في توقيت مشبوه وملتبس يبدو أن اسرائيل قرّرت نقل استهدافاتها العدوانية إلى عمق المناطق الواقعة خارج نطاق اعتداءاتها المعتادة في جنوب نهر الليطاني. وخطورة هذه الاستهدافات أنها تأتي عشية جلسة
مجلس الوزراء ، الذي سيستمع فيها إلى تقرير قائد الجيش العماد رودولف هيكل عمّا أنجزه الجيش في المرحلة الأولى من الخطة العسكرية جنوب الليطاني، تمهيدا للانتقال إلى المرحلة الثانية من هذه الخطّة شمال النهر وفق ما جاءفي بيان قيادة الجيش صباح اليوم . فإسرائيل التي حالت، ، دون استكمال المرحلة الأولى في الشكل المطلوب، بسبب استمرار احتلالها للتلال الخمس، ومواصلة استباحة السيادة
اللبنانية في المناطق الواقعة تحت سيطرة نيرانها، تريد أن توحي للبنانيين بأنها ماضية في مخطّطها العدواني في جنوب الليطاني وفي شماله وفي البقاع، أو في أي منطقة تدّعي أنها قد تكون قواعد عسكرية لـ "
حزب الله "، وبالأخصّ في منطقة جزين. وكما كانت سببًا لعدم استكمال خطّة الجيش في العمق الجنوبي هكذا ستكون في الداخل الجنوبي في جزئه
الشمالي .
وهنا لا بدّ أولًا من طرح سؤال يشغل بال جميع اللبنانيين، وبالأخص أهل الجنوب بكل مناطقه وأقضيته: هل انتقلت
إسرائيل إلى ما يُسمّى بـ "المرحلة الثانية"؟
فالاستهدافات
الإسرائيلية خارج نطاق جنوب الليطاني لا يمكن التعامل معها، وفق بعض التقارير المخابراتية، على أنها حوادث معزولة في الزمان والمكان عمّا سبقها من اعتداءات. قد تكون هذه الاستهدافات إلى حدّ كبير أقرب إلى المنطق القائل بتوسيع مدروس لقواعد الاشتباك وليس إلى منطق التهويل بحرب شاملة، أي الانتقال من منطق ما يُعرف بـ "الاحتواء الجغرافي" إلى منطق الضغط المتدرّج والممنهج.
فإسرائيل، على ما يبدو، لا تبحث عن تفجير الجبهة في هذه المرحلة بالذات بقدر ما تسعى إلى تكريس واقع جديد يقوم على فرضية أن ليس هناك ما يُسمّى بـ "الخطوط الحمر" كأمر واقع جغرافي ثابت.
وقد يكون من بين الأهداف الإسرائيلية المنظورة توجيه رسالة مفادها أن عمق الساحة اللبنانية ليس محصّنًا تلقائيًا. وهذا يعني في ما يعنيه رفع كلفة فاتورة استنزاف "حزب الله"، من دون اضطرار تل أبيب للذهاب إلى مواجهة مفتوحة. وعليه فإن المراقبين العسكريين يتوقعون أن يكون
لبنان أمام مرحلة ثانية تكتيكية، لا استراتيجية شاملة بعد.
ولأن توقيت هذه الاعتداءات ليس بريئًا، فإن إسرائيل لا تقوم بأي عمل إضافي إلاّ إذا تكّونت لديها معطيات تؤشّر إلى أن وتيرة التطورات في العمق الجنوبي لم تعد تُنتج مكاسب ردعية إضافية. وهذا يعني في مكان ما أن هناك مسارًا سياسيًا – أمنيًا قد وضع على نار هادئة من شأنه أن يمهّد لمفاوضات غير مباشرة، ولكن إسرائيل تلجأ دائمًا إلى لعبة النار والبارود في محاولة منها لتحسين موقعها التفاوضي.
أمّا انتقال الجيش إلى مرحلة ثانية في شمال الليطاني بما تعنيه من تعزيز انتشاره، وضبط الواقع الأمني في هذه المنطقة، وتفعيل حضور الدولة فيُقرأ إسرائيليًا على مستويين: الأول، اختبار جدّية الدولة اللبنانية وقدرتها على الإمساك بالأرض، والثاني، محاولة استباق أي وقائع جديدة قد تُستخدم لاحقًا سياسيًا للقول إن الدولة قامت بما عليها من التزامات.
من هنا، قد يكون توسيع الاعتداءات الإسرائيلية بمثابة رسالة مزدوجة: إلى الدولة اللبنانية أولًا، وكأنها رجع لصدى كلام الرئيس الأميركي
دونالد ترامب عندما وصف خطوات الحكومة اللبنانية بأنها غير مؤاتية، وأن خطواتها غير كافية، وإلى المجتمع الدولي ثانيًا لتقول له بأن التهديد لا يقتصر على جنوب الليطاني.
ما نشهده حاليًا هو نوع من تداخل مراحل لا إعلان حرب. فإسرائيل انتقلت من مرحلة الاحتواء الصارم جنوب الليطاني إلى مرحلة الضغط المتدرج خارج هذا النطاق، مستفيدة من اللحظة السياسية – العسكرية القائمة، ومن أي تحرك رسمي لبناني تحاول استثماره أو تفريغه من مضمونه.
أما الربط بين ما تقوم به إسرائيل من اعتداءات جنوب النهر وشماله، وبين وما يقوم به الجيش من خطوات احترازية، فليس سببيًا، بل تقاطع في التوقيت ليس إلاّ، إذ أن لبنان لا يتحرّك وفق الإيقاع الاسرائيلي، ضمن معركة الاستثمار الإيجابي لعامل الوقت، خصوصًا أن تطمينات رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون جاءت في هذا السياق، مما يعني أن لا حربًا حاسمة حتى إشعار آخر، إلاّ إذا استجدّت معطيان ميدانية ليست في الحسبان.
ولعل ما يجدر التوقف عنده هو الفقرة الاساس في بيان الجيش وجاء فيها:إن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية واحتلال عدد من المواقع داخلها، وما يترافق مع ذلك من إقامة مناطق عازلة تُقيّد الوصول إلى بعض المناطق، فضلًا عن الخروقات اليومية المتواصلة لاتفاق وقف الأعمال العدائية الصادر في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، كل ذلك ينعكس سلبًا على إنجاز المهام المطلوبة، خصوصًا في جوار هذه المناطق، وبالتالي على بسط سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد قواتها المسلحة دون استثناء".