آخر الأخبار

من احتواء إيران إلى احتواء الانهيار: كيف يرى الخليج الحرب على طهران وتداعياتها

شارك

تحركت الدول الخليجية بسرعة لمحاولة تطويق أي عملٍ عسكري واسع ضد إيران ، ولكن هذا الأمر لا يمكن فهمهفقط من خلال الرواية التي تُسوّق لفكرة أنّ طهران تمثّل "خط الدفاع الأخير" في وجه الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، بل أيضاً من خلال إدراك الكلفة الكبيرة للفوضى بحال انهيار النظام في إيران.

لم تتحرك الدول الخليجية حبّا بالنظام في إيران، إذ لا يمكن إسقاط التاريخ الطويل من الصراع والقلق الخليجيمن الدور الإيراني، فالعلاقة بين الخليج والجمهورية الاسلامية لم تكن يوماً علاقة تحالف أو تقاطعٍ استراتيجيفي مواجهة إسرائيل، بل علاقة تنافس حادّ، وصراع نفوذ،وقلق مزمن من مشروع إقليمي ترى فيه دول الخليج تهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها، إنما ما تبدل هذه المرة هو الكلفة المباشرة التي سيدفعها الخليج بحال وقعت الحرب الشاملة في المنطقة.

إذا، الخوف الخليجي من الحرب على إيران لا ينبع منالحرص على بقاء النظام فيها أو حماية "محور الممانعة"، بل من إدراك عميق أولاً للكلفة وإمكان تعرضها لضربات ايرانية تستهدف المصالح الاميركية فيها، وثانياً لكلفة الفوضى بحال سقط النظام، فإيران ليست دولة هامشية يمكن أن يمرّ انهيارها بلا ارتدادات، بل هي كيان إقليميمهم وكبير، متشابك إثنياً ومذهبياً وجغرافياً، وأي ضربة قاصمة لبنية النظام قد لا تفتح الباب أمام "إيران جديدة" هادئة، بل أمام مشهد تفكك طويل الأمد سيكون له ارتداداته، وتحول البلاد إلى ساحة صراعات داخلية مفتوحة، وهو سيناريو يضع الخليج مباشرة في مرمى التداعيات السياسية والاقتصادية، لذلك تفضل الدول الخليجية التفاوض ولو أنها تُريد من خلال التفاوض تغيير الواقع في ايران.

الفوضى، إن وقعت، لن تبقى داخل حدودها. أمن الملاحة في مضيق هرمز، أسواق الطاقة العالمية، والاستقرار الداخلي للدول الخليجية نفسها، كلها أمور ستكون عرضة للاهتزاز وهو ما سيؤثر على دول المحيط، وعلى اقتصادات مرتبطة عضوياً باستقرار الإقليم، خصوصاً أنه بالنسبة للخليجيين فإن الفوضى لا تُنتج أنظمة قابلة للتفاهم أوالردع، بل تُنجب لاعبين جدد خارج السيطرة، من جماعات مسلحة، وشبكات عابرة للحدود، تماما كما حصل في العراق، أفغانستان، ليبيا وسوريا وغيرهم.

في هذا السياق، يصبح بقاء الدولة الإيرانية، حتى بنظامها المزعج لدول الخليج، أقل كلفة بكثير من انهيارها، فهويفضل خصماً يمكنه النقاش معه والوصول الى حد أدنى من الخلاصات المشتركة.

تُدرك الدول الخليجية أن انهيار النظام والدخول في الفوضى أو الوصول إلى نظام جديد يمثل الرؤية الاميركية والاسرائيلية سيعني سيطرة اسرائيل بالتحالف مع هذا النظام الجديد على كل المنطقة، علماً أن تل ابيب تعارض الرؤية الاميركية بخصوص مستقبل ايران، فهي تفضل تقسيمها الى كيانات صغيرة تماما كما هو مشروعها لباقي دول المنطقة خصوصا الكبيرة والمؤثرة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وربما تركيا أيضاً بعد سوريا، ما يعني أن سقوط ايران بالشكل الذي تريده اسرائيل سيعني هيمنة اسرائيلية مطلقة.

أما على المستوى الأميركي، فالسؤال الحقيقي لا يدور حول إسقاط النظام بقدر ما يدور حول تغيير سلوكه. التجارب الأميركية في المنطقة، من العراق إلى ليبيا، قدّمت نموذجاً مكلفاً للفوضى الناتجة عن إسقاط الأنظمة بالقوة. لذلك تميل واشنطن، حتى في ذروة التصعيد، إلى مقاربة أقل خطورة تقوم على الضغط، والتهديد، والعقوبات، مع فتح أبواب التغيير من الداخل، لأن الهدف، كما في فنزويلا، هو إعادة توجيه بوصلة النظام السياسية في إيران، وتحجيم دورها الإقليمي والتحكم بها.

في المحصلة، التحرك الخليجي لاحتواء الحرب لا يعكس اعتبار إيران خط دفاع عن المنطقة في وجه إسرائيل، بل يعكس خوفاً وجودياً من انهيار إحدى ركائز الإقليم، فما يخشاه الخليج ليس سقوط النزام الحالي، بل سقوط "الدولة" في واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط حساسية.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا