في طبخة أميركية – فرنسية، ووسط تحرك دبلوماسي موازٍ مع دول الجوار، وحرص واشنطن على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طرفي «الأمر الواقع» في طرابلس وبنغازي، وجّهت إدارة دونالد ترامب رسائل سياسية تهدف إلى الدفع نحو مسار تصالحي يُعظّم المشاريع الاقتصادية والأمنية المشتركة، غير أن هذه المقاربة تثير تساؤلات وشكوكًا حول قدرتها الفعلية على إنهاء الانقسام الحاد في ليبيا.
ومن طرابلس وبنغازي، مروراً بتونس والجزائر، وصولاً إلى باريس، تكثّف الحراك الدبلوماسي الأميركي، الذي يعمل – كما يُتداول – على بلورة «صفقة سلام»، أو توافق مُسبق مع الأطراف الليبية والإقليمية، ستكون خيوطه مربوطة بالبيت الأبيض.
لقاء غير رسمي بين إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر
وللمرة الثانية خلال أقل من خمسة أشهر، عقب اجتماع مماثل عُقد في روما، تشهد العاصمة الفرنسية باريس حراكاً سياسياً برعاية أميركية – فرنسية، لجمع الأطراف الرئيسة للأزمة الليبية.
ووفقاً لموقع «أفريكا إنتلجنس» الفرنسي، شمل هذا الحراك لقاءً سرياً وغير رسمي، بدعم من فرنسا والولايات المتحدة، في إطار محاولات كسر الجمود السياسي والأمني المستمر منذ عام 2011، جمع بين مستشار رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» إبراهيم الدبيبة، ونائب قائد القيادة العامة الفريق أول صدام حفتر.
ولم يؤكد أي من الطرفين أو ينفِ هذا اللقاء، الذي كان هدفه – بحسب الموقع الفرنسي – التوصل إلى اتفاق لتوحيد المؤسسات الوطنية. وأشار الموقع إلى أن الاجتماع جرى بتنسيق بين المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إلى ليبيا بول سولير، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس؛ حيث يأمل الوسيطان في التوصل إلى توافق بين العائلتين الحاكمتين، بما يفضي إلى توحيد مؤسسات الدولة.
وقد يشكّل اجتماع باريس – إن صحّ انعقاده – خطوة نحو إحياء الحوار الليبي الداخلي، من خلال جمع فاعلين مؤثرين من الأجنحة المتصارعة على السلطة في البلاد.
زيارة مسعد بولس لليبيا
واستبق المستشار الأميركي مسعد بولس الحديث عن لقاء باريس بزيارة إلى طرابلس في 24 يناير الجاري، لحضور افتتاح قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد، وهو منتدى نظمته حكومة الوحدة الوطنية الموقتة، جرى خلاله توقيع اتفاقيات مع شركات أميركية، قبل أن يتوجه إلى بنغازي للقاء صدام حفتر.
وخلال وجوده هناك، ناقش مع مدير عام صندوق التنمية وإعادة الإعمار، بلقاسم خليفة حفتر، آليات التنسيق والإعداد للنسخة الثانية من المنتدى الليبي – الأميركي المزمع عقده في مايو المقبل بمدينة بنغازي.
- «أفريكا انتليجنس»: محادثات بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة في باريس برعاية أميركية وفرنسية
- بعد زيارة طرابلس وبنغازي.. ليبيا ونتائج «الترويكا» ضمن جولة مستشار ترامب إلى الجزائر وتونس
- قانونيون: أحكام الدائرة الدستورية تحمي استقلال القضاء
- للاطلاع على العدد «532» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وأكد بولس، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، دعم بلاده للجهود الليبية الرامية إلى تحقيق الوحدة، معتبراً أن «الاستقرار السياسي والمؤسسي يمثل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات الأميركية ودفع عجلة التنمية».
وسبق أن أشاد بالتدريبات العسكرية المشتركة التي تستعد واشنطن لتنظيمها بمشاركة قوات من شرق وغرب البلاد في مدينة سرت خلال الربيع المقبل، واصفاً إياها بأنها «نموذج لتوحيد الشرق والغرب وبناء الأمن اللازم لحماية سيادة ليبيا واقتصادها».
تحذير لأميركا من تجاهل الأطراف الدولية المؤثرة في ليبيا
في المقابل، يحذّر مراقبون واشنطن من مغبة تجاهل ضرورة توحيد الرؤى الدولية المؤثرة في الدفع بمسار توحيد المؤسسات الليبية، لا سيما موقفي تركيا وروسيا، اللتين تبديان تخوفاً من استهداف مصالحهما الاقتصادية والجيوسياسية.
وفي السياق ذاته، التقى المبعوث الأميركي بشكل منفصل بوزيري خارجية الجزائر وتونس، أحمد عطاف ومحمد علي النفطي، لمناقشة تطورات القضية الليبية، وذلك عقب الاجتماع الثلاثي الذي جمع مصر وتونس والجزائر بشأن الوضع في ليبيا.
وبعيداً قليلاً عن هذا المسار، التقى رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، في بلدة القبة مقر إقامته، سفير فرنسا لدى ليبيا تيري فالا، وسفير المملكة المتحدة مارتن رينولدز؛ حيث دافع عما سماه «الدور المحوري» الذي يضطلع به مجلس النواب، بوصفه «السلطة التشريعية المنتخبة».
وأشار إلى «جاهزية الإطار القانوني والتشريعي الذي أصدره البرلمان لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية». وكان المجلس قد أصدر في وقت سابق قراراً بتخصيص ميزانية مالية لدعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، لتغطية تكاليف التحضير والتنفيذ للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
تصاعد الخلافات حول القضاء
وفي الأثناء، تصاعدت الخلافات داخل الجسم القضائي الليبي، بعد أن أعاد حكم دستوري رسم خريطة السلطة القضائية، وفتح مواجهة جديدة مع مجلس النواب.
فقد أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا حكماً بعدم دستورية أربعة قوانين صادرة عن مجلس النواب، من بينها القانونان رقم (22) لسنة 2023، ورقم (32) لسنة 2023، المتعلقان بتعديل أحكام قانون نظام القضاء.
ويرى كثير من الليبيين والمهتمين بالشأن الليبي أن هذه التطورات تعكس حالة تناقض واضحة بين الدعوات المتكررة إلى المصالحة وتشكيل حكومة موحدة وصولاً إلى موعد الاستحقاق الانتخابي من جهة، وتعميق الخلاف السياسي وتشعباته وتعقيداته من جهة أخرى، وهو ما يعزز الشكوك حول جدية الأطراف الرئيسة للأزمة في إحداث أي اختراق للحلقة المغلقة التي تدور فيها الأزمة منذ سنوات.
كما تؤكد هذه الوقائع إصرار تلك الأطراف على التمسك بمواقعها في سلطة الأمر الواقع، وربط علاقاتها بأطراف خارجية مؤثرة في المشهد الليبي، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، عبر عقد مزيد من الصفقات وإفساح المجال أمام شركات أجنبية للنشاط داخل الأراضي الليبية، بما يزيد من حالة الجدل، ويُنتج مزيداً من عناصر الخلاف، ويهدد بتعميق الانقسام السياسي والاقتصادي، وتوابعه التي امتدت مؤخراً إلى السلطة القضائية، في أحدث تجليات الصراع على السلطة في البِلاد.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة