في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تفتح قضية "حق المواطنة بموجب الولادة" جبهة صراع دستوري وسياسي كبرى في الولايات المتحدة، حيث وضع الرئيس دونالد ترمب هذا المبدأ القانوني الراسخ في مرمى نيرانه، متعهدا بإنهاء العمل به عبر أمر تنفيذي في أول أيام ولايته.
وتناولت صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست هذه القضية، التي من المقرر أن تصدر فيها المحكمة العليا الأمريكية حكما غدا الأربعاء، بالتحليل والآراء.
تقول نيويورك تايمز في تقرير تحليلي لها إن الرئيس ترمب يعتمد في موقفه على قراءة قانونية مثيرة للجدل تدعي أن التعديل الرابع عشر، الذي أضيف للدستور الأمريكي في 1868، أسيء فهمه لعقود، وأن الحق في الجنسية لا ينبغي أن يُمنح تلقائيا لأبناء المهاجرين غير النظاميين أو أولئك الذين يعيشون في البلاد بصفة مؤقتة.
وأضافت أن هذا التوجه يضع ترمب في مواجهة مباشرة مع نص دستوري صريح ومع سوابق قضائية استقرت عليها المحكمة العليا منذ أكثر من قرن، مما يطرح التساؤل الجوهري حول من سينتصر في النهاية: الإرادة السياسية للرئيس أم الحصانة الدستورية؟
وأضافت تقول إن جذور الأزمة تكمن في تفسير العبارة الافتتاحية للتعديل الرابع عشر التي تنص على أن جميع الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة والخاضعين لولايتها القضائية هم مواطنون أمريكيون.
ويجادل ترمب وفريقه القانوني، وفقا لنيويورك تايمز، بأن عبارة "الخاضعين لولايتها القضائية" تتطلب ولاء سياسيا تاما لا يتوفر في المهاجرين غير القانونيين، وبالتالي لا يستحق أبناؤهم الجنسية التلقائية.
وفي المقابل، ترى الغالبية العظمى من خبراء القانون الدستوري والمؤرخين أن هذا التفسير يتناقض مع روح الدستور الذي صُمم أصلا بعد الحرب الأهلية لضمان عدم وجود فئات محرومة من الحقوق بناء على وضع آبائهم.
ومن الناحية القانونية والتاريخية، ترى الصحيفة، أن كفة الدستور تبدو هي الأرجح، خاصة بالنظر إلى قرار المحكمة الدستورية في إحدى القضايا عام 1898، والذي حسم الجدل وأقر بأن الولادة على الأراضي الأمريكية تمنح الجنسية بغض النظر عن جنسية الوالدين أو وضعهم القانوني.
ومع ذلك، تقول نيويورك تايمز، إن ترمب يراهن على "الثورة القضائية" التي أحدثها بتعيين قضاة محافظين في المحكمة العليا، آملا أن تكون هذه التركيبة الجديدة مستعدة لإعادة النظر في السوابق التاريخية وتقديم تفسير جديد يتوافق مع سياساته "المتشددة" تجاه الهجرة.
وترى نيويورك تايمز أن هذا الرهان يجعل المعركة لا تقتصر على الهجرة فحسب، بل تمتد لتشمل استقلالية القضاء وقدرته على حماية النصوص الدستورية من التقلبات السياسية.
وفي ختام تحليلها، تصف نيويورك تايمز طعن ترمب في حق المواطنة بالولادة، بأنه اختبار غير مسبوق لصلابة الدستور الأمريكي في العصر الحديث. فإذا نجح ترمب في فرض رؤيته، سيؤدي ذلك إلى خلق فئة جديدة من الأشخاص "عديمي الجنسية" داخل الولايات المتحدة، مما يغير وجه المجتمع الأمريكي بشكل جذري.
أما إذا انتصر الدستور، فسيظل مبدأ "حق المواطنة بالولادة" قائما كأحد الأعمدة التي بنيت عليها الهوية الأمريكية، مما يؤكد أن الوثيقة التأسيسية للبلاد تظل أقوى من أي طموح سياسي عابر.
وتعلق الصحيفة أيضا بأن المعركة القادمة في أروقة المحاكم لن تحدد فقط مصير آلاف الأطفال المولودين سنويا، بل ستحدد مدى قدرة الدستور على الصمود أمام محاولات إعادة التفسير الجذري التي يقودها ترمب.
أما صحيفة واشنطن بوست، فتقدم هيئة تحريرها رؤية تحليلية تتجاوز مجرد الرفض السياسي لتوجه ترمب، لتسلط الضوء على المسارات القانونية المعقدة أمام المحكمة العليا في قضية "حق المواطنة بالولادة".
ترى الصحيفة أن محاولة ترمب إلغاء هذا الحق عبر أمر تنفيذي تواجه عقبة "النصية" الصارمة؛ فالتعديل الرابع عشر للدستور صريح في منح الجنسية لكل من يولد على الأراضي الأمريكية ويخضع لولايتها القضائية.
وتفند الهيئة حجة الإدارة التي تحاول استعادة تفسيرات تاريخية قديمة تعود للعهد الملكي البريطاني للالتفاف على النص، مؤكدة أن ممارسة الحكومة لولايتها القضائية من خلال محاكمة المهاجرين غير النظاميين جنائيا هي أكبر دليل على خضوعهم ل سيادة الدولة، وبالتالي استحقاق أبنائهم للجنسية بموجب الدستور.
وترى واشنطن بوست أن المحكمة العليا أمام خيارين: إما إصدار حكم دستوري شامل يحسم القضية للأبد، أو اختيار مسار "أضيق" يركز على أن قانون الهجرة والجنسية لعام 1952 قد كرس هذا الحق بالفعل بشكل مستقل عن الدستور.
وتقول إن هذا المخرج القانوني يعني أن الرئيس لا يملك سلطة إلغاء قانون أقره الكونغرس بمجرد أمر تنفيذي، مما يجعل محاولة ترمب "التفافَة أحادية" غير قانونية.
وتشدد "واشنطن بوست" على أن مراجعة سياسة مستقرة منذ عقود تتطلب أدلة تاريخية قاطعة، وهي أدلة تراها الصحيفة غائبة أو متضاربة في الحجج التي يقدمها فريق ترمب.
وفي لفتة موضوعية، تقر هيئة التحرير بوجود انتقادات سياسية منطقية لهذا الحق، مثل كونه حافزا للهجرة غير القانونية كما هو الحال في بعض الدول الأوروبية الأكثر تقييدا.
ومع ذلك، تؤكد واشنطن بوست أن معالجة هذه الثغرات يجب أن تتم عبر التشريع في الكونغرس وليس بقرارات رئاسية منفردة.
وتختم بالقول إن انتصار الدستور في هذه المواجهة، لا يعني بالضرورة تجميد القوانين للأبد، بل يعني احترام المسار الديمقراطي والقانوني؛ فإذا أراد ترمب أو غيره تغيير قواعد المواطنة، فعليهم إقناع المشرعين أولا، بدلا من محاولة القفز فوق الدستور وتحدي السوابق القضائية الراسخة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة