نظر الربُّ يسوع المسيح إلى العملة وسأل: «لِمَن هذه الصورة والكتابة؟» فقالوا له: «لقيصر». عندها قال لهم: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (مرقس 12: 16-17). جواب يسوع رسم معادلة واضحة لا تحمل أيَّ التباس. قيصر يأخذ صورته الَّتي هي العملة والربُّ يأخذ صورته الَّتي هي نحن، فهو خلقنا على صورته.
لم يزدرِ يسوع بعالم قيصر ولكنَّه في الوقت نفسه لم يمزجه مع عالمه لأنَّ الأبديَّ لا يمتزج مع الفاني. وهنا يكون خيارنا، هل نجاهد ونتوب ونسعى إلى تحقيق صورة الله فينا وبالتالي نرفعها إلى الشبه الإلهيِّ أم نسقطها لتشبه العالم الترابيَّ المليء بالشهوات الساقطة والمدمِّرة والقاتلة، والَّتي تتمحور حول عبادة الذات والأنانيَّة والكبرياء والتسلُّط والحسد والنميمة والرياء والزنى وشهوات عديدة أخرى.
مصدر الصورة
لنعود إلى ما قاله يسوع حول الله وقيصر، فهو قد أجاب قومًا مِن الفرِّيسيِّين والهيرودسيِّين الَّذين كانوا يريدون أن يصطادوه بكلمة لكي يوقعوه، فطرحوا عليه سؤالهم بعد مدحهم له قائلين إنَّه صادق ولا يحابي الوجوه ويعلِّم بالحقِّ. هذا يسمَّى الرياء الدينيَّ. هم يعرفون الكتب ولكنَّهم يستعملونها لمجدهم الخاصِّ كارهين الآخرين إن لم يكونوا أتباعًا لهم. وإذا سألنا لماذا، لكان الجواب: لم يعد الربُّ إلههم، بل جعلوا من أنفسهم آلهة وبات كلُّ واحد منهم قيصرًا يريد التسلُّط على الآخرين لتحقيق مآربهم الشخصيَّة.
هذا هو التحدِّي الكبير لا بل الأكبر، فإمَّا أن يكون الربُّ هو الأوَّل في حياتنا ومعشوقنا ومعبودنا، وإمَّا أصبحنا وثنيِّين نعبد ذواتنا. إنَّه صراع التخلِّي الَّذي دعانا الربُّ إليه منذ اللحظة الأولى للبشارة. وهو بنفسه خاض هذه التجربة في صومه الأربعينيِّ وذلك عندما حاول الشيطان إغواءه عندما أراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له: «أعطيك هذه جميعها إن خرَرْتَ وسجدتَ لي». وكان جواب الربِّ قاطعًا كالسيف: «اذهب يا شيطان! لأنَّه مكتوب: للربِّ إلهك تسجد وإيَّاه وحده تعبد» (متَّى 4: 9-10).
وحده الَّذي لا يريد شيئًا يستطيع أن يماثل جواب يسوع، أمَّا الَّذي يبتغي المناصب والممتلكات وغيرها وتكون أولويَّته في الحياة دون الربِّ فهو ساقط لا محالة.
ليس هذا بالأمر السهل بتاتًا، بل يلزمه جهاد كبير وثبات في الإيمان وتنقية متواصلة واعتراف دائم وصلاة دؤوبة وحارَّة وتمييز عميق.
الكنيسة في تاريخها و الجماعات المسيحيَّة منذ بدايتها واجهت تجربة الفصل بين الله وقيصر، بدءًا من تلاميذ الربِّ أنفسهم، فمثلًا نقرأ في إنجيل متَّى كيف تقدَّمت أمُّ زبدى مع ابنيها يوحنَّا الإنجيليِّ ويعقوب أخيه، وسجدت للربِّ وطلبت منه أن يجلس ابناها واحد عن يمينه والآخر عن يساره في ملكوته. فأجابها يسوع بأنَّ الأمر يمرُّ أوَّلًا بالاصطباغ أي الصليب أي الموت عن الذات والتخلِّي الكلِّيِّ، وثانيًا بالأكثر تواضعًا وخدمة ومحبَّة (متَّى 20: 20-24). والتلامذة الباقون لم يكونوا بعيدين عن طلب أمِّ زبدى.
يسوع قلبَ المقاييس، مَن يريد أن يكون الأوَّل يصبح الأخير ومَن لم يسعَ إلى شيء يصبح الأوَّل. هذا ما قالته والدة الإله في نشيدها: «شتَّتَ المستكبرين بفكر قلوبهم. أنزل الأعزَّاء عن الكراسيِّ ورفع المتَّضعين» (لوقا 1: 51-52)، وهذا تمامًا ما عاشته هي.
في الخلاصة، نحن نسير في زمن التوبة – التريودي – لنبلغ الموت عن الذات والقيامة المجيدة، فساعدنا يا ربُّ أن تكون أنت إلهنا الوحيد، لأنَّنا منك أتينا، ورجاؤنا أن نعود إليك، فيكون في حياتنا ما للأرض للأرض وما لك هو لك، أي نكون كلُّنا لك.
إلى الربِّ نطلب.
المصدر:
النشرة