آخر الأخبار

كواليس انهيار تحالف «بنغازي - نيامي».. تصفية حسابات عبر الأسرى وترقب لانعكاسات التغيرات على الحدود

شارك

شهدت العلاقات بين بنغازي–نيامي–طرابلس، تغيرا دراماتيكيا، ما أكد انهيار التحالف الذي كان قائما بين سلطات شرق ليبيا والمجلس العسكري الحاكم في النيجر، ويعيد طرح سؤال: هل إطلاق الأسرى المتبادل سيُشعل التوترات والاتجار في حوض فزان أم سيضمن هدنة دائمة على طول حدود يسهل اختراقها وذات أهمية استراتيجية بالغة؟.

مصدر الصورة مصدر الصورة

في حين كانت السلطات النيجرية طيلة السنوات الأولى من حكم الجنرال عبدالرحمن تياني قريبة من «القيادة العامة» برئاسة خليفة حفتر، تقاربت أخيرا مع طرابلس، وقد تجلى هذا التحول بوضوح خلال الساعات الأخيرة من خلال مبادرات عدّت «تصفية حسابات» أكثر منها بادرة صلح.

وأطلقت السلطات النيجرية، الاثنين، سراح الضابط الليبي السابق برهادين ميدون ريفي و18 من رفاقه، الذين اعتقلتهم قوات الدرك يوليو 2025، أثناء تنقلهم بمنطقة زيندر، على بُعد أكثر من 1000 كيلومتر من مقرهم، وكان مكان وجودهم مجهولا. وقد ظهروا في الصورة المنشورة عبر منصات التواصل الاجتماعي التابعة للجهات الرسمية وهم يستعدون للصعود على متن طائرة استأجرتها حكومة «الوحدة الوطنية» الموقتة، لإعادتهم إلى ليبيا.

-  للاطلاع على العدد «553» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

وكان الرجال التسعة عشر قد أُلقي القبض عليهم في خمس سيارات بمنطقة صحراوية شمال تسكر، بعد أن تمردوا على «القيادة العامة» في بنغازي، ويُرجح أن هذا ما أجبرهم على مغادرة جنوب ليبيا.

قائد عسكري بارز

وبرهادين ميدون ريفي هو قائد عسكري برز بعد أحداث 2011، وأسس سرية «أحرار فزان» في سبها، وسيطر على المناطق الحدودية بين ليبيا والنيجر. وردا على هذا الإفراج، أطلقت «القيادة العامة» في اليوم نفسه محمود صلاح، زعيم فصيل التبو المتمرد، الذي كان يضايق نظام نيامي بشن هجمات على خط أنابيب النفط الخام النيجري، قبل اعتقاله في القطرون بليبيا في فبراير 2025 إثر خلافات مع نائب «الجيش الوطني» التابع للقيادة العامة صدام حفتر.

وقدمت الجبهة الوطنية للتحرير، فصيل محمود صلاح، شكرها علنا لصدام حفتر، نائب القائد العام لـ«القوات المسلحة العربية الليبية»، الاثنين، وفي بيان لها، عبرت عن أملها إطلاق 14 مقاتلا آخر مازالوا محتجزين.

وكان محمود صلاح رهن الإقامة الجبرية، وهو حل وسط اعتمدته بنغازي لاسترضاء كل من نيامي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث كانت نيامي تطالب بتسليمه، كما دعت باريس إلى إطلاقه.

وشن صلاح تمردا مسلحا ضد بلاده، لتأمين إطلاق الرئيس المحتجز محمد بازوم، الذي سبق أن قاتله. وقال مصدر نيجري نافذ من قبيلة التبو: «في ذلك الوقت، كان النظام النيجري أكثر ميلا إلى المشير خليفة حفتر منه إلى طرابلس، وكان حفتر يحاول الجمع بين المتناقضات».

وخطة بنغازي، التي أحبطها الضغط الفرنسي، هي مبادلة محمود صلاح ببرهادين في يوم من الأيام.

وزار صدام حفتر نيامي في 23 مايو 2025، والتقى رئيس المجلس العسكري الجنرال عبدالرحمن تياني، وذلك عقب زيارات مماثلة قام بها عدد من وزرائه إلى بنغازي. إلا أن هذا التقارب لم يدم طويلا، إذ أدى التنافس والاضطرابات المحلية والإقليمية في نهاية المطاف إلى إحباط المشروع.

اشتباكات متكررة قرب ممر سلفادور

ولا بد من الإشارة إلى أن المنطقة الحدودية بين النيجر وليبيا وتشاد، جنوب وشمال ممر سلفادور، تشهد تنافسا شديدا، وترتبط بتجارة إجرامية مكثفة تدعمها جماعات عدة مسلحة، تُستخدم أحيانا كقوات مساعدة للجيوش، وأحيانا أخرى في أعمال تمرد، تبعا لمصالحها في كل حين. ونتيجة ذلك، تندلع اشتباكات متكررة في هذه المنطقة، حيث يسعى قادة الدول الثلاث إلى السيطرة على حدودهم.

ويجسد برهادين هذه التوترات بشكل خاص. فبحسب جريدة «ليز إيكو دو نيجر»، خلال الحرب الأهلية التي أعقبت سقوط القذافي عام 2011 خدم برهادين في البداية بلواء في بنغازي، قبل أن يستقر في سبها مع كتيبة جديدة. ولاحقا، استقر هذا الرجل، وهو عربي من قبيلة أولاد سليمان، ويُقال إنه من أصول نيجرية وتشادية، في جنوب ليبيا، في سبها، حيث عمل حارسا حدوديا لجيش «القيادة العامة».

بدورها، كشفت مجلة «جون أفريك» الفرنسية، الأربعاء، كواليس إطلاق برهادين، بعدما أثار اعتقاله تساؤلات عديدة نظراً لبُعد هذه المنطقة عن منطقة عملياته المعتادة. كما أدى إلى تصاعد التوتر بين نيامي وبنغازي. وعقب اعتقاله، تواصلت الأخيرة مع نيامي لطلب تسليمه، لكن دون جدوى.

سجن شديد الحراسة ببنغازي

ووفقا لمصادر المجلة، يُحتمل أن تكون عائلة برهادين قد تواصلت معه عبر مكالمة فيديو في عام 2025 بتسهيل من وسيط مُقرّب من صدام حفتر. إلا أن المفاوضات باءت بالفشل.

في غضون ذلك، تواصلت حكومة الوحدة بطرابلس مع المجلس العسكري، بقيادة تياني، للمطالبة بتسليم برهادين ريفي. ويُعتقد أن أكلي شيكا، وهو وسيط مقرب من جبهة تحرير أزواد، وهي جماعة نشطة في شمال مالي متحالفة حاليا مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، قد لعب دورا محوريا في هذه المفاوضات. وقد تفاخر بذلك في منشور على «فيسبوك»، مدعيا أنه مُكلف بهذه المهمة من قِبل حكومة طرابلس. وصرح: «لم تكن هذه المهمة سهلة، فقد تطلبت أشهر عدة من العمل الجاد، والاتصالات السرية المتواصلة».

وأسفرت زيارة رئيس وزراء النيجر، علي محمان الأمين زين، طرابلس في 15 يونيو عن إبرام الاتفاق. وهناك، التقى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، الذي ترأس وفدا كبيرا، ضم رئيس ديوان عبدالرحمن تياني، الفريق إبراهيم أمادو، ووزير خارجية النيجر، باكاري ياو سانغاري. وتساءلت أوساط مراقبة: هل ينبغي اعتبار إطلاق محمود صلاح إجراء انتقاميا من معسكر بنغازي ضد نيامي؟ وقال مصدرٌ داخل الجبهة الوطنية للتحرير: «كان مسجونا في سجن شديد الحراسة ببنغازي، وأُخرج من زنزانته في 22 يونيو، ووُضع في سكن. ومن المقرر نقله خلال يوم أو يومين إلى سبها، جنوب ليبيا، برفقة 13 عضوا آخر من المجموعة أُلقي القبض عليهم في الوقت نفسه».

وفي أغسطس 2024، أطلق موسى كوناي الحركة الوطنية للحرية والعدالة بعد انشقاقه عن صفوف الجبهة الوطنية للتحرير مع رجاله. ومنذ ذلك الحين، نشطت الحركة بشكل كبير في شمال شرق البلاد، واستهدفت بشكل خاص خط أنابيب نقل النفط من شمال شرق النيجر إلى ميناء سيمي كبودجي البنيني. إلا أن إطلاق محمود صلاح قد يُعيد تنشيط الجماعة المتمردة، حيث قال مصدر داخل الجبهة لمجلة «جون أفريك»: «سنتشاور مع جبهات أخرى، لتنسيق العمليات بشأن الخطوات التالية».

ويوضح الباحث جلال حرشاوي للإذاعة الفرنسية أنه حتى قبل عام ونصف العام إلى عامين كانت نيامي تفخر بعلاقاتها الوثيقة مع عائلة حفتر. أما اليوم، فنرى عكس ذلك تمامًا. وأضاف: «ما نراه اليوم بالدرجة الأولى هو مجلس عسكري في نيامي أكثر استعدادا لإظهار بوادر صداقة تجاه طرابلس، الذي أهان عائلة حفتر بإطلاق سجين إلى طرابلس بدلا من بنغازي. لهذا السبب ردت بنغازي بإطلاق معارض للمجلس العسكري في نيامي ردا على ما اعتُبر إهانة».

يأتي التطور الجديد مع توسع نشاط المتطرفين في النيجر، حيث قُتل 11 جنديا على الأقل ومدنيان بهجوم قبل أسبوعين على مطار العاصمة النيجرية (نيامي)، حسبما أعلن مسؤولون، وذلك بعد خمسة أشهر من تعرض المرفق لهجوم واسع نفذه متشددين، واستهدف أحد أكثر المواقع حساسية في البلاد.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا