مرّ عام كامل منذ استعادة دونالد ترامب مقاليد الحكم في البيت الأبيض ، ليعيد العمل باستراتيجية "الضغط الأقصى" التي وضعت الملفّ النووي الإيراني في فوهة المدفع. ولم يكن عام 2024 رحيماً بطهران، حيث تآكل نفوذها الإقليمي، واهتزت قدراتها الردعية، بينما واصل الاقتصاد نزيفه الحاد تحت وطأة العقوبات وانهيار قيمة العملة.
ورغم هذا المشهد القاتم، بقي المرشد الأعلى علي خامنئي عل موقفه واختار لغة الوعيد واستعراض القوة، واصفاً الحديث عن ضعف إيران بـ "الوهم"، فيما سخر الرئيس مسعود بزشكيان من أحلام الغرب بتراجع نفوذ الجمهورية الإسلامية. فما هي أبرز محطات التصعيد بين طهران وواشنطن خلال عام من حكم ترامب في ولايته الثانية؟
مع مطلع عام 2025، خيّم التوتر على العلاقات الإيرانية الأمريكية. إذ جدّد ترامب، بلغته المجافية للدبلوماسية، رفضه القاطع لتحول إيران إلى قوة نووية، مهدداً باستخدام كافة الوسائل لمنع تجاوز "الخط الأحمر".في المقابل، بدت مواقف طهران متباينة بين أصوات معتدلة أبدت استعدادها للحوار غير المباشر مع واشنطن، وأخرى متشددة رفضت أي مفاوضات، مؤكدة أن تخصيب اليورانيوم جزء لا يتجزأ من سيادة البلاد.
واقتصرت التحركات في يناير 2025 على مواقف واستعدادات، مع التخطيط لجولات مباحثات غير مباشرة انطلقت لاحقًا في ربيع العام نفسه في سلطنة عمان وروما، وسط أجواء من عدم الثقة المتبادلة والضغط الاقتصادي والسياسي.
وفي أبريل 2025، انطلقت المفاوضات بوساطة سلطنة عمان، في محاولة لتهدئة التوترات المتصاعدة منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018 حين كان ترامب في السلطة. وبدأت أول جولة من المباحثات في العاصمة العمانية مسقط، وركزت على تخصيب اليورانيوم وبرامج الصواريخ الإيرانية، حيث شددت واشنطن على ضرورة عدم تجاوز طهران للخطوط الحمراء، في حين أكدت إيران على حقها السيادي في التخصيب وأصرّت على أن أي قيود يجب أن تكون مشروطة بضمانات دولية.
وكرّست الجولة الثانية من المفاوضات استمرار الخلافات بين العدوّين اللدوديْن لكن المسؤولين الإيرانيين أبدوا استعدادهم للحوار غير المباشر، مؤكدين على التفاوض من "موقف قوة"، في إشارة واضحة إلى امتلاك إيران أدوات الردع. وانعقدت الجولة الثالثة والرابعة في مسقط وروما، وتبادل الطرفان الرسائل السياسية والدبلوماسية، وسط محاولات الوساطة العُمانية لتقريب وجهات النظر، لكن تحفظات طهران على مقترحات واشنطن، خاصة تلك المتعلقة بتجميد أو الحدّ من تخصيب اليورانيوم، حالت دون إحراز تقدم ملموس.
وخلال هذه الجولات، أبدت الإدارة الأمريكية صرامة واضحة، مؤكدة أن أي اتفاق مشروط بامتثال الجمهورية الإسلامية لمطالب التقييد النووي، فيما شددت طهران على ضرورة احترام سيادتها الوطنية ومصالحها العليا. وأشار مراقبون إلى أن استعداد إيران للحوار لا يعني بالضرورة إمكانية التوصل إلى اتفاق سريع، إذ يظل الطريق محفوفًا بالعقبات، من انعدام الثقة التاريخية، إلى العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية، واختلاف الرؤى داخل إيران نفسها.
واختُتمت الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بشأن البرنامج النووي الإيراني. وفي تصريح له حينها، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إن "الجولة الخامسة من المحادثات الإيرانية–الأمريكية اختُتمت في روما، مع إحراز بعض التقدم، وإن لم يكن حاسمًا"، معربًا عن أمله في "توضيح القضايا العالقة خلال الأيام المقبلة بما يتيح المضي قدمًا نحو التوصل إلى اتفاق مستدام".
في يونيو 2025، نفذت واشنطن ضربات جوية دقيقة استهدفت ثلاث منشآت نووية إيرانية رئيسية، شملت مواقع نطنز وفوردو وأصفهان، وذلك في سياق حرب الـ12 يوما بين تل أبيب وطهران.
ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العملية بأنها ناجحة وضرورية لحماية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، مؤكداً أن هدفها كان تعطيل القدرات النووية العسكرية لطهران، ضمن استراتيجية الضغط القصوى التي اعتمدتها إدارته. وركزت الضربات على تعطيل قدرات تخصيب اليورانيوم والبنية التحتية النووية الحيوية عبر استخدام قاذفات استراتيجية من طراز B‑2 الشبحية وصواريخ دقيقة التوجيه.
من جانبه، رحّب رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بهذه الخطوة، واعتبرها حاسمة للحفاظ على أمن إسرائيل واستقرار المنطقة، معتبراً أن العملية تؤكد التعاون الوثيق بين واشنطن وتل أبيب في مواجهة "التهديد النووي الإيراني".
أما في طهران، فقد جاءت الردود شديدة اللهجة، حيث أدانت الحكومة الإيرانية الهجوم، مؤكدة أنها تحتفظ بحقها في الرد على أي اعتداء على سيادتها. وحذرت من أن أي تصعيد إضافي سيؤدي إلى تبعات وخيمة على الاستقرار الإقليمي والدولي. واعتبر المرشد الأعلى علي خامنئي أن العملية تمثل محاولة أمريكية وإسرائيلية لإضعاف إيران وزعزعة استقرارها الداخلي، في حين حذّر كبار المسؤولين الإيرانيين من أن الرد سيكون محسوباً لكنه حازم، مشيرين إلى قدرات إيران العسكرية والدفاعية التي تمكنها من حماية منشآتها الحيوية.
وفي ردها على الضربات التي استهدفت منشآتها النووية، قصفت إيران في نهاية جوان 2025 قاعدة العديد الأمريكية في قطر في عملية أطلقت عليها اسم "بشائر الفتح" ، فيما أعلنت قطر أن الدفاعات الجوية اعترضت الصواريخ بنجاح، دون تسجيل أضرار كبيرة.
وظلّ الرئيس دونالد ترامب يكرر تهديداته بشن ضربات جديدة في حال عادت إيران إلى استئناف عمليات تخصيب اليورانيوم.
لم تكن الضغوط الخارجية هي التحدّي الوحيد لطهران في علاقتها مع واشنطن، ففي 28 ديسمبر 2025، انطلقت شرارة الاحتجاجات من "البازار الكبير" احتجاجاً على انهيار الريال. وسرعان ما امتدت المظاهرات إلى المدن الكبرى، لتتحول من مطالب معيشية إلى شعارات سياسية تشكك في شرعية النظام الحاكم، ما يجعلها أكبر تحد داخلي تواجهه إيران منذ تأسيسها قبل أكثر من أربعة عقود، والأوسع منذ تظاهرات 2022–2023 إثر وفاة الشابة مهسا أميني.
ودخل ترامب على خط الأزمة الداخلية الإيرانية معلنا دعمه للمتظاهرين. وطالب الإيرانيين بمواصلة الاحتجاج والسيطرة على مؤسسات الدولة، مشيراً عبر منصة "تروث سوشال" إلى أن "المساعدة في طريقها" إليهم دون توضيح طبيعتها أو توقيتها. وحذر ترامب من أن الحكومة الإيرانية ستواجه "إجراءات قوية جداً" في حال بدأت بإعدام المحتجين، مؤكداً أن قادة طهران يعتمدون على القمع والعنف للحكم، وأن البلاد تعاني نتيجة سوء القيادة. وأضاف في تصريح لاحق: "الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران".
ورغم حشد الولايات المتحدة وسائلها العسكرية في المنطقة، شملت حاملات طائرات ومقاتلات وأنظمة دفاع صاروخية، قرر ترامب عدم إصدار أوامر بضرب إيران، مؤكداً أنه اتخذ القرار بعد دراسة شاملة قائلا: "لم يقنعني أحد، لقد أقنعت نفسي"، فيما أكد البيت الأبيض أن الرئيس يبقي خياراته مفتوحة، مع التركيز على الحل الدبلوماسي كخيار أول.
من جانبه، حمّل المرشد الأعلى علي خامنئي ترامب المسؤولية عن سقوط ضحايا وأضرار مادية خلال الاحتجاجات، واصفاً إياه بـ"المجرم" ومتهمًا الولايات المتحدة بـ"التحريض الشخصي" على الشعب الإيراني.
وأكد خامنئي أن الجمهورية الإسلامية "لن تتراجع" في مواجهة ما وصفهم بـ"المخرّبين"، مشيراً إلى أن ترامب "يداه ملطختان بدماء أكثر من ألف إيراني" في إشارة إلى الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في يونيو الماضي، وهدد بأن الرئيس الأمريكي "سيواجه مصيراً مماثلاً لسلالات الحكم الملكية السابقة التي انتهت مع الثورة الإسلامية عام 1979".
وفي يناير 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران، في خطوة تأتي بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات التي تُعد الأكبر في البلاد منذ سنوات.
وقال ترامب في منشور على منصته "تروث سوشال" إن القرار "نهائي وملزم ويُطبق اعتباراً من الآن"، موضحًا أن الرسوم ستشمل جميع المعاملات التجارية مع الولايات المتحدة لأي دولة ترتبط بتجارة مع إيران.
ويشير البنك الدولي إلى أن إيران صدّرت منتجاتها في عام 2022 إلى 147 شريكًا تجاريًا، ما يجعل القرار الأمريكي واسع التأثير على العلاقات الاقتصادية الدولية.
ولم يوضح البيت الأبيض الأساس القانوني لهذه الخطوة، كما لم تُنشر وثائق رسمية توضح تفاصيل السياسة الجديدة.
وفي ردود الفعل الدولية، انتقدت الصين القرار وهددت باتخاذ "جميع التدابير اللازمة" لحماية مصالحها، مؤكدة أن "الحروب التجارية والرسوم الجمركية لا رابح فيها، وأن الإكراه والضغط لا يحلان المشاكل".
كما أعلنت اليابان وكوريا الجنوبية أنها تراقب التطورات عن كثب وستتخذ إجراءات مناسبة عند اتضاح تفاصيل السياسة الأميركية الجديدة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة