عندما تندلع الحروب، فهي لا تغير ميزان السيطرة الميدانية فقط، بل تؤثر على البنية العميقة للاقتصادات الوطنية، إذ تعيد الحكومات ترتيب أولويات الإنفاق، وتتعرض العملات إلى ضغوط وجودية، وتتآكل القدرة الإنتاجية للاقتصاد، وتتغير خرائط التجارة وتتمدد الشبكات غير الرسمية في الفراغ الذي يخلّفه انحسار الدولة.
ولا تكتفي الحرب بإبطاء النمو، بل تعيد هندسة الاقتصاد من الداخل، وتخلق نظاما ماليا ونقديا وتجاريا مختلفا جذريا عمّا كان قائما قبل اندلاعها.
وتؤكد بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ مستوى قياسيا يقارب 2.7 تريليون دولار في 2024، وهو أعلى مستوى يُسجَّل على الإطلاق، مدفوعا بتصاعد النزاعات الإقليمية والتوترات الجيوسياسية.
ويعكس هذا الرقم حقيقة أن الحروب لا تُدار فقط بالأسلحة، بل بالموازنات أيضا، وبالقدرة على إعادة توجيه الموارد على نطاق واسع.
وتتشكل تحت ضغط الحرب منظومة اقتصادية جديدة، يمكن تفكيكها إلى حلقات مترابطة، تبدأ بعسكرة الموازنة ولا تنتهي إلا بإعادة تشكيل شبكة التجارة والسلطة الاقتصادية داخليا وخارجيا.
وتبدأ إعادة البرمجة الاقتصادية للحرب من الموازنة العامة، إذ ترفع الحكومات الإنفاق الدفاعي بوتيرة متسارعة، وتضغط في المقابل على بنود التنمية والاستثمار الاجتماعي.
وتظهر بيانات معهد ستوكهولم أن بعض الدول المنخرطة مباشرة في نزاعات عسكرية رفعت إنفاقها الدفاعي إلى ما يتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما قفزت هذه النسبة في دول أخرى إلى مستويات استثنائية قاربت أو تجاوزت 20% و30% من الناتج في ذروة العمليات العسكرية.
وأفادت تقديرات معهد ستوكهولم لعام 2024 أن الإنفاق العسكري الروسي بلغ نحو 149 مليار دولار، أي ما يعادل 7.1% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما أظهرت تحليلات بنك فنلندا ووكالة رويترز أن مخصصات الدفاع والأمن في موازنة روسيا عام 2024 تجاوزت 30% من إجمالي الإنفاق الفدرالي، مقارنة بنحو 21% قبل 2022، مما يعكس تحوّلا بنيويا نحو عسكرة المالية العامة.
وتوضح تقارير سابقة ل صندوق النقد الدولي حول "السياسة المالية في ظل الصراعات" أن النزاعات تؤدي في المتوسط إلى اتساع العجز المالي بما بين 1.5 و3 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأولى، نتيجة ارتفاع الإنفاق وتراجع الإيرادات الضريبية بسبب انكماش النشاط الاقتصادي.
وتؤدي "عسكرة المالية" إلى ثلاث نتائج رئيسية:
وتدفع الحروب العملة الوطنية إلى منطقة الخطر، إذ تنخفض الصادرات وتتراجع الثقة وترتفع فاتورة الواردات، ويتسارع خروج رؤوس الأموال.
وتشير تحليلات صندوق النقد الدولي في تقاريره حول "آفاق الاقتصاد العالمي في ظل النزاعات" إلى أن الحروب تؤدي إلى تسارع التضخم عبر قناتين رئيسيتين:
وقد تجاوزت معدلات التضخم في بعض الاقتصادات المتأثرة بالحرب مستويات مزدوجة الرقم خلال سنوات النزاع.
وتلجأ البنوك المركزية عادة إلى أدوات استثنائية:
لكن الدراسات الصادرة عن بنك التسويات الدولية (BIS) تشير إلى أن التمويل النقدي في بيئة صراع يرفع مخاطر فقدان السيطرة على توقعات التضخم، ويقود إلى تراجع الثقة في العملة المحلية.
وفي حالات العقوبات المتزامنة مع النزاع، كما في إيران، تؤكد تقارير البنك الدولي وصندوق النقد أن تعدد أسعار الصرف وظهور سوق موازية للعملة يضعف فعالية السياسة النقدية، ويؤدي إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وغير الرسمي.
وتدفع هذه البيئة الأسر والشركات إلى التحوط عبر اكتناز العملات الصعبة والذهب، مما يخلق حلقة تضخمية ذاتية التغذية.
قدّر البنك الدولي في أحدث تقييماته أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسوريا انكمش بنحو 53% بين 2010 و2022، مما يعني أن الاقتصاد فقد أكثر من نصف حجمه مقارنة بفترة ما قبل الحرب.
كما تراجع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبلاد من نحو 67.5 مليار دولار في 2011 إلى قرابة 21.4 مليار دولار في 2024، في انعكاس مباشر لانهيار القاعدة الإنتاجية.
وقدّر البنك تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة عشرة أضعاف الناتج المتوقع لعام 2024، مما يبرز عمق الدمار الاقتصادي الذي خلفه النزاع.
وفي العراق بعد 2003، أدى تدمير البنية التحتية للطاقة والمياه والنقل إلى سنوات من انقطاع الخدمات، مما أعاق تعافي القطاع الخاص رغم ارتفاع أسعار النفط آنذاك.
وعندما تمس الحرب دولة مصدرة للطاقة أو ممرا بحريا إستراتيجيا، تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية، إذ أظهر تحليل صادر عن البنك الدولي حول "انعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي" أن النزاعات التي تؤثر في أسواق النفط والغاز تدفع الأسعار إلى تقلبات حادة، وتضيف نقاطا مئوية إلى التضخم العالمي.
وتؤكد تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أونكتاد (UNCTAD) أن اضطرابات الشحن وارتفاع أقساط التأمين البحري في مناطق النزاع تؤدي إلى زيادة تكاليف النقل، مما ينعكس على الأسعار النهائية للسلع.
في بعض النزاعات الحديثة، أعادت الدول توجيه صادراتها نحو شركاء جدد، مما أدى إلى إعادة اصطفاف تجاري إقليمي وتغيير مسارات الطاقة والسلع، ويُرسّخ هذا التحول مسارات تجارية بديلة قد تتحول إلى ترتيبات دائمة، مما يعيد تشكيل موازين الاعتماد المتبادل ويقلّص قدرة الأسواق على العودة إلى نمطها السابق حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
تُحدث الحرب صدمة مزدوجة في العرض والطلب تتحول سريعا إلى اختلال هيكلي، ويرتفع الطلب على الغذاء والوقود والأدوية بفعل التخزين الوقائي وتصاعد المخاطر، بينما ينكمش العرض نتيجة تدمير المصانع وتعطل النقل والطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
ويؤكد صندوق النقد الدولي أن صدمات العرض المرتبطة بالنزاعات تنتقل مباشرة إلى أسعار الغذاء والطاقة -وهما الأعلى وزنا في سلة المستهلك- مما يدفع التضخم إلى مستويات مرتفعة ويضغط على الدخل الحقيقي.
وتُظهر دراسة نشرت في "مجلة دراسات الأمن العالمي"، بعنوان "كيف تؤثر العقوبات الاقتصادية على الاقتصاد غير الرسمي: أدلة من دول تعاني نزاعات داخلية"، أن النزاعات الداخلية ترتبط بزيادة ملموسة في حجم الاقتصاد غير الرسمي، إذ يدفع نقص السلع والقيود الإدارية النشاط نحو قنوات موازية.
وعندما تُفرض سقوف سعرية أو أنظمة تقنين، تتسع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، فتتنامى السوق السوداء وتتحول السلع المدعومة إلى مادة للمضاربة.
ويشير بنك التسويات الدولية (BIS) إلى أن اتساع النشاط خارج النظام المصرفي يضعف فعالية السياسة النقدية ويعقّد احتواء التضخم، مما يعمّق فقدان الثقة في المؤسسات التنظيمية.
تُقوّض الحروب قدرة الدولة على ضبط الاقتصاد وإدارة الموارد عبر القنوات الرسمية، ومع تآكل السيطرة المؤسسية على الحدود والمعابر والأسواق، تنشأ شبكات تهريب عابرة للحدود، وتتكوّن نقاط جباية غير رسمية عند الحواجز ومفاصل النقل، ويتحول جزء من النشاط الاقتصادي إلى ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد السيطرة الميدانية"، حيث ترتبط القدرة على تحقيق الإيرادات بالهيمنة الجغرافية لا بالإنتاج.
وتشير تقارير صادرة عن معهد "تشاتام هاوس" البريطاني حول "اقتصاديات الدولة المتصدعة" إلى أن هذه الشبكات لا تتلاشى تلقائيا مع توقف القتال؛ بل تميل إلى الترسخ بوصفها بنى اقتصادية قائمة بذاتها، مستفيدة من ضعف الرقابة والحوكمة.
ويؤكد تحليل صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول النزاع والهشاشة أن استمرار الاقتصادات غير الرسمية بعد الحرب يعرقل إصلاح المالية العامة، ويقوّض شفافية المشتريات العامة، ويزيد مخاطر الفساد وإعادة إنتاج شبكات المصالح.
وبذلك لا تُضعف الحرب الاقتصاد الرسمي فحسب، بل تعيد تشكيل مراكز القوة داخله، وتخلق طبقة مستفيدة من استمرار الهشاشة، مما يجعل إعادة بناء مؤسسات شفافة وقادرة على فرض سيادة القانون مهمة أكثر تعقيدا وكلفة بعد انتهاء النزاع.
تدفع الحرب الكفاءات إلى المغادرة، ويوضح تقرير صادر عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن النزاعات الحديثة أدت إلى نزوح ملايين الأشخاص، بينهم نسبة مرتفعة من أصحاب المهارات العالية.
ويؤدي هذا النزيف البشري إلى:
وحتى مع تدفق التحويلات المالية من المغتربين، لا يمكن تعويض خسارة الكفاءات المؤسسية بسهولة بحسب خبراء.
ولا تبقى آثار الحرب داخل حدود الدولة المتحاربة، بل تنتقل عبر قنوات مترابطة تعكس تشابك الاقتصاد العالمي، وتنتقل الصدمة أولا عبر أسعار الطاقة والغذاء.
فقد أوضح صندوق النقد الدولي في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي أبريل/نيسان 2022: الحرب تعرقل التعافي العالمي" أن النزاعات الكبرى رفعت أسعار النفط والحبوب، وأدت إلى خفض توقعات النمو العالمي ورفع معدلات التضخم حتى في دول بعيدة جغرافيا عن ساحة القتال.
كما تمتد التداعيات إلى أسواق المال، إذ أشار تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر عن صندوق النقد إلى أن التوترات الجيوسياسية تدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر، مما يرفع فروق العائد على السندات ويزيد تقلبات الأسواق في الأقاليم المجاورة.
وتؤكد تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن النزاعات التي تمس ممرات إستراتيجية أو دولا مصدرة للمواد الأولية ترفع تكاليف الشحن والتأمين، وتعطل سلاسل الإمداد العالمية.
أما تدفقات اللاجئين، فتنقل الصدمة مباشرة إلى الدول المضيفة، إذ تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن النزاعات الحديثة دفعت ملايين الأشخاص إلى النزوح، وهو ما يفرض أعباء مالية إضافية على الموازنات العامة في الدول المجاورة.
ورغم الكلفة الباهظة للدمار، تدفع الحروب أحيانا إلى تسريع إصلاحات مؤسسية لم تكن ممكنة في الظروف العادية. وتشير ورقة صادرة عن مركز أبحاث السياسات الاقتصادية (CEPR) حول "الهندسة المالية لإعادة الإعمار" إلى أن نجاح التعافي يعتمد على تصميم إطار مالي شفاف يحدد أولويات الإنفاق، ويربط التمويل الخارجي بآليات رقابة ومساءلة صارمة، ويمنع تشتت الموارد بين مشاريع غير منتجة.
وتؤكد تحليلات البنك الدولي في تقارير إعادة الإعمار لعدة دول أن الإنفاق على البنية التحتية والخدمات الأساسية يمكن أن يولد أثرا مضاعفا مرتفعا، إذا ترافق مع إصلاحات في الحوكمة والبيئة الاستثمارية، بما يعيد تنشيط القطاع الخاص ويحفز خلق الوظائف.
غير أن المسار المعاكس يظل قائما؛ إذ يحذّر خبراء الحوكمة من أن ضعف الشفافية قد يحوّل أموال إعادة الإعمار إلى ريع سياسي، فتحتكرها شبكات نفوذ مرتبطة بمراكز القوة، مما يعيد إنتاج الاختلالات نفسها التي سبقت النزاع ويقوّض فرص التعافي المستدام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة