تتسارع التطورات الميدانية والسياسية في الجنوب، واضعة القرى أمام واقع شديد التعقيد والخطورة، ولعل بلدة "زوطر الغربية" تشكل اليوم نموذجاً لما يُبحث حول ما يُسمى بـ"المناطق التجريبية" لانتشار الجيش . وفي ظل التسريبات والتقارير التي تتحدث عن بنود الملحق الأمني للاتفاق الإطاري، والتي نقلت "القناة 15
الإسرائيلية " تفاصيلها، يبدو أن الفجوة تتسع بشكل هائل بين الحسابات السياسية والاتفاقيات الدولية، وبين نبض الأرض وهواجس أبنائها الصامدين، وهو ما أكدته بوضوح القراءة الميدانية الرسمية والشعبية للبلدة.
جوهر الأزمة: معادلة الأمان المفقود وبنود "الملحق الأمني"
يقوم المقترح المطروح حالياً على فكرة اختبار قدرة
الجيش اللبناني على ضبط الأمن وتفكيك البنى التحتية العسكرية في مناطق محددة كـ"خطة تجريبية". إلا أن الإشكالية الكبرى والخطيرة لا تكمن في هوية القوة الوطنية المنتشرة، بل في الصلاحيات الممنوحة للجانب
الإسرائيلي بموجب هذا الاتفاق.
وحسب ما أوردته "القناة 15 الإسرائيلية"، فإن تل أبيب لن تكتفي بالموافقة على مواقع "الخطة التجريبية"، بل إن الملحق الأمني يمنح الجيش الإسرائيلي حق "الدخول ميدانياً للتأكد والتحقق من أن الجيش اللبناني قد قام بالفعل بتفكيك البنى التحتية التابعة
حزب الله ". هذا الشرط تحديداً يسقط مفهوم السيادة تلقائياً من منظور السكان، ويحول الضمانات الأمنية إلى مجرد وعود واهية أمام عدو يمتلك تاريخاً حافلاً بالغدر والاعتداءات.
الموقف الرسمي لبلدية زوطر الغربية: تساؤلات ميدانية مشروعة
أمام هذا المشهد الضبابي، يضع رئيس بلدية زوطر الغربية، السيد عبد عزالدين، النقاط على الحروف في تصريح لـ"لبنان24" يفند فيه استحالة تطبيق هذه الصيغة ميدانياً، متسائلاً عن الجدوى والضمانات.
في ما يتعلق بالمنطقة التجريبية الأولى التي قيل إنها ستكون في زوطر الغربية، فإننا لانملك حتى الآن معلومات مؤكدة عمّا إذا كان هناك وجود أو مراكز ثابتة للجيش الإسرائيلي داخل البلدة أم لا. لكن ما نعرفه يقينًا هو أن الجيش الإسرائيلي موجود في زوطر الشرقية، ويتحرك بين الحين والآخر باتجاه زوطر الغربية، حيث يصل أحيانًا إلى الساحة العامة، وينفذ عمليات تمشيط في الشوارع والأحياء، ثم ينسحب في الوقت الذي يختاره.
لذلك، عندما يُقال إن زوطر الغربية ستكون منطقة تجريبية، يبرز سؤال أساسي: إذا كان الحديث يدور عن انسحاب إسرائيلي من زوطر الغربية، بينما لا نعرف أصلًا إن كان هناك انتشار دائم داخلها، فكيف ستُطبق هذه الخطة؟ ثم إن الطريق الرئيسية المؤدية إلى زوطر الغربية تمر عبر زوطر الشرقية، التي لا يزال الجيش الإسرائيلي موجودًا فيها. فكيف سيتمكن الأهالي من الوصول إلى بلدتهم إذا بقي هذا الواقع على حاله؟
ويضيف عبد عزالدين مسلطاً الضوء على دور الدولة والجيش والواقع الإنشائي للبلدة:
من جهة أخرى، يُقال إن الجيش اللبناني سيتولى الانتشار في المنطقة. وهنا يبرز سؤال آخر: ما هو الدور الفعلي للجيش اللبناني؟ وكيف سيتمكن من حماية الأهالي إذا عادوا إلى منازلهم وأراضيهم؟ ولا سيما أن جزءًا كبيرًا من منازل زوطر الغربية مدمر بالكامل، فيما تعرض القسم الآخر لأضرار جسيمة تجعل السكن فيه بالغ الصعوبة.
لذلك، نسأل الدولة
اللبنانية بوضوح: كيف سيدخل الأهالي إلى زوطر الغربية في حال حصل انسحاب إسرائيلي منها، إذا كانت أصلًا تحت
الاحتلال ؟
ويتابع رئيس البلدية مفنداً فرضية الطرق البديلة وثغرات الأمن اللوجستي: تتردد أيضًا معلومات عن اعتماد طريق التفافية عبر قعقعية الجسر، ومن ثم الدخول إلى زوطر الغربية من الجهة الخلفية بمحاذاة النهر.
لكن السؤال يبقى: إلى أي مدى يمكن لهذا الطريق أن يكون عمليًا وآمنًا؟ فحتى لو وُجد مدخل بديل، كيف يمكن تأمين سلامة الأهالي إذا بقيت القوات الإسرائيلية متمركزة في زوطر الشرقية، فيما البلدتان متلاصقتان جغرافيًا، وتفصل بينهما مسافات قصيرة جدًا؟ الجميع يعرف طبيعة المنطقة وتشابك شوارعها، فكيف يمكن ضمان أمن السكان في ظل هذا الواقع؟
زوطر الغربية ليست قرية معزولة، بل هي متصلة بزوطر الشرقية بشكل مباشر، والحدود بينهما تكاد تكون معدومة. فكيف يمكن السماح للأهالي بالعودة، حتى لو صدر قرار رسمي بذلك، من دون توفير الحد الأدنى من الضمانات الأمنية؟ لا يمكن تحميل الناس مسؤولية العودة في ظل هذه الظروف، ولا يمكن الاطمئنان إلى سلامتهم بينما المسافة بين البلدتين لا تتجاوز دقيقة واحدة بالسيارة. في الواقع، نحن لا نؤمّن سلامة الأهالي فحسب، بل نؤمّن أيضًا واقعًا مريحًا للجيش الإسرائيلي إذا بقي هذا الوضع قائمًا.
ويختم عبد عزالدين موقفه برفض غياب السيادة وانعدام الثقة بالطرح: هذا التفاهم، بصيغته المطروحة، لا يقدم حلولًا واقعية، ولا يعبر عن أبناء المنطقة، ولا يبدد هواجسهم. لذلك نطالب من وضع هذه الخطة بأن يشرح لنا، ميدانيًا، كيف ستُطبق المنطقة التجريبية، وكيف سيتم الانسحاب الإسرائيلي، إذا كان هناك وجود إسرائيلي أصلًا داخل زوطر الغربية.
كما يقال إن الجيش اللبناني سيدخل أولًا، وينتشر، ويجري عمليات المسح والتأكد من الوضع، قبل أن يدخل الجيش الإسرائيلي مجددًا للتثبت من الإجراءات. وهنا تتضاعف علامات الاستفهام: إذا كان الجيش الإسرائيلي سيعود للتأكد بنفسه، فأين هي الضمانات؟ وأين السيادة؟ وما هي حدود صلاحيات الجيش اللبناني في هذه الحالة؟ بصراحة، لا توجد ثقة بهذا الطرح. فكيف سيعود المواطن إلى منزله؟ وكيف سينام مطمئنًا وهو لا يعلم إن كان الجيش الإسرائيلي قد يعود في أي وقت إلى محيط منزله أو إلى داخل البلدة؟ هذه أسئلة مشروعة لا تزال بلا إجابات واضحة.
هذا الموقف الرسمي يتناغم كلياً مع الهواجس الفعلية لأبناء بلدة زوطر المنكوبة، حيث تجد إجماعاً شعبياً يرفض أن تكون دماء الناس وأمنهم حقل تجارب لاتفاقيات تنتقص من كرامتهم. وتأتي شهادات أبناء البلدة لتعكس عمق هذا المأزق الوجودي.
رفض مطلق للعيش تحت عيون الاحتلال
يختصر السيد محمد عزالدين الموقف المبدئي والجازم لأهالي البلدة بالقول: "اكيد ما حدا بيقبل يبقى بالضيعة في ظل الاحتلال. فوجود الاحتلال على بعد أمتار قليلة يلغي أي معنى للاستقرار أو الحياة الطبيعية.
يعبر السيد جعفر درويش عن قلق بنيوي ومشروع يمس أمن كل فرد وعائلته، حيث يقول: "أنا أستطيع البقاء حتى لو منزلنا لا يصلح للسكن، لكن من يضمن ألا يدخل الإسرائيلي علينا ويصنفنا من مقاتلي "حزب الله" ويأسرنا. هذا الخوف من الاعتقال التعسفي أو الاستهداف بناءً على الشبهة والمزاج الإسرائيلي هو الهاجس الأكبر الذي يمنع العائلات من التفكير في العودة..
خداع المعايير الإسرائيلية والحصار الجغرافي
يقدم السيد صلاح ياغي قراءة وميدانية شاملة تعبر عن واقع تجربة مريرة عاشها الجنوبيون، ويقول: "رغم ثقتنا بجيشنا الوطني، وانتماء عناصره وحبهم للوطن، لكن نحن أمام عدو غادر، فلا ندري من يصنف وفق معايير العدو "ارهابي"، فنحن اختبرنا وعشنا استهدافات لأشخاص الكل يعرف ان ميلهم للمقاومه بالرأي لكنهم مزارعون او صناعيون او تجار، فالاستهداف كان غير معروف السبب، ويضيف "ياغي" مسلطاً الضوء على الاستحالة الجغرافية واللوجستية للعيش في ظل هذه الشروط: "أضف إلى ذلك استحالة العيش في بلد صنفة منطقة تجريبيه لكن طرق الوصول اليها محتله، وتبقى طريق واحده تعتبر فرعيه باتجاه قعقعية الجسر وبامكان العدو الالتفاف عليها واقفالها في اي وقت. يمكننا العيش على انقاض بيوتنا اذا توفر الأمان الذي نفقده بوجود عدو غادر، واتفاق وقع من سلطه اباحت له حرية الوصول الى اي مكان.
القراءة الميدانية: جغرافيا محاصرة وسجون مفتوحة
تُظهر القراءة الدقيقة والتقاطع بين الموقف البلدي وشهادات الأهالي أن الواقع الجغرافي لبلدتي زوطر الغربية والشرقية يمنع أي إمكانية للفصل "التجريبي". فالبلدتان متلاصقتان جغرافياً والحدود بينهما شبه معدومة، وبقاء الاحتلال في زوطر الشرقية يعني السيطرة التلقائية على مدخل الغربية الأساسي.
أما فكرة الاعتماد على منفذ وحيد فرعي التفافي باتجاه "قعقعية الجسر" بمحاذاة النهر، فإنها تحول البلدة بأكملها إلى رهينة مناورة عسكرية إسرائيلية بسيطة قادرة على قطع الشريان الوحيد للبلدة وإطباق الحصار عليها في أي لحظة، مما يجعلها أشبه بسجن مفتوح.
إن أبناء الجنوب اللبناني، والذين أثبتوا عبر العقود قدرتهم الفائقة على الصمود وإعادة الإعمار والعيش فوق الأنقاض وركام المنازل المدمرة، يربطون هذا الصمود دائماً بعنصر "الأمان الحقيقي والكرامة". أما الأمان الذي يقف على مسافة أمتار من بندقية إسرائيلية تملك "حق التوغل والتحقق الميداني" بموجب ملاحق أمنية، فهو وهم لا يمكن للمواطن الجنوبي أن يأمن له على حياته وعائلته.
الخلاصة والآفاق
تؤكد المعطيات الآنية والميدانية أن نجاح أي خطة لانتشار الجيش اللبناني أو استعادة الحياة في القرى الحدودية لا يرتبط بالترتيبات العسكرية الفوقية فحسب، بل بمدى توفر بيئة آمنة ومستقرة وموثوقة للمواطنين.
وفي حالة بلدة "زوطر الغربية"، يتبين بالدليل القاطع أن الشروط المطروحة في الملحق الأمني تنسف هذه البيئة من أساسها، وتجعل من "المنطقة التجريبية" مشروعاً محكوماً بالرفض الشعبي والبلدي التام، طالما أنه يمس بالسيادة الوطنية الفعلية ويضع حياة المدنيين تحت رحمة وتصنيف العدو الغادر، من دون تقديم إجابات واضحة تطمئن المواطن الجنوبي على يومه وغده.