آخر الأخبار

هل أفشل “اتفاق ميركوسور” دور باريس القيادي في أوروبا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

باريس- منذ أكثر من عقدين، شكّلت اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل دول أميركا الجنوبية ميركوسور واحدة من أطول وأعقد المفاوضات التجارية في التاريخ الحديث.

ومع اقترابها المتكرر من حافة التوقيع ثم التراجع، تحوّلت الاتفاقية من مجرد ملف اقتصادي إلى مرآة تعكس اختلال موازين القوى داخل أوروبا. أما فرنسا، فقد وجدت نفسها تدريجيا خارج دائرة التأثير الحاسم، بعد أن كانت تاريخيا أحد أعمدة القرار الأوروبي.

وفي حين تمسّكت باريس بخطاب المعايير والقيم، مضى شركاؤها الأوروبيون في طريق الصفقة. وهكذا، لم تُهمش فرنسا على طاولة التفاوض فقط، بل وُضعت أمام سؤال محير: كيف يمكن لدبلوماسيتها أن تستعيد دورها القيادي في أوروبا، بشكل مخالف؟

اختبار للقيم والمصالح

تجمع اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور بين أكبر سوق موحدة في العالم و4 دول رئيسية في أميركا الجنوبية، وتغطي سوقا يضم 700 مليون نسمة. كما تهدف إلى خفض الرسوم الجمركية وفتح الأسواق أمام الاستثمارات الأوروبية وتسهيل وصول السلع والخدمات.

غير أن هذه المكاسب الاقتصادية اصطدمت منذ البداية بتحفّظات فرنسية، خاصة في ما يتعلق بالقطاع الزراعي وحماية المعايير البيئية والصحية الأوروبية. وكانت ترى في الاتفاقية تهديدا لفلسفة أوروبية تقوم على السيادة الغذائية والمعايير الصارمة للإنتاج.

ففرنسا، التي تعد أكبر دولة زراعية في أوروبا، اعتادت على قيادة القارة في هذا المجال. وتاريخيا، عندما أنشِئت السياسة الزراعية المشتركة عام 1962 في 6 دول أعضاء، كانت الزراعة الفرنسية هي من يتحمل المسؤولية والمخاطر في عهد الجنرال شارل ديغول.

وفي السياق، يرى الخبير في الاقتصاد الزراعي، جان ماري سيروني، أن الدبلوماسية الفرنسية تجد نفسها في موقف غير مفهوم لباقي السلك الدبلوماسي، ما يؤدي لإضعاف مصداقيتها بشكل كبير خاصة في ظل تعاقب الحكومات والأزمات الداخلية التي تمر بها البلاد.

إعلان

واعتبر سيروني في حديث للجزيرة نت أنه "عندما وضعت فرنسا شروطا لتوقيع الاتفاقية وتم استيفاؤها مثل بنود الحماية والمعاملة بالمثل وغيرها، لم تجد المفوضية الأوروبية أي داع للرفض الفرنسي أو منع لإحراز تقدم خلال التصويت".

ويبدو أن المفارقة تكمن في أن الاعتراض لم يُعزّز النفوذ الفرنسي، بل ساهم في عزله. فدول أوروبية أقل اعتمادا على الزراعة وأكثر ارتباطا بالصادرات الصناعية، رأت في الموقف الفرنسي عرقلة لمصالحها الاقتصادية. ومع مرور الوقت، تحوّلت باريس من "حارس للمعايير الأوروبية" إلى "عقبة سياسية يجب تهميشها".

مصدر الصورة مزارعون فرنسيون رفضوا بطريقتهم اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور (الفرنسية)

"السيادة الأوروبية"

تقليديا، لعبت باريس دورا محوريا في رسم السياسات الأوروبية، سواء عبر تحالفها التاريخي مع برلين أو عبر ثقلها الدبلوماسي داخل مؤسسات الاتحاد، لكن مسار اتفاقية ميركوسور كشف تحوّلا لافتا حيث باتت فرنسا أقل قدرة على فرض شروطها وخطوطها الحمراء.

وفي عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، رفعت فرنسا شعار "السيادة الأوروبية" عاليا، لكنها اصطدمت بواقع مغاير في ملف ميركوسور، لأن الاتفاق يُصاغ جماعيا، ويكون التهميش مصير من لا يملك تحالفا واسعا.

لذا، يعتبر الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية في مدرسة "سنترال سوبيليك"، توماس غينولي، أنه كان من الواضح أن إتمام هذه الاتفاقية، وخاصة تجاهل رغبات فرنسا في هذه العملية، يشير إلى أن الدبلوماسية الفرنسية سمحت لنفسها بالعزلة في هذا الملف.

وأكد غينولي للجزيرة نت أن عدم الاستقرار الحكومي الذي تشهده البلاد في السنوات الأخيرة وتعاقب وزراء الاقتصاد ساهم في إنشاء عدم استقرار اقتصادي أثّر بطريقة أو بأخرى على صورة فرنسا أمام حلفائها الأوروبيين و الولايات المتحدة.

من جهة أخرى، يرى المحلل ذاته، أن وضوح ماكرون الشديد في قضية ميركوسور يُحسب له "فهو يُدافع منذ سنوات عمّا يُسمّيه أوروبا قوية أو دفاعا أوروبيا لكننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن الطموح المطلوب".

وعند سؤال الخبير الزراعي سيروني عن تأثير فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعريفات جمركية على البضائع الأوروبية، أجاب بأنه في ظل التغيير المستمر لرأي ترامب الذي قد يحاول استخدام ورقة غرينلاند للضغط، تأتي ميركوسور في صالح أوروبا لتجنّب ترك أميركا الجنوبية في منافسة تجارية حصرية مع الصين والولايات المتحدة.

وأضاف "نحن في الصدارة ومنطقتنا مصدرة للمنتجات الزراعية، كما تعد أوروبا المصدر الرئيسي للمنتجات الحيوانية في العالم. لذا، من واجبنا استغلال كل الفرص المتاحة لتطوير أسواقنا مستقبلا".

تباين التأثير

وفي مقابل التحفّظ الفرنسي، دفعت دول أوروبية مثل ألمانيا وهولندا وإسبانيا بقوة إلى إتمام الاتفاق، معتبرة أن أوروبا لا تستطيع التفريط في شراكة إستراتيجية مع أميركا الجنوبية في ظل تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة و الصين.

ويعد الملف الزراعي جوهر الاعتراض الفرنسي، فالاتفاقية تسمح بدخول منتجات بكميات كبيرة من دول ميركوسور بأسعار أقل ومعايير إنتاج مختلفة. وبالنسبة لفرنسا، التي تمتلك واحدا من أقوى اللوبيات الزراعية في أوروبا، ترى في ذلك تهديدا مباشرا للنموذج الزراعي الوطني.

إعلان

وفي هذا الإطار، يرى الخبير سيروني أن تأثير الاتفاقية على المستوى الأوروبي أوضح من تأثيرها على فرنسا، معتبرا أنها مفيدة في عدة قطاعات، مثل توفير حصص تصدير إلى أميركا الجنوبية برسوم جمركية أقل، ويشمل ذلك منتجات الألبان والنبيذ والبطاطس.

وأضاف "هناك قطاعات أخرى أكثر تعقيدا، أحدها لحوم الأبقار إذ ستُمنح حصة الاستيراد برسوم جمركية منخفضة لدول ميركوسور، ما يعني منافسة مباشرة لمربّي الأبقار"، مؤكدا على ضرورة التوقف عن التذمر والشكوى بعد توقيع الاتفاقية، خاصة وأن الفرنسيين لا يشترون لحوم الأبقار المستوردة.

إنهاء دور الناتو

وتُظهر تجربة اتفاقية الاتحاد الأوروبي – ميركوسور أن وجود اتحاد أوروبي حقيقي، يمنع تهميش دول بعينها ويحوّل الخلافات الداخلية إلى أوراق قوة جماعية، ويمنح أوروبا قدرة تفاوضية أعلى في مواجهة التكتلات الكبرى.

وفي رأيه، يعتقد المحلل السياسي توماس غينولي أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) انتهى فعليا لأنه يعتمد أساسا على جودة العلاقات عبر الأطلسي والثقة.

وفسّر ذلك بالقول "بمجرد أن تُقدِم أميركا على محاولة قمع الدانمارك -ولا يوجد وصف آخر- والاستيلاء على غرينلاند، ستنعدم حينها الثقة، وبالتالي ستنهار العلاقات الأطلسية المستقرة وينتهي الناتو".

هذه التحولات الجيوسياسية تجبر أوروبا على الاختيار: هل تخضع للقوة الأميركية الغاشمة؟ أم تسرع في بناء أوروبا قوية أو امبراطورية أوروبية تواجه شبيهاتها الأميركية والصينية؟

لذا، يعتقد غينولي أن أهمية وجود كيان أوروبي ذي سيادة ودبلوماسية أوروبية اتحادية، تكمن في حماية دول الاتحاد من الوقوع في قبضة "الحامي الأميركي الكريم"، في حال افتقارها إلى الوسائل اللازمة لاستقلالها الإستراتيجي.

وتابع "ليس من الضروري أن تضم أوروبا القوية جميع أعضاء الاتحاد، بل تكفي فرنسا و ألمانيا، ثم يمكن للآخرين أن يحذوا حذوهما، لكن يجب إنجاز هذا الآن والعودة بجدية إلى ما كنا نسميه سابقا بمعاهدة إنشاء الاتحاد الدفاعي الأوروبي".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا