امتد الخلاف حول إجراء الانتخابات التي ظلت عقبة رئيسية طوال عشرية الانقسام السياسي في ليبيا، إلى الجهة التي تشرف على هذا الاستحقاق الوطني، إنها المفوضية الوطنية للانتخابات. فقد ولد انقسام جديد من خلاف مجلسي النواب والدولة حول تشكيل مجلس الإدارة، وأصبح للمفوضية رئيسان عماد السايح، وصلاح الكميشي.
فكيف بدأ الخلاف؟ وماذا وراء هذا الانقسام الجديد، البداية كانت بمطالبة المبعوثة الأممية هانا تيتيه إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، ضمن خريطة طريق للوصول إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهنا بدأت لعبة الفرقاء السياسيين، مجلس النواب رأى أنه لا ضرورة لتغيير مجلس المفوضية بالكامل وأبقى على رئيس المفوضية الحالي عماد السايح، لكن مجلس الدولة سعى إلى تغيير كامل المجلس، وقد انتخب بالفعل رئيسا جديدًا هو صلاح الكميشي.
التسلسل الزمني للأزمة
في هذه السطور تستعرض «بوابة الوسط» التسلسل الزمني للخلاف حول واحدة من المناصب السيادية التي ظلت بلا اتفاق حتى الآن.
شرارة أزمة مفوضية الانتخابات انطلقت في 21 أغسطس الماضي حين طالبت المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه بضرورة إعادة تشكيل مجلس المفوضية ضمن خريطة الطريق التي قدمتها لمجلس الأمن وقتها.
اختيار التشكيل الجديد هو مهمة مجلسي النواب والدولة اللذين ردا على خطاب تيتيه باجتماعين عبر لجنتي المناصب السيادية بالمجلسين في بنغازي وطرابلس؛ لكن المبعوثة الأممية عادت في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 19 ديسمبر الماضي لتؤكد «عدم تنفيذ» ما طالبت به في أغسطس، منوهة بأن أولى المهام ذات الأولوية بالنسبة لتنفيذ خريطة الطريق تتمثل في إعادة تشكيل مجلس المفوضية، والنظر في التعديلات على الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات والمصادقة عليها.
ووصفت تيتيه تحركات مجلسي النواب والدولة بـ«الخطوات المحدودة... التي لم تسفر حتى الآن عن إعادة تشكيل مجلس المفوضية»، وقالت إن التأخير في هذا الملف «ينم عن غياب الثقة بين المؤسستين والانقسامات الداخلية في كل منهما وعدم القدرة على تجاوز خلافاتهما».
«النواب» يريد استكمال المقاعد الشاغرة
بعدها بأيام وبالتحديد في 29 ديسمبر، صوت مجلس النواب لصالح استكمال تعيينات مجلس مفوضية الانتخابات، وذلك خلال جلسة في مدينة بنغازي؛ بما يعني استكمال المقاعد الشاغرة في مجلس الإدارة، لكن هذه الخطوة أثارت غضب مجلس الدولة، والإدارة الحالية للمفوضية.
فمجلس الدولة قال إن خطوة النواب يشوبها «خلل إجرائي وقانوني»، وتمثل «إجراءً أحاديًا يسهم في تعميق الانقسام وإرباك المشهد السياسي»»، كما تتعارض مع «التوافقات السياسية القائمة بين المجلسين»، مشيرًا إلى عمل لجنتي المناصب السيادية المشكلة من الجهتين واجتماعاتهما في بنغازي وطرابلس.
وأضاف مجلس الدولة أنه متمسك بتغيير مجلس مفوضية الانتخابات بالكامل، «بما يضمن استقلاليتها، ويعزز الثقة في المسار الانتخابي، ويمهد بشكل حقيقي لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة».
- صراع مجلسي النواب والدولة على «المفوضية».. عقدة جديدة في مسار الانتخابات
- «استئناف بنغازي» تلغي قرار المجلس الرئاسي إنشاء «المفوضية الوطنية للاستفتاء»
- مكاتب «المفوضية» تدعو إلى «تحييد» إدارة الانتخابات عن التجاذبات السياسية
- جاهزية «المفوضية» لا تكفي.. خبراء لقناة «الوسط»: الاتتخابات تواجه تحديات أمنية وسياسية
اتفاق بوزنيقة مخل خلاف بين تكالة وعقيلة
من جانبه، اتهم رئيس مجلس الدولة محمد تكالة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح «بمخالفة الاتفاق السياسي»، مضيفًا أن اتفاق بوزنيقة نص على أن مجلس الدولة يختار رئيس المفوضية وثلاثة أعضاء من أعضاء المجلس، بينما يختار مجلس النواب الأعضاء الثلاثة الآخرين».
ويرى تكالة أن مجلسه «أوفى بجميع التزاماته المتعلقة بالمناصب السيادية بما فيها ما يتعلق بالمفوضية»، مشيرا إلى أن الاتفاق السياسي «نصَّ- بشكل واضح لا يقبل التأويل- على مبدأ التوافق في شغل المناصب السيادية ومنع أي طرف من الانفراد بقرارات تمس المسار الانتخابي وعلى رأسها رئاسة وعضوية مفوضية الانتخابات».
واتساقًا مع ذلك، أجرى مجلس الدولة في 5 يناير الجاري انتخابات في مقره بطرابلس لاختيار رئيس للمفوضية، حيث فاز صلاح الكميشي بـ63 صوتًا في جلسة حضرها 109 أعضاء، وذلك ليخلف الكميشي عماد السايح. ثم أجل المجلس انتخابات الأعضاء الثلاثة لمجلس المفوضية.
البعثة الأممية: فصل جديد من الانقسام
ولم تنل هذه الخطوة استحسان البعثة الأممية التي نددت بتصاعد حدة الخلاف بين المجلس شأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. وقالت في بيان أمس الثلاثاء إنها تأسف «لمسار من التصعيد المتبادل، ما ينذر بفتح فصل جديد من الخلاف والانقسام المؤسسي».
وجددت البعثة دعوتها إلى وقف جميع الإجراءات الأحادية، محمّلة المجلسين مسؤولية أي انقسام قد يؤثر على عمل المفوضية مستقبلاً.
ورد عقيلة صالح على تكالة واتهمه بعرقلة المسار الانتخابي وبالرغبة في إبقاء ليبيا في وضعها الراهن، مضيفا أن المفوضية أثبتت نجاحها من خلال إنجاز الانتخابات البلدية، مؤكدًا أنه «لا توجد حاجة لتغيير رئيس المفوضية، إلا إذا استدعت الخبرة العملية ذلك».
وشدد رئيس مجلس النواب على ضرورة استكمال عمل المفوضية وفق توصيات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، محذرًا من إدخال مناطق الشرق والغرب والجنوب في «صراعات إضافية»، ومؤكدًا تفضيل مجلس النواب المضي مباشرة نحو إجراء الانتخابات، قبل الفصل في شغل المناصب السيادية.
وأشار صالح إلى أن اتفاق بوزنيقة تعطل على الرغم مما وصفه بـ«التنازلات الكبيرة» التي قدمها مجلس النواب، معتبرًا أن استمرار الخلافات حول المناصب السيادية يعرقل الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي الذي ينتظره الليبيون.
الانتخابات البلدية.. هل تؤشر لإمكانية إجراء اقتراع رئاسي؟
بدوره، رأى مجلس مفوضية الانتخابات أن قرارات مجلس النواب بشأن المقاعد الشاغرة في المفوضية «لا علاقة لها بالاتفاق السياسي وتخرج الاستحقاقات الانتخابية عن المسار المطلوب وتخدم أجندات خاصة تتعارض مع مطالب الشعب الليبي».
وقال مجلس المفوضية إنه لا يطلب الاستمرار في منصبه، وإن هدفه «تسليط الضوء على الحقائق في وقت حساس تتصاعد فيه حملات التشكيك في استقلالية ونزاهة المفوضية، ومحاولات التأثير على مصداقيتها».
وأشار إلى «نجاحه» في تنفيذ انتخابات المجالس البلدية في جميع المناطق الليبية، متجاوزًا التحديات والعراقيل التي واجهها»، منوها بقدرته على «التعامل مع جميع الأطراف في ظل الظروف المعقدة».
وشدد على رفضه القاطع «تلبية مطالب بعض المنتفعين الذين حاولوا تعطيل عمل المجالس البلدية والتي كانت تستخدم لأغراض مصلحية في غياب مؤسسات الدولة وانقسام السلطة التنفيذية»، في إشارة إلى تعطل إجراء انتخابات عدد من المجالس البلدية بالمنطقة الشرقية قبل إجرائها في 13 ديسمبر.
المفوضية: جاهزون للانتخابات منتصف أبريل
وردًَا على اتهامها بعرقلة الاستفتاء على الدستور، قالت المفوضية إنها لم تتسلم مشروع الدستور (المعدل) لكي تستأنف عملية الاستفتاء. وأكدت المفوضية استعدادها لإجراء الاستفتاء «حال توافق الأطراف السياسية على المضي قدمًا في هذا المسار».
وأشارت إلى تفاصيل عرقلة عملية الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم، على مدى سبع سنوات منذ العام 2018.
وقبل احتدام هذه الأزمة، أعلنت مفوضية الانتخابات في 30 نوفمبر الماضي «جاهزيتها القصوى» لإجراء وتنفيذ الانتخابات الرئاسية والنيابية في منتصف أبريل 2026 وذلك بعد الانتهاء تمامًا من الانتخابات البلدية في نهاية مارس؛ لكن بشرط «توفير متطلبات التمويل والتأمين والاتفاق على الآلية التي ستوضع لدعم هذه العملية المصيرية والإشراف عليها في ظل الحكومتين».
ودعت المفوضية البعثة الأممية إلى «التركيز على جوهر الخلاف المتمثل في تعديل القوانين الانتخابية الصادر عن لجنة 6+6، والعمل على تسوية تلك الخلافات فورًا وإحالتها إلى المفوضية دون أي تأخير أو مماطلة، لتباشر إصدار اللوائح التنظمية والإجراءات التنفيذية استعدادًا لإطلاق عملية التنفيذ».
وقالت المفوضية إنها عملت على مواجهة التحديات والعراقيل «إيمانًا منها بأن الانتخابات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع هي السبيل الوحيد لإنهاء الانقسام واستعادة الشرعية».
وهكذا بدلا من التوافق بين مجلسي النواب والدولة، ولد من خلافهما المزمن انقسام جديد طال هذه المرة أداة تغيير الأجسام السياسية التي تبقى عائقًا في طريق تحقيق أحلام الليبيين في دولة ومؤسسات موحدة ترعى مصالحهم.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة