في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ أن أصدرت وزارة الحرب الأمريكية ( البنتاغون) إستراتيجيتها الجديدة للدفاع في 23 يناير/كانون الثاني الجاري، سال الكثير من الحبر حولها لما تمثله -في كثير من نواحيها- من انقلاب على السياسات الأمريكية التقليدية طوال العقود الأخيرة، بما يشمل السياسات القريبة لسلف ترمب، الديمقراطي جو بايدن.
لكن ما الذي تُغيِّره حقًا تلك الإستراتيجية الجديدة؟ في السطور القادمة سنعقد مقارنة بين إستراتيجية الدفاع لعام 2022 التي صدرت عن وزارة الحرب في عهد بايدن، وبين الإستراتيجية الجديدة التي تجسد أفكار ترمب وإدارته المتمحورة حول مبدأ "أمريكا أولًا". وستتطرق المقارنة إلى بعض من أكثر الملفات حيوية في السياسة الأمريكية، لنتبين حجم التغير الكبير الذي سيلحق بالأولويات "العسكرية" الأمريكية في المرحلة المقبلة.
ويجدر التنويه أنه لا يمكن فصل إستراتيجية وزارة الحرب الأميركية للدفاع، عن إعلان إدارة ترامب في أواخر عام 2025 إستراتيجيتها (وثيقتها) الأحدث للأمن القومي، والتي مثلت بدورها انقلابا جذريا على عقود من التقاليد الأمريكية بشأن السياسة الخارجية وأعادت صياغة فهم الأمريكيين لدورهم في الشؤون العالمية.
يمكن أن نلمس الاختلاف الجذري بين إستراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة لترمب والإستراتيجية السابقة لها في ملف ما يُعرف بـ"نصف الكرة الغربي" (Western Hemisphere) -التي تشمل الولايات المتحدة وكندا وبقية دول القارة الأمريكية كاملة- تحديدًا من الاختلاف الشاسع في التركيز على تلك المنطقة في كلتا الإستراتيجيتين؛ فبينما ذكرت إستراتيجية بايدن "نصف الكرة الغربي" مرتين فقط، وخصصت لهذه المنطقة سبعة أسطر، نجد الكلمة نفسها في إستراتيجية إدارة ترمب قد ذُكرت إحدى عشرة مرة، وهو ما يدل على التباين في الاهتمام بهذه المنطقة من العالم.
يوجد تناقض كبير تجاه مفهوم الأمن القومي في تلك المنطقة من العالم في الاستراتيجيتين؛ ففي حين اعتقدت الإستراتيجية القديمة أن وجود نصف كرة غربي مستقر وسلمي وديمقراطي ويزخر بالتنمية سيحقق مكاسب كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنه سيخلق مناخًا مسالمًا في تلك المنطقة، ومن ثم سيقلل التهديدات الأمنية هناك، والتي يمكن لو استفحلت أن تتحول إلى تحدٍّ داخلي في الولايات المتحدة نظرًا لقرب المسافة وكثافة الروابط بين تلك المنطقة وبين الولايات المتحدة، نجد إستراتيجية إدارة ترمب تركز تقريبًا على العكس؛ إذ ورغم أنها تؤكد من الكلمات الأولى فيها أن الولايات المتحدة ستضمن حماية مصالحها في نصف الكرة الغربي، إلا أنها تؤكد صراحة أن أعداء الولايات المتحدة الأمريكية قد ازداد نفوذهم في نصف الكرة الغربي وينبغي مواجهتهم.
وفي حين كانت إستراتيجية إدارة بايدن تتحدث عن احترام الديمقراطية في نصف الكرة الغربي وتعزيز التحالف في مواجهة تغير المناخ مع دول تلك المنطقة، وأن الولايات المتحدة ستسعى لتعزيز شراكتها وفهم احتياجاتها لمساعدتها، تتحدث إستراتيجية إدارة ترمب بلغة المصالح والأمن المباشر، وتؤكد أنها ستضمن وصول القوات العسكرية والتجارية الأمريكية إلى المناطق الرئيسية، وتحديدًا قناة بنما وغرينلاند، وتؤكد أن الجيش الأمريكي جاهز لتزويد الرئيس ترمب بكافة الخيارات العسكرية لمواجهة تجار المخدرات في المنطقة و"الإرهابيين" بحسب تسميتها.
تؤكد إستراتيجية إدارة ترمب في النهاية على عودة " مبدأ مونرو" بملحق ترمب؛ ومبدأ مونرو، بالفهم السائد له، يعني أن تفرض الولايات المتحدة نفوذها على نصف الكرة الغربي، وألا تسمح لأي منافس أو خصم بأن يكون له نفوذ يتمدد في تلك المنطقة شديدة الأهمية للأمن القومي الأمريكي، سواء كان ذلك المنافس روسيا أو الصين أو حكومات يسارية معادية للولايات المتحدة الأمريكية.
وملحق ترمب على مبدأ مونرو -كما تُعرِّفه إستراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة- يتضمن أن الولايات المتحدة ستتعامل بـ"حسن نية" مع جيرانها في نصف الكرة الغربي، لكنها ستضمن احترام هؤلاء الجيران لما تسميه الولايات المتحدة "المصالح المشتركة بينها وبينهم"، بل وأن يقوموا بدورهم في الدفاع عن تلك المصالح، وأنه في حال أخلّوا بهذا الأمر ستكون الولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لاتخاذ إجراءات مركزة وحاسمة لتعزيز مصالحها.
وعلى الرغم من أن إستراتيجية الدفاع الجديدة تحاول استخدام كلمات إيجابية من نوعية "حسن النية مع الجيران" و"مصالحنا المشتركة"، فإن سياق الطرح يشير بوضوح إلى أن الأمر يتعلق بمصالح الولايات المتحدة أكثر مما يتعلق بمصالح مشتركة؛ إذ لم تذكر الإستراتيجية أي إشارة للاهتمام بتنمية دول نصف الكرة الغربي أو الحرص على الأنظمة الديمقراطية في بلدانهم، وإنما كانت هناك الكثير من إشارات التهديد في حال تم تخطي المصالح الأمريكية من جهة تلك الدول.
يمثّل ملحق ترمب على مبدأ مونرو تعبيرا شديد الوضوح في تقديم المصالح الأمريكية بمنظور مُغاير تمامًا عن المنظور الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة فيما يتعلق بنصف الكرة الغربي؛ فبحسب ملحق ترمب فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة كانت قد أهملت مصالح الولايات المتحدة في تلك المنطقة، ومن ثم ستعيد وزارة الحرب الأمريكية الهيمنة العسكرية على تلك المنطقة، وستمنع من تُسميهم واشنطن بالخصوم من نشر قواتهم أو امتلاك قدرات تهديدية أخرى في نصف الكرة الغربي؛ بمعنى أن ملحق ترمب يدور -بحسب الإستراتيجية الجديدة- حول استعادة القوة والنفوذ الأمريكي في تلك المنطقة من العالم بما يتواءم مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ومع ما تُقدّره إدارة ترمب بوصفه مصلحة أمريكية.
جدير بالذكر هنا أن إدارة بايدن كانت تسير على خُطى إدارة أوباما التي رأت في التجسد التاريخي لعقيدة مونرو إرثًا تاريخيًا مُحرِجًا للولايات المتحدة، إذ مثل تدخل واشنطن في شؤون أمريكا اللاتينية إرثا ثقيلا صاحبه دعم لأنظمة دكتاتورية قامت بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فضلًا عن إزاحة حكومات ديمقراطية، ومن ثم أرادت الإدارتان -إدارة بايدن وأوباما- إنشاء علاقات مع أمريكا اللاتينية قائمة على الاحترام المتبادل، وليس على فرض النفوذ الأمريكي باسم مبدأ مونرو.
ويمكن القول إن هذه الإستراتيجية الجديدة بما حملته من حديث عن نصف الكرة الغربي، لم تُكتب لتُعبّر عن توجه جديد سيتم الأخذ به عقب الإعلان عنها في تلك المنطقة، وإنما جاءت بوصفها توثيقا وتأصيلا نظريا للتحركات الأمريكية التي شهدها العالم هناك منذ بداية حقبة دونالد ترمب الثانية، إذ شهد العالم عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي من عقر داره واقتياده للمحاكمة في أمريكا، كما يتابع العالم تهديدات الرئيس الأمريكي المتعاقبة لكوبا وكولومبيا، وتصعيده المستمر تجاه رغبته المحمومة بالسيطرة على غرينلاند.
لا يوجد اختلاف جذري بين إستراتيجية الدفاع في عهد بايدن وإستراتيجية الدفاع في عهد ترمب حول الشرق الأوسط، إذ احتلت إيران، بوصفها خصمًا، مكانة بارزة في الورقتين حين يأتي الحديث عن المنطقة.
فبينما شددت إستراتيجية إدارة بايدن على منع إيران من امتلاك سلاح نووي ودعم العمل ضد التهديدات الإيرانية، وإعطاء الأولوية للتعاون مع الشركاء الإقليميين والعالميين لتعزيز قدرتهم على مواجهة أي عدوان إيراني محتمل، نجد إستراتيجية الدفاع في عهد ترمب تؤكد على أن الرئيس ترمب لن يسمح -كما أكد مرارًا وتكرارًا- لإيران بأن تمتلك سلاحًا نوويًا.
وتتفاخر إستراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة بعملية "مطرقة منتصف الليل"، وهي العملية التي ضربت فيها الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية في منتصف العام السابق؛ وبحسب ورقة إستراتيجية الدفاع فإن هذه العملية قد قضت تمامًا على البرنامج النووي الإيراني، وقد فاخرت الإستراتيجية أيضًا بأن تلك العملية لا يستطيع أي جيش آخر في العالم أن يقوم بها بتلك الدقة نظرًا لحجمها وتعقيدها.
المختلف بين إستراتيجية الدفاع في عهد بايدن وإستراتيجية عهد ترمب أن الأولى كانت تتعامل مع إيران بوصفها خطرًا كبيرًا ينبغي التصدي له، في حين ترى إستراتيجية الدفاع في عهد ترمب أن إيران -خصوصًا بعد حربها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي التي استمرت اثني عشر يومًا- قد أصبحت أضعف وأكثر عرضة للخطر مما كانت عليه منذ عقود، بحسب تعبير الإستراتيجية، لكنها مع ذلك لا تنكر أن إيران، ومن تُسميهم بأذرعها، يبدو أنهم عازمون على إعادة بناء قدراتهم العسكرية التي تضررت كثيرًا في العامين الماضيين.
أما فيما يتصل بإسرائيل، فلا يختلف الأمر كثيرًا بين الإستراتيجيتين؛ فقد أكدت إستراتيجية الدفاع في عهد بايدن أن الولايات المتحدة تتمتع بتاريخ طويل من التعاون مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأنها تربطها بها علاقة تعاون مديدة وراسخة، بالأخص في مجال الدفاع الصاروخي، بحسب تعبيرها.
كذلك ترى إستراتيجية الدفاع في عهد ترمب في إسرائيل "حليفًا مثاليًا" أثبتت قدرتها على الدفاع عن نفسها بدعم حاسم لكنه محدود من الولايات المتحدة الأمريكية، بمعنى أنها ليست "طفلًا" معتمدًا كليًا على الولايات المتحدة الأمريكية مثل حلفاء آخرين من وجهة النظر الأمريكية، ومن ثم تؤكد الإستراتيجية على نيتها تعزيز قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها.
وربما يكون الاختلاف الذي يهم المنطقة العربية فيما يتعلق بالشرق الأوسط هو تأكيد إستراتيجية الدفاع في عهد دونالد ترمب على سعي الولايات المتحدة لتحقيق التكامل بين إسرائيل وشركاء الولايات المتحدة من دول المنطقة، وذلك بالاعتماد على ما يُعرف بـ" اتفاقيات أبراهام". وبالنسبة لتلك النقطة في إستراتيجية الدفاع، فإنها قد تعني أن الولايات المتحدة ستبذل جهدًا أكبر مستقبلًا في محاولة إرساء اتفاقات تطبيع جديدة بين الدول العربية ودولة الاحتلال الإسرائيلي.
استعملت إستراتيجية الدفاع في عهد بايدن كلمات حادة فيما يتعلق بالصين؛ فقد اعتبرت أن التحدي الأشمل والأخطر الذي يهدد الأمن القومي الأمريكي هو محاولات الصين المتزايدة والعدوانية -بحسب ورقة الإستراتيجية- لإعادة تشكيل منطقة المحيطين الهندي والهادي، بل والنظام الدولي كله، لخدمة "مصالحها وتوجهاتها الاستبدادية" بحسب وصف الإستراتيجية. وقد أكدت الورقة آنذاك أن الصين تحاول تفتيت تحالفات الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادي، بل إنها تهدد جيرانها ومصالحهم مستغلة قوتها العسكرية ونفوذها الاقتصادي المتنامي.
