منذ ما قبل إنطلاق حركة الاحتجاجات ، تسود حالة من الترقب في المنطقة لمسار الملف ال إيران ي، خصوصاً بعد التحولات التي كانت قد شهدتها في الأعوام الماضية، تحديداً بعد عملية " طوفان الأقصى "، حيث بات هناك قناعة قوية، خصوصاً بعد النتائج التي أفرزتها المعارك العسكرية، بأنّ هناك رغبة في إضعافها إلى الحدود القصوى، لا سيما بعد تجربة حرب الـ12 يوماً التي خاضتها إسرائيل ضدها، والتي دخل على خطها الرئيس الأميركي دونالد ترامب .
في هذا السياق، تُطرح الكثير من الأسئلة، على ضوء المواقف العلنية التي يطلقها ترامب، عما إذا كانت المواجهة العسكرية بين الجانبين باتت حتميّة، وبالتالي لم يعد هناك من فرصة للوصول إلى أيّ حلّ دبلوماسي، ما يقود إلى مجموعة أخرى من الأسئلة حول الخيارات المتاحة أمام طهران ، في حال حصول ذلك، خصوصاً أن الأخيرة لم تظهر أي مؤشرات على أنها من الممكن أن تبادر إلى تقديم تنازلات كبرى، لتفادي إحتمال المواجهة العسكرية.
أهداف ترامب
من حيث المبدأ، تذهب العديد من الأوساط السياسية، عبر "النشرة"، إلى التشديد على أن الرئيس الأميركي يُفضل الوصول إلى تسوية مع إيران، من منطلق أنه "رجل الصفقات" الذي يبحث عن الصورة التي تُظهر قدرته على إنهاء الحروب، حيث لا يتردد في العديد من المناسبات في إدعاء قدرته على إنهاء عدد من الحروب على مستوى العالم، إلا أنها في الوقت نفسه تشدد على أنه لا يمكن التكهن بالخطوات التي من الممكن أن يذهب إليها، مع لعلم أنه سبق له أن أكد أنه هو من يحدد أي قيود على صلاحياته وليس القانون الدولي أو المعاهدات، لكن الأمر يتوقّف على ما قد ينجزه من وراء ذلك.
هنا، تلفت هذه الأوساط إلى أن هوامش أي تحرك من الممكن أن يُقدم عليه مرتبطة بالواقع الإيراني، التي تبدأ من قدرة النظام على إحتواء الإحتجاجات ولا تنتهي عند إحتمال إنفتاحه على تسوية، موضحة أن إستمرار ترامب في تصعيده يعني أن طهران لم تبد، حتى الآن، الليونية التي يطمح إليها، لكن في الوقت نفسه هو، على الأرجح، غير متيقن من القدرة على توجيه ضربات عسكرية تحقّق الهدف المطلوب، على إعتبار أن طهران تملك القدرة على تحمل ذلك.
رؤية طهران
في المقابل، يبدو أن الجمهوري الاسلامية، من خلال المواقف العلنية التي تذهب إليها، تراهن على قدرتها على مواجهة التحديات الحالية، بالرغم من أن وتيرتها أعلى مما تعرضت له في الماضي، بحسب ما تشير الأوساط السياسية نفسها، لكنها توضح أن أكثر ما يثير القلق هو أن الرئيس الأميركي قد يتجه إلى المزيد من الإجراءات التي تشعل الأوضاع الداخلية، تحديداً على مستوى الضغوط الإقتصاديّة، إلا أن الأهم يبقى أنّ مواقفه العلنيّة، تشجع المحتجين على الذهاب إلى المزيد من الخطوات التصعيديّة، تحديداً على مستوى اللجوء إلى القوة، على قاعدة أن ذلك سيدفع السلطات الإيرانية إلى الرد بالمثل، وبالتالي جر البلاد إلى فوضى داخلية أو تبرير أي تدخل عسكري.
في هذا المجال، تشير هذه الأوساط إلى تركيز ترامب على معادلة جعل إيران عظيمة مرة أخرى، التي يتم الترويج على أن تكون من خلال عودتها إلى التركيز على أوضاع الداخلية، في ظل الظروف الصعبة التي تعاني منها، بالإضافة إلى الإلتحاق بالغرب.
المنطقة تغلي
من النقاط البارزة التي من الممكن التوقف عندها، على هذا الصعيد، حالة الجمود القائمة على مستوى ملفات المنطقة، حيث الجميع ينتظر ما ستؤول إليه الأوضاع في إيران، لكن الأهم هو أن غالبية القوى الإقليميّة، بعضها كان على خصومة مع إيران على مدى السنوات الماضية، ترى أن من الأفضل الذهاب إلى تسوية مع طهران، خوفاً من التداعيات التي من الممكن أن تترتب على أيّ فوضى من الممكن أن تشهدها البلاد، نظراً إلى أنها لن تبقى محصورة ضمن حدودها، في حين أن الخشية الأكبر تبقى من إحتمال شن ترامب عملية عسكرية، من الممكن أن تدفع إيران إلى الرد عسكرياً عبر ضربات تستهدف القواعد الأميركية في البلدان المجاورة، أو حتى إشعال الجبهات المختلفة مع إسرائيل.
في المقابل، تبدو تل أبيب من أكثر المتحمسين إلى الخيارات التي تقود إلى فوضى في الداخل الإيراني، سواء أدى ذلك إلى إسقاط النظام أو إلى إضعافه فقط، على إعتبار أن السيناريو الأول من الصعب تحققه بسهولة، وبالتالي الأفضل، بالنسبة لها، الفوضى التي تشغل طهران بأوضاعها الداخلية.
إحتمالات متعددة
إنطلاقاً مما تقدم، ترى الأوساط السياسية أن هناك مجموعة واسعة من الإحتمالات التي من الممكن أن تذهب إليها هذه الأزمة، حيث تشير إلى أن خيار الضربة العسكرية وارد، لكنها تلفت إلى أن ذلك قد لا يحقق هدف إسقاط النظام، نظراً إلى أنه من الصعب توقع مبادرة ترامب إلى إرسال قوات برية، على إعتبار أن هذا الإحتمال يتطلب أعداداً ضخمة، في حين أن الضربات الجوية لن تخرج عن هدف السعي إلى إضعاف النظام لا إسقاطه.
بالنسبة إلى هذه الأوساط، قد يكون الرهان الأكثر ترجيحاً، دون القدرة على الحسم، هو العمل على تأجيج الأوضاع الداخلية بشكل أكبر، مع إحتمال توجيه ضربات عسكرية محدودة تساهم في إضعاف النظام وتشجع المحتجين على المزيد من الخطوات الإضافية، وبالتالي العمل على إجباره على الذهاب، في المستقبل، إلى تسوية بشروط مختلفة، لكن السؤال يبقى عن الخيارات التي من الممكن أن تبادر إليها طهران، دون تجاهل أن العديد من الجهات الإقليمية تسعى إلى لعب دور الوساطة في هذا الملف.
المصدر:
النشرة