في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تيرانا- شارك عشرات من المواطنين الألبان في وقفة رافضة لزيارة رئيس الوزراء إيدي راما لإسرائيل، نُظّمت أمام مبنى البرلمان في العاصمة تيرانا، الجمعة، وحملت عنوان "ليس باسمي"، ورفع المشاركون فيها لافتات كُتب عليها "عليك ألا تصافح الظلم والوحشية" و"أوقِفوا قصف غزة".
وفي كلمة داخل الكنيست يوم الاثنين الماضي، امتدح راما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متهما حركة حماس بأنها "سجان غزة" وأنها تحمل "أيديولوجية إرهابية".
وغاب عن كلمة رئيس الوزراء الألباني، التي قاربت أربعين دقيقة، أي ذكر للمجازر الإسرائيلية أو عدد الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة.
وجاءت الزيارة التي استمرت يومين بعد تصديق البرلمان الألباني على الانضمام إلى " مجلس السلام" استجابة لدعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
يقول المحامي والناشط السياسي فلوريان أرابي، وهو أحد منظمي الوقفة الاحتجاجية، إن راما "لا يمثل الشعب الألباني ولا مصالحه ولا مشاعره خلال هذه الزيارة، بل يسعى إلى تحقيق مصالحه الشخصية".
ويشير في حديث مع الجزيرة نت إلى أن حكومة راما "كثفت خلال السنوات الأخيرة علاقاتها مع إسرائيل، من خلال الاتصالات الحكومية والاستثمارات الإسرائيلية. وشمل ذلك منح شركات إسرائيلية عقود إدارة الأمن السيبراني، وافتتاح بنك إسرائيلي جديد خلال العام الماضي، كما دخلت شركة ألبانية لتصنيع الأسلحة في شراكة مع أحد رجال الأعمال الإسرائيليين المقرَّبين من نتنياهو".
ويؤكد الناشط السياسي إيغون لولي، الذي شارك في الوقفة أيضا، أن "سلوك رئيس الوزراء غير لائق برجل دولة"، وأنه "استغل زيارته لإسرائيل -إلى جانب أمور أخرى- لصرف الأنظار عن الفضائح العديدة التي شابت حكمه المستمر منذ 12 عاما، وللضغط على النظام القضائي الألباني، وللسعي عبر قنوات مختلفة إلى الإفلات من العقاب".
ويتابع للجزيرة نت "لنتذكر أن النيابة العامة الخاصة بمكافحة الفساد وجَّهت رسميا اتهامات لنائبه في قضايا فساد خطيرة".
وشدَّد لولي على ضرورة "مواصلة رفع مستوى الوعي العام وتنظيم المزيد من الاحتجاجات إذا استمر راما في استخدام ولايته الحاكمة لتبرير الإبادة الجماعية أو غيرها من الأعمال التي تتعارض مع سيادة القانون والمبادئ الأساسية للعدالة".
ويقول المحلل السياسي مارليند لاتشي إنه من المثير للقلق أن تقف جمهورية ألبانيا إلى جانب دولة ارتكبت إبادة جماعية في غزة.
وعن دوافع الزيارة، يوضح لاتشي للجزيرة نت أن "ألبانيا دخلت في دوامة دبلوماسية مدفوعة فقط بأنانية إيدي راما ومصالحه الشخصية، إذ يرى في إسرائيل واللوبي الصهيوني الدولي فرصة سانحة للتهرب من قضايا الفساد المرفوعة ضد حكومته، مفترضا أن النيابة الخاصة لمكافحة الفساد ستُرهَب من حجم التأثير الذي أحدثه خطابه في إسرائيل".
ويضيف "كما يرى (راما) في نتنياهو وسيلة للقاء الرئيس ترمب، الذي يبدو أنه لا يُكنّ لراما ودا كبيرا".
ويذكر لاتشي أنه على الرغم من اعتراف الديكتاتور الألباني أنور خوجة بدولة إسرائيل، فإنه اتخذ مواقف متشددة ضد الإمبريالية والصهيونية، نتيجة للتضامن الشيوعي وضغوط اليسار العالمي.
وفي عام 1991، وبعد سقوط النظام الشيوعي في ألبانيا، أقيمت علاقات دبلوماسية بين ألبانيا وإسرائيل، ولا تزال قائمة منذ ذلك الحين.
ويشير أرابي إلى أن العلاقات الألبانية-الإسرائيلية تستند على ركيزتين أساسيتين:
وتضيف الصحفية ندى دوستي ركيزة ثالثة تتمثل في:
وتؤكد دوستي مركزية واشنطن في هذه العلاقة، إذ "لا يقتصر الدعم العلني لإسرائيل على كونه دبلوماسية ثنائية فحسب، بل هو أيضا إشارة إلى الولاء الجيوسياسي للولايات المتحدة".
