آخر الأخبار

"حرب إيران"..حسابات الربح والخسارة وإعادة تشكيل مراكز النفوذ

شارك
الحرب مع إيران توقفت، لكن تأثيرها على العالم لا يزال مستمرًا.صورة من: Celal Gunes/Anadolu Agency/IMAGO

أسفر إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة ومعها إسرائيل عن تعليق العمليات العسكرية، بعد أربعين يومًا من الهجمات العنيفة والردود المتبادلة. ومع ذلك، ظل المدنيون الحلقة الأضعف في هذه الحرب، إذ سقط آلاف القتلى والجرحى، فيما أُجبر عدد أكبر على النزوح من منازلهم. كما خلّف القتال دمارًا واسعًا طال المساكن والبنية التحتية وسبل العيش في إيران  وإسرائيل، إضافة إلى مناطق أخرى في الإقليم.

ورغم التوصل إلى هدنة مع إيران، لم تتوقف المواجهات تمامًا. فقد واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد حزب الله المدعوم من طهران في لبنان، حيث شنت، بعد ساعات قليلة من إعلان وقف إطلاق النار، واحدة من أعنف غاراتها منذ تصاعد المواجهات الأخيرة مع الحزب المصنف، أو جناحه العسكرس، كمنظمة إرهابية من قبل دول عدة.

وفي النهاية، لا يمكن الحديث عن رابح حقيقي في هذه الحرب، فالصراع، وإن هدأ ميدانيًا، ما زال يعيد تشكيل ملامح السياسة العالمية، مؤثرًا في التحالفات الدولية، و أسواق الطاقة  ، وموازين النفوذ. ومن هذا المنطلق، يتجاوز أثر الحرب حدود الشرق الأوسط ، ليمتد إلى المشهد الدولي برمته.

إيران: صمود النظام تحت وقع الضربات

منذ 28 فبراير/شباط، تعرضت إيران لغارات جوية مكثفة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل، مستهدفةً مواقع عسكرية وبنية تحتية للطاقة. وبحسب منظمة "هرانا" الحقوقية الأمريكية، أسفرت هذه الضربات عن مقتل أكثر من 3600 شخص، بينهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وكبار المسؤولين السياسيين والعسكريين، بالإضافة إلى 165 طالبة في مدرسة للبنات، معظمهن أطفالًا. ورغم هذه الخسائر، لا يزال جوهر النظام السياسي الإيراني قائمًا.

وفي تعليق على الوضع، قال المحلل السياسي الأمريكي ورئيس مجموعة أوراسيا، إيان بريمر، لـ DW: "لا يوجد أي تحرك نحو تغيير النظام، كما أنه لا يوجد أي تحرك لإنقاذ الشعب الإيراني  ، وهو ما كان الرئيس ترامب يصرح بأنه هدف، على الأقل في الأيام الأولى للحرب".

يان بريمر هو رئيس ومؤسس مجموعة أوراسيا، وهي شركة عالمية متخصصة في أبحاث واستشارات المخاطر السياسيةصورة من: Ronka Oberhammer/DW

ردًا على الضغوط، اتخذ النظام الإيراني خطوة محفوفة بالمخاطر: أغلق فعليًا مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، وسمح فقط لعدد قليل من الدول باستخدامه. هذا المضيق المائي الضيق يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية  ، وبذلك ارتفعت أسعار النفط وزاد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

وعلاوة على ذلك، أثمرت هذه الخطوة، إذ تمكنت طهران من التوصل إلى وقف لإطلاق النار دون الاعتراف بالهزيمة. وأصبح بالإمكان تقديم الهدنة كدليل على صمودها أمام القوة العسكرية الأمريكية الهائلة. كما قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة إيران المكونة من عشر نقاط كأساس للمفاوضات، وبهذا صمد النظام وكسب الوقت لصياغة المرحلة التالية بشروط أكثر ملاءمة.

الولايات المتحدة: مكاسب عسكرية وخسائر معنوية

وصف الرئيس ترامب النتيجة بأنها "نصرٌ كاملٌ وشامل". لكن العديد من المحللين يخالفونه الرأي.

وأشار إيان بريمر لـ DW: "لقد حققوا بعض الأهداف. وإذا نظرنا إلى الضرر الذي لحق بقدرات إيران العسكرية، وقدراتها الباليستية التقليدية، وقدراتها البحرية، فسنجد أن جزءًا كبيرًا منها قد تراجع بشدة". كما تضررت أجزاء من برنامجها النووي بشكل كبير، وهذا الأمر يهم واشنطن  ، التي تقول إن منع إيران من امتلاك أسلحة نووية كان هدفًا رئيسيًا.

ومع ذلك، تكبدت الولايات المتحدة خسائر أيضًا. فالضربات الإيرانية ألحقّت أضرارًا كبيرة بأنظمة الرادار والطائرات، أو دمرتها، بقيمة مليارات الدولارات. كما تضررت سمعتها كحامية لحلفائها في الخليج، بعد أن شنت إيران هجمات على جيرانها، ليس فقط على القواعد الأمريكية، بل أيضًا على البنية التحتية الحيوية. وبذلك، توترت العلاقات مع أوروبا و حلف شمال الأطلسي (الناتو) نتيجة شن واشنطن الحرب دون استشارة حلفائها.

وقد أوقف وقف إطلاق النار الهجمات على القوات الأمريكية وقلل مؤقتًا من خطر اندلاع حرب إقليمية أوسع، وهو ما يمثل أولوية قصوى للولايات المتحدة. كما أنه من المتوقع إعادة فتح مضيق هرمز، مما يخفف الضغط على أسواق النفط.

ورغم ذلك، ستلتقي واشنطن بإيران مجددًا على طاولة المفاوضات، كما كان الحال في بداية الحرب. ومع ذلك، لم تُغير واشنطن  سلوك إيران بالطريقة التي سعت إليها، في حين أن تكلفة ذلك على سمعتها الدولية لم تتضح بعد.

إسرائيل: تكتيكات ناجحة، مخاطر مستمرة

أضعفت إسرائيل القدرات العسكرية لإيران وأظهرت قدرتها على توجيه ضربات تتجاوز حدودها، مع استمرار الدعم القوي من الولايات المتحدة.

لكن الحرب كشفت أيضًا عن نقاط ضعف، فقد وضعت الصواريخ الإيرانية الدفاعات  الجوية الإسرائيلية تحت ضغط مستمر، وتمكن بعضها من اختراقها، مما أسفر عن مقتل أكثر من 30 شخصًا. ولا يزال التهديد من إيران وحلفائها الإقليميين قائمًا.

وبيّن فواز جرجس من كلية لندن للاقتصاد لـ DW أن إسرائيل قد تخرج من الحرب "أضعف بكثير". ويرى أن الضرر الدبلوماسي سيكون كبيرًا على الأرجح، خصوصًا في جوارها، حيث أصبحت دول الخليج أقل رغبة في تعزيز علاقاتها مع إسرائيل.

الصين: تربح على المدى البعيد

من المتوقع أن تستفيد الصين على المدى البعيد. فـ نقل الولايات المتحدة العديد من أصولها العسكرية إلى الشرق الأوسط لحماية الملاحة قرب مضيق هرمز  ، مما يقلل الموارد المتاحة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تتنافس واشنطن وبكين على النفوذ.

وأوضح بريمر: "لا تستفيد الصين فقط لأن أمريكا باتت أقل تركيزًا على البيئة العسكرية الآسيوية، بل أيضًا لأن حلفاء الولايات المتحدة ينظرون إليها على أنها أقل موثوقية. وهذا يجعل الصين، بالمقارنة، لاعبًا أكثر استقرارًا نسبيًا".

خلال الصراع، دعت بكين إلى ضبط النفس  طوال فترة القتال، ورحبت بوقف إطلاق النار، كما قدمت نفسها كفاعل عالمي مسؤول، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية. وبالإضافة إلى ذلك، تشتري الصين أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية، غالبًا بأسعار مخفضة، لكنها أنشأت مؤخرًا احتياطيات طاقة ضخمة، مما يمكّنها من التعامل مع تقلبات الأسعار بشكل أفضل من العديد من منافسيها.

روسيا: تستفيد من الاضطرابات

لقد أفادت الحرب روسيا بعدة طرق. فـ ارتفاع أسعار الطاقة عزز إيرادات موسكو في وقت كانت ميزانيتها تعاني من ضغوط بسبب حربها في أوكرانيا، كما خُففت العقوبات مؤقتًا مع سعي الدول إلى إيجاد مصادر بديلة للنفط.

ورغم انخفاض الأسعار منذ وقف إطلاق النار، إلا أن فائدة أخرى لا تزال قائمة، وهي انصراف الاهتمام العالمي عن الحرب الروسية في أوكرانيا.

وعلاوة على ذلك، قال بريمر: "نقلت الولايات المتحدة  جزءًا كبيرًا من قدراتها العسكرية إلى الخليج، ما يعني أن أنظمة الأسلحة التي يحتاجها الأوكرانيون لن تكون متاحة".

ومع ذلك، تُعد إيران دولة صديقة من بين الدول القليلة المتبقية في المنطقة، لذلك فإن إضعافها يُعتبر خسارة لروسيا .

دول الخليج: مكاسب ومخاطر

طال أثر الهجمات الإيرانية السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى، مخلفة أضرارًا بمليارات الدولارات في منشآت الطاقة وزاعزة شعور هذه الدول بالأمان.

ومع ذلك، استطاعت بعض الدول الاستفادة. فقد تجاوزت السعودية مضيق هرمز، واستمرت في نقل معظم نفطها عبر خط أنابيب النفط الشرقي الغربي إلى البحر الأحمر.

وأشار بريمر إلى أن "ميزانية السعودية تبدو واعدة للغاية، لأنها تحصل على كميات كبيرة من الطاقة بأسعار مرتفعة جدًا".

في المقابل، كانت دول أخرى أكثر عرضة للخطر، مثل الإمارات العربية المتحدة التي تعتمد بشكل كبير على العمالة الأجنبية والمستثمرين. وأضاف بريمر: "90% من سكان الإمارات، الذين يزيد عددهم عن 10 ملايين نسمة، هم من الوافدين، ويجب أن يشعروا بالاطمئنان إلى أن هذا المكان آمن لهم".

وقد أضرت المخاوف الأمنية بصورتها كملاذ آمن، وهو ركن أساسي في نموذجها الاقتصادي.

أوروبا: تكلفة اقتصادية عالية وخوف من تبعات أخرى

أثر ارتفاع أسعار الطاقة سلبًا على الأسر والقطاع الصناعي في أوروبا، كما هو الحال في كثير من أنحاء العالم. وبالإضافة إلى ذلك، تسببت اضطرابات الشحن في عرقلة التجارة، مما زاد الضغوط التضخمية في وقت كانت فيه اقتصادات أوروبية عديدة تعاني بالفعل من صعوبات.

وقد زاد هذا الوضع من حدة الانقسامات داخل التحالفات التقليدية. فـ الحكومات الأوروبية رفضت دعم العمليات العسكرية الأمريكية، بل إن بعضها لم يسمح بمرور الطائرات الأمريكية في مجالها الجوي لأداء مهام هجومية. وعليه، رد الرئيس ترامب مجددًا بالتهديد بسحب الولايات المتحدة  من حلف الناتو، وهو سيناريو يخشاه الكثير من الأوروبيين.

باكستان: تقدم دبلوماسي

لعبت باكستان دورًا محوريًا في التوصل إلى وقف إطلاق النار، وها هي على وشك استضافة جولة جديدة من المحادثات، ما يعكس تأثيرها المتنامي على الساحة الإقليمية.

ويعتبر هذا الإنجاز نجاحًا دبلوماسيًا كبيرًا لرئيس الوزراء شهباز شريف، إذ استطاعت باكستان، بفضل علاقاتها مع كل من واشنطن وطهران، تبادل الرسائل بين الطرفين سرًا لأسابيع، ما ساهم في تهيئة الأرضية للهدنة.

وبذلك عززت باكستان مكانتها كوسيط إقليمي مؤثر، بينما ظلت الهند   ، خصمتها المباشرة، ملتزمة بالحياد، وتضررت بشدة من ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الصراع.

أعدته للعربية: ندى فاروق

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا