على مدى العقود الماضية لم يتوقف البلوش عن المطالبة بحقوقهم والسعي للتخلص من الاضطهاد القومي والمذهبي الذي يتعرضون له في إيران.
يعيش البلوش، وهم من أبرز القوميات في إيران، في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيران، وتعد منطقة بلوشستان الإيرانية جزءا من جغرافيا إقليم بلوشستان المقسم بين ثلاث دول هي باكستان وأفغانستان وإيران، وتمثل ممرا استراتيجيا يربط الشرق الأوسط بجنوب آسيا وآسيا الوسطى.
يبلغ طول ساحل بلوشستان إيران، المطل على بحر عمان وبحر العرب والمحيط الهندي، 400 كيلومتر تقريبا، وهو جزء من ساحل بلوشستان الكبير البالغ طوله نحو 1100 كيلومتر، حيث تستحوذ باكستان على 700 كيلومتر المتبقية منه.
ويمتد هذا الشريط الساحلي داخل إيران من جنوب شرقها انطلاقا من منطقة جاسك غربا، وصولا الى الحدود الباكستانية شرقا، ويضم مدنا ساحلية رئيسية مثل تشابهار وكنارك، ويطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم هو مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أبرز ممرات عبور ناقلات النفط العالمية.
تشهد بلوشستان الغربية اضطرابات واحتجاجات وعمليات مسلحة محلية تهدف غالبيتها إلى الانفصال عن إيران، وأخرى تطالب بالفيدرالية منذ سيطرة إيران على المنطقة عام 1928، وزادت هذه الاضطرابات من وتيرتها بعد سيطرة نظام ولي الفقيه على الحكم في إيران عام 1979.
يقول خبراء وباحثون بلوش لـ”الحرة” إن خريطة الاضطرابات تتركز في محافظة سيستان وبلوشستان على امتداد القوس الممتد من شمال الى جنوب عاصمة الإقليم زاهدان وصولًا إلى مدينة تشابهار الساحلية، وتتزامن مع وجود مناطق نزاع متوترة في مدن راسك وسراوان وخاش ومنطقة مكران.
وتشهد هذه المناطق هجمات مسلحة من جماعات بلوشية سنية، واحتجاجات مناهضة للنظام، وتجارة وقود مميتة عبر الحدود. وخلال السنوات الماضية قتل كثير من البلوش واعتقل آخرون على أيدي الحرسة الثوري الإيران، وشهدت زاهدان مجزرة في 30 سبتمبر 2022، عندما قُتل أكثر من مئة متظاهر مدني برصاص قوات الحرس الثوري.
ويشير الناشط الحقوقي البلوشي، عبدالله عارف البلوشي، المقيم في لندن، إلى أن الأنظمة الحاكمة في إيران ومنذ سيطرتها على بلوشستان الغربية تنظر إلى هذه المنطقة بنظرة أمنية بحتة، إلى جانب تنفيذها عمليات تغيير ديمغرافي شملت حتى الآن ترحيل القبائل البلوشية في مناطق أخرى من إيران، وإسكان أعداد كبيرة من الإيرانيين الفرس في مدن بلوشستان وتمكينهم من إدارة محافظة سيستان وبلوشستان، لافتا الى أن الحرس الثوري الايراني يتحكم بالقرار الإداري والعسكري والاقتصادي في بلوشستان عبر العديد من المشاريع الأمنية والاقتصادية.
ويلفت البلوشي إلى أن منطقة بلوشستان بالنسبة للنظام الإيراني تعتبر بؤرة غير مستقرة ومن المحتمل انفجارها بوجه النظام في أي لحظة، لوجود الظروف المساعدة لذلك منذ عقود.
لكن رغم مرور أكثر من شهر على الحرب الجوية التي تخوضها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد النظام في إيران، وما يشهده النظام من ضعف داخلي وخارجي جراء الضربات المكثفة التي يتعرض له، لم تشهد بلوشستان كغيرها من المدن والمناطق الإيرانية تحركا شعبيا أو مسلحا ضد الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الإيرانية الأخرى.
“من المستبعد أن يكون هناك احتجاجات مدنية في الوضع الراهن، فرغم الوضع المزعزع داخليا لا يزال النظام قادرا على التعامل معه بقمع البلوش، تفاديا لحدوث أي حراك مدني داخل بلوشستان وحتى هذه اللحظة هناك مئات المعتقلين وعدد كبير من البلوش تم قتلهم بتهمة التخابر مع الموساد،” يوضح البلوشي لـ”الحرة”.
ولا يستبعد البلوشي في الوقت ذاته احتمالية تحرك الجماعات البلوشية المسلحة المتمركزة في الجبال والتمدد داخل مدن بلوشستان متى سنحت لهم الفرصة المواتية خلال الأسابيع القادمة، وأُمن لهم غطاء جوي من قبل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها.
وتشير مصادر بلوشية تحدثت لـ”الحرة” إلى تعرض قواعد الحرس الثوري والمراكز الأمنية والمنشأة الاقتصادية الخاضعة للحرس وقواعد الصواريخ البالستية في مدن بلوشستان خاصة في مدينتي تشابهار وكنارك المطلتين على بحر عمان إلى ضربات أميركية إسرائيلية، وشملت الضربات الجوية قواعد ومراكز تابعة للحرس على طول الشريط الحدودي الفاصل بين إيران وباكستان، الأمر الذي يمهد الطريق أمام الأحزاب البلوشية المسلحة للتحرك ومواجهة الحرس والجيش الإيراني بريا.
ويشير الأمين العام للمؤتمر البلوشي الكندي، ظفر جاويد (Zaffar Jawaid) إلى أن البلوش قلقون من احتمال بقاء النظام في طهران بعد نهاية الحرب.
“أعمق مخاوف البلوش والقوميات المضطهدة الأخرى في إيران تكمن في احتمال امتداد الحرب وتفاقمها، لتتحول إلى حرب أهلية دامية. أو انتهاء الحرب دون سقوط النظام الحالي في طهران، حينها سنواجه نحن الأقليات العرقية وضعاً خطيراً يتمثل في التهميش والترك فريسةً للنظام، كما حدث في الماضي. وقد يفقد البلوش، وهم مجتمع مهمش، مزيدا من أراضيهم وثقافتهم وهويتهم ومواردهم لصالح النظام في طهران”، يضيف جاويد لـ”الحرة”.
وعلى نقيض الجانب الإيراني من بلوشستان، الذي يعيش حالة من الهدوء الحذر الآن، مازال الجانب الباكستاني من بلوشستان يشهد تمردا متواصلا تقوده الجماعات البلوشية المناهضة لباكستان بالتزامن مع الحرب في إيران، الأمر الذي يزيد وبحسب مراقبين ومختصين للشأن الباكستاني تحدثو لـ”الحرة” من مخاوف باكستان من توسع التمرد لديها وتمدد أي تمرد مستقبلي للبلوش في إيران إلى داخلها، وبالتالي تأسيس دولة بلوشستان الكبرى الموحدة.
“صعّدت الجماعات المتمردة في باكستان من هجماتها، وسيطرت مؤقتًا على مساحات من الأراضي، واستهدفت البنية التحتية المرتبطة بالممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وفي المقابل عسكرت الدولة الباكستانية الجانب الشرقي من بلوشستان بعمليات عسكرية أمنية واسعة النطاق، ما أسفر عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ومقتل مدنيين،” يتابع جاويد.
ولا يستبعد جاويد وسط التغييرات التي تشهدها المنطقة أن يتاح مستقبلا فرصةً للتفاهم بشأن وحدة سياسية عابرة للحدود بين شرق وغرب بلوشستان، استنادا إلى المصالح المشتركة.
وتشهد بلوشستان الشرقية الخاضعة لسيطرة باكستان تمردا مسلحا تخوضه الجماعات البلوشية المسلحة ضد الجيش الباكستاني والسيطرة الصينية على ميناء جوادر، والمشروع المعروف بالممر الصيني الباكستاني الذي يربط غرب الصين عبر باكستان بميناء جوادر وبحر عمان، وهو جزء رئيسي من مبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
ويشدد الناشط الحقوقي البلوشي، عبدالله عارف بلوشي، الى أن بلوشستان الباكستانية أساسا تعاني من اضطرابات منذ عقود، ولن تشكل بلوشستان إيران خطورة على باكستان.
“الجماعات البلوشية الايرانية الأكثر فاعلية ونشاطا دوليا هم الذين يطالبون بالفدرالية وسياستهم واضحة جدا وطرحهم أكثر عقلانية، وليس لديهم طموح بالتدخل في الجانب الباكستاني، بل هدفهم استقرار المنطقة، نعم هناك تعاطف إنساني مع البلوش وما يتعرضون له من اضطهاد في باكستان، لكن سياسات الأحزاب البلوشية واضحة جدا بشأن الوضع الباكستاني،” يضيف البلوشي.
وبحسب متابعات “الحرة” لملف البلوش في إيران وباكستان، لم تعترف الدولتان خلال السنوات الماضية بحقوق البلوش، واستمرتا في استبعادهم من المشاركة الفعالة في المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية، ومن حق إدارة مناطقهم، لكن الجانب الإيراني كان الأشد والأقسى تعاملا مع البلوش وشن حملات عسكرية لإبادتهم جماعيا، خاصة في ظل النظام الحالي الحاكم في إيران.
ويشير الأمين العام لمركز بلوشستان للدفاع عن الحقوق والدراسات، قمبر مالك، الى أن إيران وباكستان تنظران إلى نضال البلوش من منظور وحدة أراضيهم، حيث تعتبر كل دولة الحركة تهديدا لسيادتها بدلا من الاعتراف بطابعها الأصلي.
ويستعبد مالك أي تنسيق مستقبلي بين الجماعات البلوشية في إيران مع أقرانها في باكستان.
“لم تشهد الجماعات المسلحة البلوشية على جانبي بلوشستان أي تنسيق كبير في مجال الخدمات اللوجستية أو العمليات عبر الحدود في الماضي، ويبدو من غير المرجح حدوث ذلك فجأة”، يبين مالك لـ”الحرة”.
ويرى الأمين العام لمركز بلوشستان للدفاع عن الحقوق والدراسات، قمبر مالك، أن ممر بلوشستان من الممكن أن يصبح بوابة تربط بحر العرب بآسيا الوسطى الغنية بالموارد، متجاوزا نقاط الاختناق التقليدية فيما إذا تحقق الاستقرار الإقليمي، مشددا في الوقته ذاته على أن هذه الخطوة لن تتحقق دون الاعتراف بمطالب البلوش وحقهم بأراضيهم ومواردهم.
“في ظلّ البيئة الاستراتيجية الراهنة، تتزايد أهمية ممر بلوشستان. ومع ازدياد حالة عدم اليقين حول مضيق هرمز، قد تنظر القوى الدولية، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها، إلى الممر بشكل متزايد كبديل مُحتمل لتحقيق الاستقرار في طرق الطاقة والتجارة”، يضيف مالك.
وفي هذا السياق يرى مالك، أن الأهمية الاستراتيجية لممر البلوش وجذبه الاهتمام الدولي قد يساهم بتحقيق مطالب البلوش بالحكم الذاتي وحق تقرير المصير، لا سيما إذا نُظر الى هذه المطالب على أنها تتماشى مع الأهداف الأوسع نطاقًا المتمثلة في ضمان الوصول الآمن والمُستمر إلى خطوط الإمداد الحيوية.
المصدر:
الحرة