في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنين- أثارت تحركات الجرافات والآليات الثقيلة التابعة للاحتلال الإسرائيلي في تل ترسلة الأثري (المعروف سابقا بمستوطنة صانور) مخاوف الفلسطينيين في بلدات جبع والفندقومية وسيلة الظهر، وسط محاولات مكثفة لإعادة إحياء المستوطنة التي تم إخلاؤها عام 2005.
وتعد تل ترسلة (تبعد بضعة كيلومترات جنوب جبع بشمال الضفة الغربية) ذات أهمية تاريخية وجغرافية مميزة، إذ تضم قلعة "ترس الله" التي بناها صلاح الدين الأيوبي، وفقا لعباس غنام، عضو مجلس قروي جبع.
وتوالت عليها حقب متعددة، حيث اتخذها الإنجليز مقرا لهم، ثم تسلّمها الجيش الأردني وبنى فيها مسجدا لا يزال قائما حتى اليوم، وبعد احتلالها عام 1967، حولها الإسرائيليون إلى معسكر ومستوطنة، ثم بقيت مهجورة منذ إخلائها في خطة "فك الارتباط" عام 2005، إلى أن عاد النشاط الاستيطاني إليها قبل نحو شهرين.
ويقول غنام في حديثه للجزيرة نت إن سكان المنطقة عاشوا منذ عام 2005 حالة من "الأمان النسبي" لغياب المستوطنين، قبل أن ينقلب المشهد رأسا على عقب مؤخرا مع عودة النشاط الاستيطاني العسكري المكثف إلى الموقع.
وأوضح أنه قبل نحو شهرين صدرت أوامر عسكرية إسرائيلية بـ"وضع اليد" على مساحات واسعة من الأراضي تقدر بنحو 500 دونم (الدونم 1000 متر مربع)، تعود ملكيتها لأهالي 4 قرى فلسطينية هي: جبع، والفندقومية، وسيلة الظهر، وبزاريا.
وأشار إلى أن أصحاب الأراضي أبلغوا عبر "الارتباط" بأرقام القطع المصادرة، التي يقع جزء كبير منها في مسار شارع استيطاني جديد يخطط لربط مستوطنة "ترسلة" بمستوطنة "حومش".
ووصف غنام ما يجري بأنه "عملية تجهيز متكاملة وسريعة"، تشمل أعمال تجريف وتوسعة ووضع أساسات، إلى جانب إدخال بيوت متنقلة (كرفانات) وجدران إسمنتية ضخمة للحماية، خاصة في الجهة المقابلة لبلدة جبع، ويؤكد ذلك الوجود الدائم ل جيش الاحتلال، إلى جانب تزايد زيارات المستوطنين للموقع.
وأضاف "إقامة المستوطنة تعني بالضرورة هدم منشآت قريبة، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وأشجار الزيتون، مما سيؤدي إلى موت الحياة الاقتصادية في المنطقة بالكامل، وتدمير مصدر رزق آلاف المواطنين".
ومن بين المتضررين، المواطن زياد علاونة من بلدة جبع، الذي صادر الاحتلال 4 دونمات ونصف من أرضه الخاصة، الواقعة في الجهة الغربية لموقع "ترسلة"، على بعد نحو 300 متر فقط من مركز المستوطنة، مما يجعلها في دائرة الاستهداف المباشر للتوسعة الاستيطانية.
وقد دفعت هذه المصادرة علاونة لتقديم اعتراضات قانونية عبر هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ضد الأوامر العسكرية الأخيرة، ويؤكد علاونة في حديثه للجزيرة نت امتلاكه جميع أوراق الملكية الرسمية.
وأضاف "رغم وقوع الأرض ضمن تصنيف "C" (تخضع لسيطرة الاحتلال الكاملة أمنيا وإداريا) -حسب اتفاقية أوسلو- إلا أنها ملكية فلسطينية خاصة وموثقة بأوراق ملكية (كوشان) صادرة عن دائرة تسجيل الأراضي في محكمة سالم الإسرائيلية".
وأشار علاونة إلى أن محاولات السيطرة على المنطقة تعود إلى عام 1998 بذريعة شق شارع استيطاني، قبل أن يجمد المشروع لسنوات، حتى صدور أمر عسكري مفاجئ بمصادرتها قبل شهرين، لتبدأ بعدها أعمال التجريف وبناء الأسوار، وإدخال البيوت المتنقلة لتعزيز الوجود الاستيطاني.
وحذر علاونة من أن مخطط الشارع الجديد لا يهدد الأراضي الزراعية فقط، بل المنازل المأهولة أيضا، مشيرا إلى مخاوف من هدم ما بين 200 و300 منزل في منطقتي سيلة الظهر والفندقومية لوقوعها في مسار المخطط.
من جهته، يرى الباحث في شؤون الاستيطان محمود الصيفي أن ما يجري في "ترسلة" يأتي ضمن ما يسمى "خطة الحسم" التي وضعها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، والتي استندت إلى قرار الكنيست إلغاء "قانون فك الارتباط" لعام 2005، الذي كان يمنع الإسرائيليين من دخول شمال الضفة والمستوطنات الأربع التي أخليت آنذاك.
وأوضح الصيفي للجزيرة نت أن هذا التغيير القانوني فتح الباب أمام مخطط استيطاني شامل في المنطقة، مؤكدا أن الاستيطان في شمال الضفة أصبح "سياسة حكومية ثابتة" ومدعومة بميزانيات ضخمة تُقدر بنحو 2.7 مليار دولار.
وأشار إلى أن أخطر تطور في قضية "ترسلة" يتمثل في قرار نقل مقر "لواء منشيه" العسكري من داخل الخط الأخضر إلى قلب المستوطنة، ليشرف مباشرة على حماية المستوطنين وتحركاتهم، في خطوة تهدف إلى تحويل الموقع إلى قاعدة ارتكاز عسكرية وأمنية دائمة لدعم التوسع الاستيطاني في شمال الضفة.
وحذر الصيفي من أن عودة الاستيطان العسكري ستؤدي إلى منع المزارعين الفلسطينيين من فلاحة أراضيهم -كما يحدث في مناطق أخرى مثل نابلس والأغوار- مشيرا إلى أن الخطر قد يمتد إلى المناطق المصنفة "B" (تخضع لإدارة مدنية فلسطينية، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية عليها) عبر فرض سيطرة أمنية عليها بذريعة حماية المستوطنة واللواء العسكري.
واختتم الصيفي حديثه بالتأكيد على الأهمية الإستراتيجية لموقع "صانور/ترسلة"، بوصفه نقطة ارتكاز تربط بين شرق الضفة (الأغوار) وغربها (الخط الأخضر)، لافتا إلى أن من شأن هذا المخطط أن يحول شمال الضفة الغربية إلى ما يسميه قادة الاحتلال "منطقة تطوير إسرائيلية".
وأوضح أن منطقة "ترسلة" تقع في موقع محوري يربط ثلاث مدن فلسطينية رئيسية هي نابلس وجنين و طولكرم، مما يمنحها أهمية جغرافية وإستراتيجية خاصة.
ويهدف الاحتلال -من خلال اختيار هذا الموقع تحديدا وإعادة إحياء المستوطنة فيه، إلى جانب شق شارع استيطاني يربطها بمستوطنة "حومش"- إلى إيجاد تواصل جغرافي استيطاني بين المستوطنات القديمة والبؤر الجديدة.
واختتم علاونة قائلا "سيعمل هذا التوسع الاستيطاني بمثابة "جدار فاصل" يفصل بين القرى الفلسطينية، ويقطع التواصل الجغرافي بينها، ويعزل بلدة جبع إداريا وجغرافيا عن محافظة جنين، مما يؤدي إلى شلل الحركة الاقتصادية في المنطقة ويعمق عزلها عن محيطها الطبيعي".
وعلى الرغم من أن محافظة جنين ظلت لسنوات توصف بأنها المحافظة الوحيدة "الخالية من المستوطنات القائمة" بعد إخلاء أربع مستوطنات عام 2005، فإن هذا الواقع شهد تحولا جذريا عام 2023.
فوفقا لبيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، شهد عام 2023 "طوفانا استيطانيا" غير مسبوق، تمثل في إقرار الكنيست إلغاء "قانون فك الارتباط"، مما أتاح العودة الفعلية لـ4 مستوطنات مخلاة في شمال الضفة.
ومع مطلع عام 2026، كشف التقرير السنوي ل هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن عام 2025، عن تحول دراماتيكي في جغرافيا الضفة الغربية، حيث سجل رقما قياسيا هو الأعلى منذ عقود بمصادرة وإعلان أكثر من 27 ألف دونم بوصفها "أراضي دولة"، تركزت مساحات واسعة منها في شمال الضفة الغربية.
وتشير البيانات إلى أن الاحتلال أصدر خلال عام 2025 وحده ما يزيد على 1500 إخطار هدم لمنشآت فلسطينية، مع تصاعد حاد في وتيرة "وضع اليد" لأغراض عسكرية في محيط محافظة جنين، بواقع استهداف أكثر من 12 ألف دونم في المثلث الرابط بين جنين ونابلس وطوباس.
هذا التصاعد الإحصائي يؤكد أن الاحتلال قد انتقل فعليا من مرحلة "التخطيط" إلى "التنفيذ الشامل" لإنهاء كون جنين نموذجا للمحافظة الخالية من المستوطنين، وتحويلها إلى مركز ثقل جديد للمشروع الاستيطاني المكثف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة