آخر الأخبار

إيران تعود إلى بيع نفطها بالدولار.. تهدئة مؤقتة أم تفكيك فعلي للعقوبات؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لا تبدو عودة إيران إلى بيع النفط بالدولار إعفاء مؤقتا ضمن المفاوضات مع أمريكا، إنما إعلان من واشنطن أنها مستعدة لتفكيك جزء من بنية العقوبات حتى قبل حصولها على تنازل نووي واضح، وبذلك صار لطهران قدرة فورية على تحصيل عائدات نفطية عبر القنوات المصرفية الرسمية، في وقت لا تزال فيه عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع الحساسة مرهونة بشروط لم تُحسم بعد.

ويرى الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي، في تعليق خاص للجزيرة نت، أن الخطوة الأمريكية تحمل بعدين متوازيين، فهي من جهة تمنح واشنطن أداة لاحتواء إيران داخل مسار تفاوضي مضبوط، ومن جهة أخرى تتيح لها إعادة ترتيب المنافسة على النفط الإيراني، خصوصا أن معظم صادراته كانت تتجه إلى الصين عبر مسارات غير مباشرة، كما تساعد في تهدئة أسعار النفط والبنزين قبل أن تتحول الطاقة إلى عبء سياسي داخلي على الإدارة الأمريكية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بلومبرغ: إيران تواجه مهمة صعبة في البحث عن مشترين جدد لنفطها
* list 2 of 2 70 سفينة عبرت هرمز بعد إعلان إغلاقه.. ماذا تكشف بيانات الملاحة؟ end of list

وأصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصا عاما جديدا لإيران يجيز حتى 21 أغسطس/آب 2026:


* إنتاج وتسليم وبيع وتفريغ النفط الخام والبتروكيماويات والمنتجات النفطية ذات المنشأ الإيراني، بما في ذلك معاملات تشمل سفنا محظورة بموجب السلطات العقابية الأمريكية.
* السماح بدفع الأموال المستحقة لإيران أو لحكومة إيران أو لأي شخص محظور مقابل شراء النفط والمنتجات الإيرانية بالدولار الأمريكي.

ويشمل تعريف "حكومة إيران" في اللوائح الأمريكية صراحة البنك المركزي الإيراني، بما يعني أن نافذة الدفع بالدولار، في نطاق العمليات النفطية المرخّصة، تصل إلى الجهاز المالي الرسمي الإيراني بصورة مباشرة.

1- ماذا تغيّر؟

يقول الشوبكي إن عودة إيران إلى بيع نفطها بالدولار، ولو مؤقتا، تعني عمليا أن واشنطن فتحت لطهران "نافذة عبور إلى النظام المالي العالمي"، لأن الترخيص لا يخص النفط وحده، بل يشمل أيضا البتروكيماويات والمنتجات النفطية وخدمات النقل والتأمين والبنوك، وهي العناصر التي كانت تجعل بيع الخام الإيراني مكلفا ومعقدا خلال سنوات العقوبات.

إعلان

يشير الإعفاء إلى عدد من المتغيرات على النحو التالي:


* حسب وول ستريت جورنال أظهر الترخيص أن واشنطن لم تكتف بالسماح بتصريف شحنات موجودة في البحر، كما فعلت في ترخيص سابق صدر في مارس/آذار الماضي وركّز على النفط الإيراني المحمّل على السفن حتى تاريخ محدد، بل انتقلت إلى ترخيص أوسع يغطي الإنتاج والبيع والتسليم والتفريغ خلال نافذة زمنية تمتد إلى شهرين تقريبا.
* حسب الوثيقة الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، يشمل الترخيص البنية الخدمية المحيطة بالنفط من إدارة السفن، والطواقم، والتزويد بالوقود، والإرشاد الملاحي، والتسجيل، والعلم، والتأمين، والتصنيف، والإنقاذ، الأمر الذي ينقل النفط الإيراني من النقل عبر شبكات الظل إلى تجارة قابلة للتسعير والتمويل والتأمين.
مصدر الصورة ناقلة نفط عبرت مضيق هرمز تصل إلى المياه الإقليمية العراقية قبالة البصرة (رويترز)
* يمثل خروجا أساسيا عن بنية العقوبات التي بناها الكونغرس ضد إيران خلال العقدين الماضيين، لأنه لا يعلّق فقط قيودا مرتبطة بالملف النووي، بل يشمل أيضا كيانات إيرانية، بينها البنك المركزي الإيراني، خاضعة لعقوبات تتصل بملفات أخرى، حسبما نقلت وول ستريت جورنال عن مياد مالكي، وهو مسؤول سابق كبير في وزارة الخزانة الأمريكية يعمل حاليا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
* يتعامل الترخيص مع منتجات إيرانية قد تكون صادرة عن كيانات خاضعة للوائح العقوبات المالية الإيرانية ولوائح العقوبات العالمية المتعلقة بالإرهاب، وهذا لا يعني رفع هذه التصنيفات أو إنهاء العقوبات، لكنه يعني أن واشنطن فتحت ممرا مرخّصا داخل شبكة سلطات عقابية كانت صممت أصلا لتجعل التعامل مع النفط الإيراني عالي المخاطر.

2- هل حدث تنازل نووي من جانب إيران؟

ويظهر من خلال التصريحات والمواقف الرسمية أن إيران لم تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة للتفتيش في المواقع الإيرانية، لكنها حصلت على مسار قانوني لتحصيل المال عبر الترخيص الأمريكي الصادر أمس، وذلك قبل أن تتضح صورة التنازل النووي العملي.

وتقول واشنطن إن المفاوضات حققت تقدما، وإن إيران وافقت على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في حين لم تؤكد طهران ذلك بصورة حاسمة، ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن الخارجية الإيرانية قولها إنه لا توجد زيارة مقررة للمفتشين إلى المواقع النووية التي تعرضت للقصف الأمريكي.

كما نقلت وكالة تسنيم الإيرانية عن المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي رفضه تقارير تحدثت عن دعوة إيران الوكالة للتفتيش، مشيرا إلى أن التفتيش في منشآت مثل بوشهر سيستمر، لكن الوصول إلى منشآت عُلّق دخول الوكالة إليها بعد الهجمات العسكرية سيظل مشروطا بمسار التفاوض ونتائجه.

وتقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن إيران لم توفر تقارير أو وصولا إلى المنشآت النووية المتضررة من هجمات يونيو/حزيران 2025، وإنها لا تستطيع التحقق من وضع تلك المنشآت أو المواد النووية المرتبطة بها، كما أشارت إلى أن إيران راكمت 440.9 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب حتى 60% قبل تلك الهجمات، وأن فقدان القدرة على التحقق من المواد المعلنة يثير قلقا انتشاريا ملحا.

4- النفط الإيراني قبل الترخيص وبعده

ويضيف الشوبكي أن أهمية القرار لا تكمن في البرميل وحده، بل في طريقة بيعه وتحصيل ثمنه، فإيران كانت تبيع نفطها سابقا بخصومات وعبر مسارات ملتوية و"أسطول ظل" ومدفوعات معقدة خارج الدولار، أما الآن فتستطيع، ضمن نافذة الترخيص، أن تبيع بسعر أقرب إلى السوق وبسيولة أوضح، وهو ما يوفر مكسبا ماليا لطهران ويجذب مشترين يبحثون عن شحنات أقل تكلفة ومخاطر قانونية أقل.

مصدر الصورة ورقة نقدية إيرانية وأخرى أمريكية (غيتي)

وحين تدخل خدمات التأمين والتصنيف وإدارة السفن في نطاق الترخيص، تصبح الشحنة أقل كلفة وأكثر قابلية للبيع في السوق المفتوحة، وتصف صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية الخطوة بأنها سماح لإيران ببيع النفط بالدولار لأول مرة منذ عقود، وهو توصيف ينسجم مع أثر الترخيص لا مع كونه رفعا دائما للعقوبات.

إعلان

ويعني كل مليون برميل يوميا يباع بسعر قريب من 78 دولارا للبرميل نحو 4.7 مليارات دولار من الإيرادات الإجمالية خلال 60 يوما، قبل الخصومات وتكاليف الشحن والتأمين، وقد هبط خام برنت إلى 78.29 دولارا بعد أن هدأت الأسواق جزئيا عقب محادثات واشنطن وطهران.

5- أوروبا والنفط الإيراني

يفتح الترخيص بابا قانونيا أمام المشترين، لكن أوروبا على الأرجح، ستكون حذرة، فنافذة شهرين لا تكفي لبناء عقود طويلة، تحسبا لعدم تجديد الرخصة.

وفي مؤشر مبكر على أثر الإعفاء في السوق، نقلت، وول ستريت جورنال، عن المتحدث باسم اتحاد مصدري النفط في طهران حميد حسيني قوله إن تجارا أوروبيين تواصلوا لشراء الخام الإيراني بعد صدور الإعفاء، لكنه أضاف أن أيّاً من الشركات الأمريكية لم تتواصل معهم حتى الآن، مما يعكس أن فتح الباب قانونيا لا يعني بالضرورة عودة فورية واسعة للمشترين الغربيين.

وبحسب الشوبكي، لا تقتصر استفادة الإعفاء على إيران وحدها، إذ قد تستفيد منه أيضا أطراف آسيوية تنافس على الشحنات الإيرانية مثل الهند وكوريا الجنوبية واليابان، بينما تستفيد واشنطن من تهدئة أسعار النفط والبنزين للناخب الأمريكي، لا سيما أن المستهلك في الولايات المتحدة يتأثر بسعر الوقود النهائي أكثر من تأثره المباشر بسعر خام برنت.

وكان تدفق النفط عبر هرمز في عام 2025 موجها أساسا إلى آسيا، وتقول الوكالة الدولية للطاقة إن نحو 80% من النفط العابر للمضيق يتجه إلى آسيا، وإن أوروبا لا تستقبل سوى نحو 600 ألف برميل يوميا، أي 4% تقريبا من تدفقات خام المنطقة، لذلك فإن الصين والهند ومشترين آسيويين آخرين سيظلون المرجّحين أكثر لاستيراد البراميل الإيرانية السريعة، بينما قد تدخل أوروبا عبر شحنات انتقائية إذا اطمأنت إلى الغطاء المصرفي والتأميني، وفق مراقبين.

6- التأثير على نفط المنطقة

من غير المرجح أن تؤدي البراميل الإيرانية من النفط إلى إزاحة حصة السعودية أو العراق خلال شهرين، لكنها تضيف براميل مرنة إلى سوق حساسة، فالنفط الإيراني ينافس في آسيا، وهي السوق نفسها التي تستقبل القسم الأكبر من خام الخليج والعراق.

ويرى الشوبكي أن عودة النفط الإيراني تحمل أثرا مزدوجا على المنتجين الخليجيين، فهي من جهة تضغط على الأسعار والإيرادات وتزاحم نفوط المنطقة في بعض الأسواق، خصوصا إذا عادت البراميل الإيرانية بسرعة، لكنها من جهة أخرى قد تخدم الخليج أمنيا ولوجستيا إذا ارتبطت بتهدئة مستدامة تضمن بقاء مضيق هرمز مفتوحا وآمنا أمام حركة الطاقة.

وتظهر أرقام وكالة الطاقة الدولية أن مضيق هرمز حمل في عام 2025 نحو 19.87 مليون برميل يوميا من الخام والمنتجات النفطية، بينها 6.23 ملايين برميل يوميا من السعودية، و3.63 ملايين من العراق، و2.41 مليون من إيران.

وتملك السعودية هامشا أكبر للمناورة لأنها صاحبة النصيب الأكبر من الطاقة الفائضة عالميا ولديها مسارات تصدير بديلة جزئية عبر البحر الأحمر.

أما العراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على موانئ الخليج ومسارات قريبة من هرمز، فقد يكون أكثر حساسية لأي منافسة إيرانية في آسيا، خصوصا إذا عرضت طهران خامها بسعر أقل لجذب مشترين بسرعة.

وأظهرت بيانات أوبك لشهر مايو/أيار هبوط إنتاج إيران إلى 2.33 مليون برميل يوميا، مما يعني أن جزءا من "العودة" سيكون استعادة تدفقات تعطلت أو خُنقت، لا إضافة فورية ضخمة فوق طاقة قائمة مستقرة.

7- ورقة تهديد وتفاوض

يأتي الترخيص الأمريكي في سياق مفاوضات أوسع لخفض التصعيد وإبقاء مضيق هرمز مفتوحا، وقال جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إن المحادثات حققت تقدما في 4 نقاط كالتالي:


* آلية لإبقاء هرمز مفتوحا.
* تنسيق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.
* اتفاق بشأن تفتيش الوكالة الدولية.
* مسار للمفاوضات الفنية المتبقية.
إعلان

ويعد المضيق شريانا حيويا لتدفق منتجات الطاقة من البلدان الواقعة في الخليج، وتقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن 20 مليون برميل يوميا عبرته في عام 2024، أي نحو 20% من استهلاك العالم من السوائل النفطية، وأنه حمل أيضا نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، خصوصا من قطر.

ويقول الشوبكي إن معادلة دول الخليج لا تقوم على البحث عن سعر نفط مرتفع بأي ثمن، بل على توازن يجمع بين سعر مقبول وممرات تصدير آمنة، معتبرا أن أسعارا أقل نسبيا مع مضيق هرمز مفتوح ومستقر أفضل لهذه الدول من أسعار مرتفعة في ظل مضيق معطل أو مهدد، خصوصا أن العراق والكويت أكثر حساسية لأي اضطراب في المضيق، بينما تملك السعودية والإمارات خطوط تصدير بديلة جزئيا.

ونقلت أسوشيتد برس عن بيانات كبلر أمس أن ثمة 71 عبورا مؤكدا فقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، مع ذروة بلغت 35 عبورا في يوم واحد، مقارنة بنحو 100 إلى 130 سفينة يوميا قبل الحرب، مما يعني أن الحركة في المضيق لم تعد إلى طبيعتها بالكامل.

ما بعد الرخصة

يطرح الشوبكي 3 سيناريوهات لما بعد انتهاء الترخيص الأمريكي المؤقت في 21 أغسطس/آب المقبل، على النحو التالي:


* تمديد الترخيص: إذا حدث تفاهم وتقدم في المفاوضات النووية وملف أمن مضيق هرمز، وهو ما يمنح إيران حافزا لتقديم تنازلات تدريجية، ويبقي أسعار النفط تحت ضغط مرحلي ضمن نطاق مريح نسبيا للأسواق.
* العودة إلى العقوبات: إذا تعثرت المحادثات، وعندها يعود النفط الإيراني إلى الخصومات والطرق غير المباشرة وشبكات الظل والمدفوعات المعقدة خارج الدولار، بينما ترتفع علاوة المخاطر في أسعار الطاقة فورا، خصوصا إذا عاد التوتر إلى مضيق هرمز أو ملف التفتيش النووي.
* صفقة جزئية: لا تعني رفعا كاملا للعقوبات ولا إغلاقا كاملا لنافذة التفاهم مع إيران، بل تمديدا قصيرا للرخصة مقابل تنازلات إيرانية تدريجية، وفي هذه الحالة تتحول المهلة الأمريكية إلى ورقة مزدوجة تستخدمها واشنطن لتهدئة النفط والبنزين من جهة، وللتأكيد من جهة أخرى أن دخول إيران إلى سوق الدولار لا يزال مشروطا بقرار أمريكي.

وحسب الشوبكي، فإن نهاية الترخيص لن تكون اختبارا اقتصاديا فقط، بل امتحانا لميزان القوى بين العقوبات الأمريكية وحاجة السوق العالمية إلى النفط، وبين واشنطن وطهران وبكين، لأن معظم النفط الإيراني كان يذهب إلى الصين، ولأن السماح بالدفع بالدولار يحدد فعليا من يملك مفاتيح الدخول إلى السوق المالية العالمية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار