كتب نبيل بو منصف في" النهار":تمضي السنة الأولى من عهد الرئيس اللبناني جوزف عون اليوم تحت وطأة خلاصات شديدة التناقض، يسمح بعضها بالإضاءة على الجانب الأبرز من مسار الدولة والرئاسة والمؤسسات، لجهة تفحص معايير انتظام الدولة، فيما يفرض الجانب الآخر التوقف مليًا عند المحاذير التي أظهرتها ثغرات جوهرية لا بد من مواجهتها في السنوات المقبلة من العهد.
بطبيعة الحال، سيكون المعيار الإيجابي الأساسي الأول الذي سيملي الفضاء السياسي والإعلامي في تقويم العهد، بعد سنته الأولى، متجسّدًا بمسألة ملء الفراغ الذي عانت منه رئاسة الجمهورية طويلاً قبل انتخاب رئيس هو قائد للجيش، للمرة الخامسة في تاريخ الرؤساء المنتخبين على رأس الجمهورية
اللبنانية .
لم يأخذ هذا الجانب، أي انتخاب قادة الجيش وغالبًا بعد أزمات والتباسات تتصل بتعديل الدستور أو عدم تعديله، الكثير من التركيز العام يوم انتُخب الرئيس الحالي، لأن تداعيات الفراغ الذي تمادى لأكثر من سنتين جعلت كل الاستثناءات هامشية أمام فداحة مرحلة الفراغ، وأيضًا لأن التزكية الخارجية الكبيرة، ورافعتها الأساسية
الولايات المتحدة والمملكة العربية
السعودية ، دعمت وصول عون بقوة وفرت له المظلة الداخلية الواسعة للانتخاب.
هذه المعادلة ظلت قائمة ولم تتبدل حتى الساعة، على الرغم من تبدل التكتيكات في التعامل مع الوضع اللبناني، خصوصًا الموقف الأميركي والسعودي من ملف سلاح "
حزب الله "، علماً أن الموقفين متماهيان تمامًا بعد السنة الأولى من عهده.
افتتح الرئيس عون عهده بخطاب قسم حمل تعهدات سيادية حاسمة وقياسية، تتبين معه حدود العقبات والعثرات التي تحول دون ترجمة شاملة وكاملة لتعهدات القسم، على الأقل في الجانب الأساسي الذي ملأ أولويات هذه السنة، أي ملف السلاح الشرعي المتصل جوهريًا بالحرب مع
إسرائيل .
غلب هذا الجانب على نحو ساحق على السنة الأولى من عهد عون، كما أخذ بقوة قسرية كل وهج "الحفاوة" اللبنانية العارمة بحكومة نواف سلام، بل بما كان يجب أن يترجم مصطلح "الدولة الجديدة" الناشئة مع انتخاب عون وتكليف سلام بتشكيل الحكومة الأولى في عهده.
والحال أن مجريات التعامل مع مسألة سلاح "حزب الله" حجبت أكثر من ثمانين في المئة من أزمات ومشاكل الداخل على كل المستويات، ولو أنه يمكن للعهد والحكومة الآن عرض جردة غير قصيرة بمشاريع وإنجازات تتصل بالأوضاع المالية والاقتصادية والتنموية. ولكن الحقيقة المتجردة تثبت أن إرث الحرب بين إسرائيل و"حزب الله" كاد يلتهم أولويات
لبنان برمته في السنة 2025، بدليل أن أقوى وأهم ما يمكن أن يسند إلى العهد والحكومة في هذه السنة من إنجازات يتصل بإنجاز موصوف بأنه تاريخي، وهو قرار حصرية السلاح في كل لبنان، الذي اتُخذ في آب/أغسطس من العام الفائت، ولا يزال لبنان يواجه خطر التهويل بحرب إسرائيلية متجددة بسبب عدم اكتمال تنفيذه.
الإغراق في تفاصيل وقائع السنة المنصرمة لن يردع الخشية من ظروف خارجية قد تبقي لبنان لحرب متجددة أشد تدميرًا ميدانيًا هذه المرة، ما دام معادلة حصرية السلاح بيد الدولة لم تُترجم إلا جزئيًا في جنوب الليطاني.
ستتنامى محاذير تحول الحكم إلى إدارة أزمة أكثر منها اختراق الأزمات وأشباح الحروب، وهو أمر لا يحتمله لبنان، لأن وقائع أزماته الداخلية باتت من الخطورة بما يتجاوز أخطار حرب متجددة. وتاليًا، فإن الحسم اللبناني للخلاص من ملف حصرية السلاح صار أكثر من أولوية ملزمة لأخذ لبنان إلى "الدولة الجديدة"، وعدم العودة إلى الاستنفاع في إدارة الأزمات وانتظار أقدار سيصنعها الخارج حينذاك.
وكتبت" نداء الوطن": سنة على عهد الرئيس جوزاف عون، والمشهد اللبناني محكوم بميزان الوقائع المتراكمة. سنة لم تكن سهلة على الإطلاق، مثقلة بالضغوط الداخلية والإقليمية، وبإرث ثقيل من الفوضى والانهيار على المستويات كافة، إلا أن ما يمكن تسجيله، ولو نسبيًا، هو انتقال البلاد إلى حد أدنى من الأمان السياسي والمؤسساتي. منذ خطاب القسم، وضع الرئيس عون عناوينه موضع التنفيذ، لا كشعارات، بل كمسار تراكمي: حصرية السلاح، الانفتاح على العمق العربي والمجتمع الدولي، إطلاق سلة تعيينات وفق آلية مختلفة، ضبط أمن المطار إلى حدّ بعيد، وإعادة إدراج لبنان على خارطة الاهتمام الدولي بعد سنوات من العزلة. صحيح أن الخطوات لم تكتمل، ووتيرتها لم تكن سريعة، لكن الثابت أنها كانت خطوات تأسيسية في ملف السيادة، لا سيما في الاجتماع الحكومي المفصلي في 5 و 7 آب 2025، وسط تعقيدات كبرى حالت دون تحقيق اختراقات أوسع.