باختصار، اعتبرت إستراتيجية الدفاع في عهد بايدن أن الصين تمثل تحديًا حاسمًا لواشنطن، خاصة لأنها حدَّثت جميع جوانب جيشها وارتقت به، وتسعى جاهدة للاقتراب من قدرات الجيش الأمريكي نفسه.
وقد اعتبرت الإستراتيجية حينها الصين تحديًا هائلًا يواجه الولايات المتحدة الأمريكية؛ فهي وسَّعت نطاق وجود جيشها على المستوى العالمي، وتعمل بجدية على إنشاء بنية تحتية عسكرية خارجية وقواعد متينة لتمكينها من نشر نفوذها العسكري على نطاق واسع للغاية، هذا بالإضافة إلى أن الصين لا تدخر جهدًا في تعزيز قدراتها النووية.
ما يمكن ملاحظته في المقاربة الإستراتيجية في عهد بايدن هو أنها مقاربة أمنية بامتياز، لا يتخللها أي تصور مُخفِّف؛ لدرجة أن الإستراتيجية قد نصت على حث وزارة الحرب على "التحرك على نحو عاجل للحفاظ على قوة الردع الأمريكية وتعزيزها مع الأخذ في الاعتبار أن الصين تمثل التحدي الرئيسي للوزارة".
على العكس تمامًا من هذا النهج الهجومي في إستراتيجية بايدن، نجد في إستراتيجية الدفاع لإدارة ترمب إقرارًا بأن منطقة المحيطين الهندي والهادي قريبًا ستمثل أكثر من نصف الاقتصاد العالمي، ومن ثم تحتاج الولايات المتحدة إلى القدرة على التجارة والتواجد في تلك المنطقة.
ونتيجة لهذه المقدمات، لو سيطرت الصين أو أي دولة أخرى -بحسب تعبير الإستراتيجية الجديدة- على تلك المنطقة الحيوية والمهمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، سيكون ذلك خطرًا على وصول الولايات المتحدة إلى تلك المنطقة، مما يعني خسائر اقتصادية كبيرة. ونتيجة لكل ذلك، حثت الإستراتيجية وزارة الحرب الأمريكية على أن تحافظ على توازن القوة العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادي.
لكن الأمر المهم في الإستراتيجية الجديدة هو أنها تتحدث بنبرة مختلفة وجديدة تمامًا؛ فهي تؤكد أن الهدف من تلك المساعي لموازنة القوى وحماية مناطق النفوذ، ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال "محاولة السيطرة على الصين أو خنقها أو إذلالها" وفق ما ورد في الإستراتيجية، فكل ما تريده الولايات المتحدة -بحسب الإستراتيجية- ألا تسيطر الصين عليها، لكنها لا ترى نفسها في صراع وجودي مع الصين أو أنها تريد تغيير النظام هناك، بل إنها تصبو حتى إلى تحقيق السلام "اللائق" معها.
على جانب آخر شديد الصّلة بالصين، وفي حين ذكرت إستراتيجية الدفاع لإدارة بايدن تايوان 4 مرات، وهي حليفة الولايات المتحدة التي تعتبرها الصين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، فإن إستراتيجية الدفاع الجديدة لم تذكرها ولا مرة واحدة.
ونجد في إستراتيجية الدفاع القديمة لهجة حادة تجاه الصين بهذا الشأن؛ إذ نصّت صراحة على أن خطاب الصين بات استفزازيًا للغاية تجاه تايوان، وأن هذا سيزعزع الاستقرار ويهدد السلام والاستقرار في تايوان، كما نصت الإستراتيجية القديمة على أن وزارة الحرب ستدعم دفاع تايوان عن النفس بما يتناسب مع التهديد المتطور من جمهورية الصين.
في الواقع، سينشغل المحللون كثيرًا في محاولة تحليل النبرة الجديدة التي تحدثت بها إستراتيجية الدفاع الخاصة بإدارة ترمب تجاه الصين، لكن يمكن القول مبدئيًا إن الإستراتيجية تحاول أن ترسم ملامح عالم جديد يتقاسم فيه الكبار مناطق النفوذ، ومن ثم لا تهدد الولايات المتحدة الصين فيما يخص تايوان -أو على الأقل لا تذكرها في إستراتيجيتها الدفاعية-، وفي المقابل تتوقع واشنطن ألا تحاول الصين -على سبيل المثال- أن تقحم نفوذها في نصف الكرة الغربي.
لقد نصت إستراتيجية الدفاع في عهد بايدن على أن وزارة الحرب ستواصل التزامها الراسخ بالأمن الجماعي لحلف الناتو، وأنها ستعمل إلى جانب الحلفاء والشركاء لردع "العدوان العسكري الروسي"، وأن الوزارة ستستمر في المساهمة في قدرات الناتو وجاهزيته، ويشمل ذلك تحسين الوضع الأمريكي في أوروبا وتوسيع التزاماتها بالردع النووي.
وأكدت إستراتيجية عهد بايدن أيضًا أن وزارة الحرب الأمريكية ستعمل مع حلفائها في الناتو على الصعيد الثنائي وعبر آليات الحلف لتركيز جهود تطوير الناتو وتحسينه عسكريًا لمواجهة -قبل كل شيء- التهديد الروسي، وأكدت أيضًا أن الوزارة ستعمل مع الحلفاء والشركاء لبناء القدرات في الجناح الشرقي لأوروبا وتجهيز القدرات الدفاعية اللازمة هناك وأنظمة الإنذار المبكر.
كما نرى إذًا، فإن إستراتيجية الدفاع في عهد بايدن كانت مطمئنة للغاية بالنسبة لأوروبا، حيث تستمر الولايات المتحدة الأمريكية في التعهد بتوفير الغطاء الأمني الذي وفرته للقارة العجوز منذ الحرب العالمية الثانية. أما إستراتيجية الدفاع الخاصة بعهد ترمب فهي مختلفة كثيرًا وتخبر الأوروبيين صراحة بحقائق مغايرة.
ترى إستراتيجية الدفاع الجديدة أن تولّي أوروبا المسؤولية الرئيسية في الدفاع عن نفسها هو الحل الأمثل لمواجهة التهديدات التي تواجهها، ومن ثم ستكون مهمة الولايات المتحدة هي دفع حلفائها في الناتو لكي يتولوا مسؤوليتهم المنطقية في الدفاع عن أنفسهم، وأن الدعم الدفاعي الأمريكي لن يكون كما كان في السابق "مظلة أمنية كاملة"، وإنما سيكون محدودًا لكنه حاسم أيضًا.
كذلك تؤكد الإستراتيجية الجديدة على أن وزارة الحرب الأمريكية ستتأكد من أن حلفاءها سيوفون بعهودهم بشأن رفع مساهمتهم في الإنفاق الدفاعي، وهي التعهدات التي قطعوها من قبل -بحسب ورقة الإستراتيجية- في قمة لاهاي.
وتوضّح إستراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد شجعت الحلفاء في أوروبا والناتو على الاستفادة المجانية من الولايات المتحدة الأمريكية، وتؤكد أن هذا النهج الاعتمادي قد جعل حلف الناتو في النهاية غير قادر على الردع أو الرد على غزو روسيا لأوكرانيا حين حدث، ومن ثم ينبغي -بحسبها- تغيير هذا النهج الاعتمادي.
لا يعني كل ما سبق أن الإستراتيجية الجديدة تُهمِل الناتو تمامًا؛ فقد نصت على أن وزارة الحرب الأمريكية ستعمل على الاستفادة من آليات الناتو، وعلى توسيع التعاون الصناعي الدفاعي عبر الأطلسي، كما أنها ستعمل على خفض الحواجز التجارية في مجال الدفاع لتقوية القدرة الجماعية على تحقيق الأهداف الدفاعية الأمريكية والأهداف الدفاعية للحلفاء في الناتو.
وتختصر الإستراتيجية الجديدة موقفها بالقول إن نهج الولايات المتحدة الجديد لن يكون نهجًا انعزاليًا، ولكنه سيعتمد على "الانخراط المركز في الخارج" مع إعطاء الأولوية لتعزيز المصالح العملية الملموسة للأمريكيين.
ومن ثم ستكون علاقة واشنطن بشركائها قوية لكنها لن تسمح بأن تكون علاقة تبعية كما كانت في السابق؛ إذ إن حلفاء أمريكا -بحسب الورقة الإستراتيجية الجديدة- قد اكتفوا في السابق بالاعتماد على الولايات المتحدة لكي تدافع عنهم، ومن ثم دفع المواطنون الأمريكيون العاديون فاتورة ذلك من خلال ضرائبهم، وبحسب الإستراتيجية الجديدة فإن هذا الأمر لم يعد مقبولًا مع الرئيس دونالد ترمب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة