كتب ابراهيم بيرم في" النهار": في ظل التباين المستمر، بين «الثنائي الشيعي» ورئيس الحكومة نواف سلام، من البديهي أن تشخص الأبصار إلى طبيعة العلاقة بين الثنائي ورئيس الجمهورية جوزاف عون، في مرحلة يجمع الكل على أنها مفصلية بعد مرور سنة على انتخاب
عون.
بناءً على تجربة السنة الأولى لهذه العلاقة، والتي بدأت منذ وصول عون إلى قصر بعبدا، تتحدث الدائرة الضيقة في عين التينة عن علاقة إيجابية تربط الرئيس نبيه بري بسيد قصر بعبدا الرئيس عون، فيما يفضل المأذون لهم بالكلام في حارة حريك أن يطلقوا صفة «المستقرة» على العلاقة التي تربط الحزب بعون. وبين الرأيين ثمة فوارق، ما يعني أنها ليست علاقة واحدة.خلافًا لكل علاقاته السابقة بالرؤساء الأربعة الذين توالى وصولهم إلى قصر بعبدا منذ سريان اتفاق الطائف، والتي اتسمت بالتوتر المكتوم غالبًا والمكشوف أحيانًا، والعلاقة الصدامية بالرئيس
ميشال عون ، تقول أوساط عين التينة بأريحية إن إيجابية هذه العلاقة الثابتة بين الرئاستين الأولى والثانية تبدّت بوضوح في المرحلة ما بين جلستي الحكومة في 5 آب و5 أيلول، إذ أفضت إلى تجاوز البلاد أحد الأخطار الكبرى المترتبة على نتائج «حرب الإسناد»، ومن بعدها سريان اتفاق وقف النار.
و تقاطع مرونة الرئيس عون مع توجه الرئيس
بري هو الذي ساهم في تعطيل مفعول قنبلة موقوتة من جهة، وفي التأسيس لصمام أمان من جهة أخرى، يُفَعَّل عند الحوادث الكبيرة ويبرز عند الحاجة إليه.
وفي الموازاة، فإن «حزب الله» لا يخفي رغبته في إدامة علاقته المستقرة بالرئيس عون، لكنه يتملص من مسألة نقلها إلى مستويات الثبات. ويقول مصدر في الحزب لـ«النهار» إن قنوات التواصل بين الطرفين مستمرة، لكن اللقاءات المباشرة، خصوصًا مع الرئيس نفسه أو مستشاره العميد المتقاعد أندريه رحال، تتم عند الطلب.
ويُقدّر الحزب أن عون يواجه ضغوطًا داخلية وخارجية شديدة تستعجله حسم موضوع حصر السلاح، والذهاب إلى تعزيز الوفد اللبناني إلى اجتماعات «الميكانيزم» بدبلوماسي رفضه الحزب باعتباره تنازلًا مجانيًا من دون ضمان الحصول على مكاسب وحقوق. فبدا مربكًا في البدايات، لكن الحزب تجاوز الأمر وترك لنفسه حرية مهاجمته إعلاميًا.
وبمعنى آخر، ما زال الحزب يرى أنه كان في مقدور الرئيس عون والحكومة معًا أن يتجنبا هذا المسار التنازلي «لو أنهما صمدا عند المصلحة الوطنية وأعليا شأنها»، كما يقول، خصوصًا أن الحزب يرى أن جزءًا كبيرًا من الضغوط التي تُمارس هي تهويل ومناورة تريد أن تحقق للإسرائيلي سياسيًا ما عجز عن تحقيقه في الميدان.
وكتب اسكندر خشاشو في" النهار": بعد مرور سنة على انتخاب العماد جوزف عون رئيسًا للجمهورية، بدا واضحًا أن الرجل اختار منذ اليوم الأول أن يتموضع خارج منطق الزعامة الحزبية التقليدية، وأن يدير موقع الرئاسة باعتباره مساحة توازن بين القوى السياسية، لا منصة لتحالف سياسي دائم. هذا الخيار انعكس مباشرة على شكل العلاقة التي نشأت بين بعبدا والأحزاب المسيحية الأساسية، أي «القوات اللبنانية» والكتائب و«
التيار الوطني الحر» و«
تيار المردة»، بحيث لم تتكوّن شراكات صلبة بل علاقات مرنة تتحرك تبعًا للملفات والظروف والاستحقاقات.
العلاقة مع «القوات اللبنانية» شكّلت النموذج الأوضح لهذا المسار. فـ«القوات» كانت من بين القوى التي أسهمت في توفير الغطاء السياسي المسيحي لانتخاب عون باعتباره خيارًا وسطيًا قادرًا على كسر الفراغ وإعادة تشغيل المؤسسات. غير أن هذا الدعم لم يكن قائمًا على تطابق في الرؤية، بل على تقاطع ظرفي سرعان ما بدأت تظهر حدوده.
كانت «القوات» تنتظر من العهد اندفاعة سياسية حادة في ملفات السيادة والسلاح والعلاقة مع «حزب الله»، فيما اختار الرئيس مقاربة أكثر تدرجًا تقوم على حماية الاستقرار ومنع الانزلاق إلى صدامات داخلية لا قدرة للبنان على تحملها.
هذا الاختلاف في المقاربة أنتج توترًا صامتًا تحول تدريجيًا إلى تباعد سياسي عبّرت عنه «القوات» عبر رفع سقف خطابها النقدي تجاه أداء العهد، من دون أن تذهب إلى حد القطيعة الكاملة، لأن موقع الرئاسة ما زال بالنسبة إليها جزءًا من معادلة التوازن التي لا يجوز كسرها.
أما حزب الكتائب فتعامل مع رئاسة عون منذ البداية من موقع الشريك والداعم الكامل، وابتعد عن أي نوع من الانتقاد أو توجيه الرسائل، وجعل علاقته به مباشرة. وبحسب مصدر كتائبي، يكفي عدّ زيارات النائب سامي الجميل لبعبدا وزيارات المسؤولين الآخرين للحصول على الجواب. بهذا يكون الحزب، كما عرفه اللبنانيون، إلى جانب الرئاسة قولًا وفعلًا.
في المقابل، اتسمت العلاقة مع «التيار الوطني الحر» بحساسية مضاعفة ناتجة من إرث السنوات السابقة، وخصوصًا الأخيرة التي سبقت انتخاب عون، إذ بلغ التباعد ذروته وأدى إلى عدم الاقتراع له. ورغم ذلك بقيت العلاقة محكومة بالحد الأدنى من التنسيق الدستوري والإداري، من دون أن تتحول إلى شراكة سياسية ولا إلى مواجهة مفتوحة.
أما «تيار المردة» فكان الأكثر ارتياحًا إلى هذا النموذج الرئاسي، لأنه لا يقوم أصلًا على مشروع تنافسي داخل الساحة المسيحية بقدر ما يقوم على شبكة علاقات وطنية عابرة للطوائف. لذلك نشأت بينه وبين الرئيس علاقة هادئة براغماتية تقوم على إدارة الملفات لا على بناء اصطفاف سياسي جديد.
في الخلاصة، يمكن القول إن عون يحاول أن يعيد تعريف العلاقة بين رئاسة الجمهورية والأحزاب المسيحية، من علاقة تمثيل حزبي للطائفة إلى علاقة تحكيم داخلها. هذا الخيار يمنحه دور الحكم، لكنه يحرمه في الوقت نفسه سندًا حزبيًا صلبًا في لحظة سياسية دقيقة، ويضعه في موقع التوازن الدائم بين مطالب بيئة مسيحية تريد منه مواقف أكثر حدّة، وواقع وطني يفرض عليه أن يكون رئيس تسويات لا رئيس مواجهات. هكذا تتحدد علاقة بعبدا اليوم بالأحزاب المسيحية، لا تحالفًا ولا خصومة، بل مساحة شدّ حبال مستمر يحاول فيها كل طرف تحسين موقعه، فيما يحاول الرئيس أن يحمي موقع الرئاسة من أن يتحول إلى طرف في الانقسام بدل أن يبقى مرجعية فوقه