية هي "مجدليم" و"إيش كودش" و"أحيّا"، إضافة إلى أكثر من 5 بؤر رعوية نشطة، مما أدى إلى مصادرة نحو 60% من أراضيها، البالغة مساحتها نحو 19 ألف دونم، وتحويل الجزء الأكبر المتبقي إلى مناطق مهددة الوصول.
وتشير سجلات المجلس القروي إلى توثيق عشرات الهجمات سنويا شملت إحراق أراضٍ زراعية، والاعتداء على المنازل والمركبات، وإغلاق طرق رئيسية منذ عملية " طوفان الأقصى"، مما قيّد حركة أكثر من 9 آلاف نسمة، هم سكان البلدة، وعرقل التوسّع العمراني والزراعي، وحوّل المنطقة الغربية المعروفة بجبل "عين عينا"، المتنفس الوحيد المتبقي للأهالي، إلى بؤرة توتر يومية تهدد الأمن الإنساني ومصادر المياه والأراضي الزراعية المحيطة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة