آخر الأخبار

لماذا تتصدر الروايات القديمة قوائم القراءة من جديد؟

شارك

في أزمنة القلق والخوف، يفاجأ المشاهد والقارئ بهجوم الأخبار عبر الشاشات والصحف، ويضيق بالتحليلات. ويفضل البحث عن عالم مواز بعيدا عن الخبر، ليجد الرواية في انتظاره، لا يعيد قراءتها بسبب الحنين للماضي، وإنما بحثا عن معرفة عبر لغة مختلفة ومعاني أفلتت من المتابعات الاخبارية.

أكدت مؤشرات المبيعات عالميًا وعربيًا هذا التحول في سلوك القراء، إذ تصعد روايات صدرت قبل عقود إلى قوائم الأكثر مبيعا كلما اهتزّ المشهد السياسي أو الاجتماعي. إنها قراءة لفهم اللحظة التي تناولها القارئ كما لو كان يتنبأ بالمستقبل.

في عالمنا العربي تحضر "رضوى عاشور" ونجيب محفوظ والطيب صالح وأحمد خالد توفيق، وفي الغرب يبتسم جورج أوريل ساخرا بروايته 1984، ويطل ألبير كامو ومارغريت آتوود و دوستويفسكي.

وتضيف تلك العودة إلى قوائم القراءة معنى جديا للرواية، إذ تصبح سجلا للخبرة الإنسانية حين تعجز الأخبار عن تفسيرها، ولكن لماذا يشعر القرّاء أن الرواية تشرح السياسة أحيانا أكثر من خطابها الرسمي؟

من سقوط الأندلس إلى الهجرة

تتخذ الظاهرة قوامًا كثيفًا في المنطقة العربية، بحكم تداخل السياسي بالتاريخي، والهزيمة بالهوية، وتمثل بحثًا عن سرديات طويلة النفس، تفسر الخسارات الممتدة، وتكرارها اللانهائي. لذلك تتقدم رضوى عاشور الصف بـ"ثلاثية غرناطة".

تستعيد الرواية سقوط الأندلس كتجربة إنسانية طويلة الأمد، يتحلل فيها نسيج الحياة اليومية تحت ضغط القهر، وتصبح اللغة والعادات والذاكرة ساحات مقاومة صامتة.

وتشير عودة الرواية إلى حاضرة الاهتمام إلى حاجة القارئ إلى فهم معنى الهزيمة التراكمية، وإلى قراءة الحاضر كامتداد تاريخي، وليس مجرد لحظة استثنائية.

في اتجاه موازٍ، تعود رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح إلى قوائم المبيعات والقراءة في العالم العربي خلال الفترات الأخيرة، لتظهر ضمن العناوين الأكثر مبيعًا في عدد من المكتبات ودور النشر بعد معرض القاهرة الدولي للكتاب، وفق تقارير ثقافية مصرية رصدت القوائم الأسبوعية للمبيعات.

إعلان

هذا الصعود أعاد رواية صدرت عام 1966 في قلب النقاش حول الهوية والهجرة والسلطة الرمزية، وكأن الزمن أعاد فتح أسئلتها بدل أن يغلقها.

مصدر الصورة الروائية المصرية الراحلة رضوى عاشور (الجزيرة)

تدور الرواية حول صدام بين الشرق والغرب من خلال شخصية مصطفى سعيد، المثقف المهاجر الذي يحوّل تجربة السفر إلى مواجهة نفسية وثقافية، تتداخل فيها الرغبة في الاعتراف مع العنف الرمزي، ويختلط فيها الإغواء بالانتقام.

وتمنح قراءة "موسم الهجرة إلى الشمال" القارئ، اليوم، إطارًا لفهم واقع سياسي وإنساني تتكرر فيه الهجرة التي تصبح قدرًا، وتصاغ فيه -مرة أخرى- العلاقة مع الغرب في ظل ظروف غير متكافئة.

يقول الراوي في لحظة كاشفة "جئتكم غازيًا.. في قلب أوروبا"، حيث يكتسب النص معنىً جديًا تمامًا، إذ يتحول من نص "ما بعد استعماري" إلى إنتاج أسئلة الهوية والقوة والمنفى.

وتنضم رواية "الحرافيش" لنجيب محفوظ إلى المسار ذاته، فقد دارت حول الصعود والانكسار داخل المجتمع. فالحارة ليست سوى نموذج مصغّر للعالم، الذي تتبدل فيه الوجوه ويعاد فيه إنتاج السلطة والعنف والعدالة.

يطل نجيب محفوظ علينا اليوم ليعكس اهتمام القارئ بفهم منطق التحول الاجتماعي بعيدًا عن الحدث السياسي المباشر، وبالبحث عن تفسير طويل الأمد لعلاقة الناس بالقوة.

شبح الدكتاتورية والاغتراب

على المستوى العالمي، تتكرر الظاهرة نفسها مع اختلاف السياقات. في لحظات الأزمات السياسية الكبرى، لا يكتفي القرّاء بمتابعة الأخبار، بل يتجهون إلى روايات كُتبت قبل عقود، بحثًا عن لغة تفسّر الخوف والقمع وفقدان اليقين.

برزت رواية 1984 لجورج أورويل من جديد في قوائم المبيعات، لتقوم بدور المرجع والمفسر للحظة سياسية مرتبكة، وخاصة بعد تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة عام 2016 في ولايته الأولى وتصاعد الجدل حول مفهوم "الحقائق البديلة".

وقد سجّلت الرواية قفزة حادة في المبيعات؛ إذ باعت طبعة سيغنيت (Signet) وحدها 38,826 نسخة خلال يناير/كانون الثاني 2017، بزيادة بلغت 185% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات إن بي دي بوكسكان (NPD BookScan) التي نقلتها بابلشرز ويكلي (Publishers Weekly)، كما تصدّرت قوائم الأكثر مبيعًا على موقع أمازون (Amazon) خلال الفترة نفسها.

تدور الرواية في دولة شمولية تُدار بالمراقبة الدائمة، حيث تتحول اللغة إلى أداة حكم، وتستبدل الحقيقة عبر البيانات والخوف.

وتمنح قراءة رواية 1984 مفردات جاهزة تخص عالم تُمارَس فيه السلطة عبر المراقبة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتآكل الخصوصية.

وتعود رواية "الغريب" لألبير كامو باغترابها، لتفسر شعورا يطارد عالما بأسره. خلال الأسابيع الأولى من جائحة كوفيد-19 عام 2020، سجّلت الرواية صعودًا ملحوظًا في المبيعات في فرنسا وإيطاليا، ودخلت قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، وفق بيانات إيديستات (Edistat) التي نقلتها صحيفة ذا غارديان (The Guardian)، في وقت بحث فيه القرّاء عن معنى للعزلة والخوف واللامبالاة المفروضة عليهم.

مصدر الصورة الروائي السوداني الطيب صالح (الجزيرة)

كما تصعد روايته "الطاعون" إلى قوائم المبيعات مع جائحة كوفيد-19. وبدا أن القارئ رأى أنها نص يقوده إلى تفسير التجربة الجماعية للخوف والعزلة.

إعلان

في عام 2020، سجّلت الرواية قفزات كبيرة في المبيعات داخل فرنسا وإيطاليا، ودخلت قوائم الأكثر مبيعًا، وفق بيانات مؤسسة إيديستات التي نقلتها صحيفة ذا غارديان، حيث ارتفعت مبيعاتها في فرنسا بنسبة تجاوزت 300% خلال أسابيع قليلة مع بداية الإغلاق العام.

هذه العودة لم تكن مدفوعة بالبحث عن رواية عن المرض، بل عن معنى أخلاقي للكارثة.

تدور الرواية في مدينة وهران الجزائرية، التي يضربها وباء غامض، فتتحول الحياة اليومية إلى اختبار قاسٍ للضمير الإنساني.

وتعود رواية "فهرنهايت 451" لراي برادبري عودة إلى قوائم المبيعات، لتشي بقلق القراء من الرقابة على الكتب.

في عام 2022، ومع موجة قرارات حظر الكتب في مدارس ومكتبات أميركية، دخلت الرواية قوائم الأكثر مبيعًا على أمازون. هذا الصعود عكس لجوء القرّاء إلى نص كلاسيكي يفسّر الخوف من محو الذاكرة الجماعية تحت ذرائع أخلاقية أو سياسية.

وتدور الرواية في مجتمع مستقبلي تُحرَق فيه الكتب، وتُستبدل القراءة العميقة بتتدفّق سريع للمحتوى السطحي، بينما تتحول المعرفة إلى تهديد للنظام القائم.

في زمن تتراجع فيه الثقة بالمعلومة، وتُستبدل الحقيقة بالخوارزميات، يجد القارئ في الرواية تحذيرًا مبكرًا من عالم يُدار بالإلهاء لا بالقمع المباشر.

وكما قال برادبري نفسه في وصف جوهر العمل "لا ينبغي أن تحرق الكتب لتدمر الثقافة، عليك فقط أن توقف الناس عن القراءة". وتحولت "فهرنهايت 451" من رواية إلى إطار تفسيري لفهم السياسة المعاصرة في ظل الصراع على المعرفة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار