تتكرّر، عند كلّ مبادرة جديدة في الكنيسة، حالة من الجدل والالتباس، وغالبًاما تترافق مع مخاوف مشروعة أحيانًا، ومبالغ فيها أحيانًا أخرى. ويبدو أنّ أيّتعبير غير مألوف، ولا سيّما في المجال الفنّي أو الموسيقي، يُقابَل بسرعة بسؤال: هل في هذا مسّ بالمقدّسات؟ وهل ينسجم مع روح الكنيسة ورسالتها؟.
من هنا، يبدو من المفيد العودة بهدوء إلى موقف الكنيسة نفسها، بعيدًا منالانفعالات، وقبل إصدار الأحكام.
فالكنيسة، في تعليمها الرسمي، لا ترى في الفنّ عدوًّا للإيمان، بل تعتبره لغةمن لغات التعبير عن الحقيقة والجمال. وهي «تعترف أيضًا بأشكال الفنّالجديدة التي تناسب معاصرينا، وفقًا لعبقرية الأوطان والمناطق المختلفة»، وتؤكّد أنّه «لا مانع من أن تُقبل أيضًا في المعابد عندما ترفع العقل إلى الله، وتكون مطابقة لمقتضيات الطقوس» (دستور فرح ورجاء، 62). وهذا يعنيبوضوح أنّ الكنيسة تميّز بين ما هو طقسيّ له شروطه الصارمة، وبين ما هوبشرويّ أو رعويّ، يخضع لمنطق الانفتاح والتجديد.
انطلاقًا من هذا التمييز، يمكن النظر بهدوء إلى الحفل الموسيقي الدينيالذي يُحييه «الدي جايDJ » الأب غييرمي بيكسوتو في لبنان . فهذا الحدثليس احتفالًا طقسيًا، ولا يُقدَّم على أنّه جزء من الليتورجيا الكنسية، بل هو مبادرة بشرويّة تستعمل الموسيقى، بلغتها المعاصرة، كوسيلة للتواصل مع فئة واسعة من الشباب. وفي هذا الإطار، يوظّف الأب غييرمي موهبته الكهنوتية والفنّية لدمج الموسيقى الإلكترونية مع الترانيم الدينية، والنصوص المقدسة، وتعاليم الكنيسة، بهدف نقل بشرى الإنجيل بطريقة يفهمها جيل اليوم ويتفاعل معها.
هذا الأسلوب، وإن بدا جديدًا في شكله، ليس غريبًا عن تقليد الكنيسة. فالقديس أفرام السرياني، الملقّب بـ«كنّارة الروح القدس»، لم يتردّد في استخدام ألحان كانت شائعة ومحبوبة لدى الناس في زمنه، فغيّر مضامينها، وعمّدها، وجعلها في خدمة الإيمان والتعليم اللاهوتي. وكذلك فعل الأب الحبيس يوحنا الخوند، حين لجأ إلى الزجل، وهو شعر شعبي قريب من الناس، ليبسّط النصوص الدينية ويجعل الإنجيل في متناول الجميع، متنقّلًا بين القرى والمدنبفعل بشارة حيّ.
من جهة أخرى، يذكّرنا الإنجيل نفسه بأنّ يسوع لم يحصر حضوره في الأماكن “الآمنة” أو المتديّنة فقط، بل دخل بيوت العشّارين والخطأة، حيث كُتبت أجمل صفحات التوبة والعودة إلى الله. ففي بيت زكّا العشّار أعلن الخلاص، وفي بيت سمعان الفريسي قُدِّم له الطيب بمحبة صامتة. وهذا يدعونا إلى التساؤل عمّا إذا كانت بعض المبادرات اليوم، مهما بدت غير مألوفة، يمكن أنتكون أيضًا فرص لقاء وبشارة.
من هنا، قد يكون من المفيد أن نطرح الأسئلة بهدوء: ما هو الهدف؟ ما هو الإطار؟ وهل ما يحصل يمسّ بجوهر الإيمان أو بالطقس الكنسي؟ أم أنّه محاولة صادقة لاستخدام لغة جديدة للوصول إلى قلوب بعيدة أو متردّدة؟.
إنّ النقاش الهادئ، المستند إلى تعليم الكنيسة وخبرتها التاريخية، يساعدناعلى التمييز، ويحمينا من التسرّع في الأحكام. فالفنّ، متى وُضع في خدمةالرسالة، يمكن أن يكون جسرًا لا عثرة، ووسيلة لقاء لا سبب انقسام.
وفي هذا الإطار، تبقى الدعوة مفتوحة إلى قراءة هذه المبادرات بعين رعوية،ترى فيها فرصة للحوار، وللاقتراب من الإنسان المعاصر، بدل أن تكون سببًاإضافيًا للتباعد داخل الجسد الكنسي الواحد؛ فالبشارة بالإنجيل يُمكن أن تتمّ،أيضاً، خارج القوالب المألوفة!.
المصدر:
النشرة