وتوضح للجزيرة نت أنه "من وجهة نظر إسرائيل، تحمل ألبانيا قيمة رمزية مميزة بكونها دولة ذات أغلبية مسلمة، أنقذت آلاف اليهود الفارين من الاضطهاد النازي، ووفرت ملاذا لهم. وأصبحت ألبانيا الدولة الوحيدة في أوروبا التي ازداد فيها عدد اليهود بعد المحرقة".
وتتابع "يسمح دعم ألبانيا السياسي الواضح لإسرائيل بإظهار صورة شرعية عابرة للأديان، مما يعزز الرواية بأن سياساتها في فلسطين لا تعارضها جميع المجتمعات الإسلامية. ومن خلال تسليط الضوء على تأييد دولة ذات أغلبية مسلمة، تسعى إسرائيل إلى مواجهة الانتقادات الواسعة في العالم الإسلامي وتخفيف الاتهامات الموجَّهة إليها بالعداء للإسلام أو المسلمين".
لكنْ مع العلاقات الرسمية، يؤكد أرابي ارتباط الشعب الألباني بفلسطين، ويشدّد على أهمية العامل الديني وقدسية أرض فلسطين في الإسلام.
وفي هذا الصدد، يضيف الناشط السياسي إيغون لولي أن الرد الشعبي مزيج من العوامل الاجتماعية والتاريخية والسياسية، فالشعب الألباني يتمتع بحساسية متزايدة تجاه معاناة المدنيين والأزمات الإنسانية، وهي حساسية تشكلت بفعل تجاربه التاريخية مع الحروب والعنف.
ويفسّر لولي أنه مع سقوط الشيوعية في 1991، ترسَّخ عُرف غير مكتوب في أوساط الطبقة السياسية الألبانية، مفاده أن الحصول على دعم جهات دولية فاعلة يكفي لتسويق هذا الدعم لاحقا محليا بأنه شرعية أخلاقية. ويوضح أن هذا العرف ألحق ضررا بالغا ببناء المؤسسات وسيادة القانون.
ويرى أن راما "استغل هذا المنطق ببراعة تفوق أي شخص سبقه، فهو يفكر ويتصرف وفقا لذلك، معتقدا أنه من خلال كسب تأييد وتعاطف السفراء، خاصة قادة حلفاء ألبانيا الغربيين، يمكنه الحفاظ على مكانته السياسية، مع تبرير أو التقليل من شأن الفساد المستشري الذي اجتاح البلاد تحت حكمه".
وعن موقف المعارضة، يقول لاتشي إن موقفها مع إسرائيل لا يختلف عن موقف رئيس الوزراء "المعارضة تتمنى أن تكون في موقع راما للقاء نتنياهو. يهيمن على المشهد السياسي الداخلي في ألبانيا حزبان يتنافسان على لقب الأكثر خضوعا لمجرم الحرب بنيامين نتنياهو".
وتؤكد الصحفية ندى دوستي أن موقف الحكومة ينذر بتعميق الاستقطاب السياسي وتهميش قطاعات واسعة من السكان، خاصة أن ألبانيا مجتمع ذو أغلبية مسلمة، تربطه علاقة قوية بالقضية الفلسطينية.
وتذكر أن الفجوة بين دبلوماسية الدولة والمواقف الأخلاقية الشعبية تتزايد لتشكّل معضلة حقيقية بين التوافق الإستراتيجي والمساءلة الأخلاقية في السياسة الألبانية.
على الصعيد الدولي، ينتقد لاتشي عدم امتلاك حكومة راما أي خطة واضحة، مشيرا إلى أن محركها الأساسي دوافع شخصية أكثر من مصالح ألبانيا الوطنية. ويحذر من تأثير موقف ألبانيا الداعم لنتنياهو على علاقاتها مع الدول الإسلامية.
كان لافتا أن زيارة رئيس الوزراء الألباني لإسرائيل تزامنت مع زيارة رئيس جمهورية صرب البوسنة المعزول ميلوراد دوديك واجتماعه مع نتنياهو وآخرين.
ويقول الناشط لولي إن "وجود شخصية أخرى في إسرائيل مرتبطة بتبرير الإبادة الجماعية الصربية في البوسنة والبلقان، هي ميلوراد دوديك، يضرب بقسوة الصورة الأخلاقية لألبانيا".
ويضيف المحلل أن "وضع إيدي راما نفسه بين شخصيتين مرتبطتين بسياسات الإبادة الجماعية، يطرح استفسارا عن مدى استفادته من ذلك".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة