في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في 8 يوليو/تموز انتهاء العمل ب مذكرة التفاهم مع طهران مجرد خطوة دبلوماسية تنهي هدنة هشّة، بل كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر الاستقرار الإقليمي ودشّنت مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة.
ففي ظرف أسابيع قليلة، تحوّل التعثر الدبلوماسي بشأن الممرات الملاحية إلى شرارة أشعلت مسارح متعددة في الشرق الأوسط، حيث انتقلت رقعة الصراع سريعا من مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى استهدافات باليستية وهجمات بالطائرات المسيّرة طالت منشآت ومصالح حيوية في كل من الأردن والسعودية والعراق.
في هذا التقرير نستعرض التسلسل الزمني لمسار التصعيد منذ لحظة إلغاء المذكرة، ونتتبع كيف أدت تشابكات الردود العسكرية وتداخل أوراق الضغط الإقليمية إلى تفجير الأوضاع في عدة ساحات عربية وصولا إلى المشهد المعقد اليوم:
في تصريح حاسم قبل انطلاق قمة حلف شمال الأطلسي ( الناتو) في العاصمة التركية أنقرة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بحضور الأمين العام للحلف مارك روته، أن مذكرة التفاهم الموقّعة مع إيران في 17 يونيو/حزيران قد "انتهت".
وكان هذا الاتفاق المؤقت لوقف إطلاق النار -والذي تم التوصل إليه بوساطة باكستان وقطر- يهدف إلى إتاحة مهلة زمنية مدتها 60 يوما لإجراء مفاوضات تمهد لاتفاق دائم، لكن المحادثات التي جرت بعد ذلك وصلت إلى طريق مسدود دون تحقيق أي تقدم ملموس.
وعلى خلفية تعرض 3 ناقلات نفط للإصابة بمقذوفات في مضيق هرمز في 7 يوليو/تموز، ألغت وزارة الخزانة الأمريكية الترخيص الاستثنائي الذي سمح لطهران -في إطار مذكرة التفاهم- ببيع النفط الخام والمنتجات البتروكيميائية والبترولية حتى 21 أغسطس/آب، مع إمهال إيران مهلة نهائية حتى 17 يوليو/تموز لتصفية وإغلاق كافة المعاملات النفطية.
ولم يتأخر التحرك الأمريكي، رغم نفي طهران مسؤوليتها عن استهداف الناقلات، إذ شنت القوات المسلحة الأمريكية سلسلة ضربات جوية استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية.
عقب إلغاء مذكرة التفاهم وتنفيذ جولتين من الضربات "الانتقامية" ضد أهداف إيرانية، فرضت إدارة ترمب شروطا جديدة ومباشرة لوقف التصعيد، إذ أبلغت واشنطن طهران عبر وسطاء إقليميين بمطلب محدد: الاعتراف العلني بفتح مضيق هرمز، والتعهد الصريح بوقف استهداف السفن التجارية.
ورافقت هذه المطالب تهديدات حادة بعواقب وخيمة، حيث صرح مسؤول أمريكي بأنه "إذا لم يكن هذا موقفهم غدا، فلن يكون يوما جيدا بالنسبة لهم"، مشيرا إلى أن واشنطن تتوقع التزاما إيرانيا بأن تكون جميع الممرات في المضيق مفتوحة ومجانية دون فرض أي رسوم.
في ذلك اليوم، أخطرت إدارة ترمب إسرائيل بإنزال العشرات من طائرات الوقود الإضافية تحسبا لتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران.
وجاء ذلك بعد عرض عدة خطط عسكرية في اجتماع بغرفة العمليات، حيث درس ترمب شن هجوم أوسع نطاقا، لإلحاق ضرر كافٍ يجبر طهران على فتح المضيق والقبول بمطالبه في الملف النووي.
وقال مسؤولون إسرائيليون إن الولايات المتحدة أرادت إرسال عشرات الطائرات الإضافية للتزود بالوقود في الأيام المقبلة، ليصل عدد الطائرات إلى نفس المستوى الذي كان عليه في بداية الحرب.
وهنا بدأ الحديث حول توسع الخيارات أمام ترمب لتتضمن قصف مرافق البنية التحتية الإيرانية مثل محطات الكهرباء، وشن هجمات إضافية على المنشآت النووية "لدفن اليورانيوم المخصب على عمق أكبر" وقصف موقع "جبل الفأس" الواقع تحت الأرض والمشتبه بأنه منشأة قيد الإنشاء.
ميدانيا، واصل الجيش الأمريكي ضرب أهداف إيرانية في مضيق هرمز والسواحل الجنوبية لليوم الخامس على التوالي، حيث قصف ما لا يقل عن 7 جسور في مدينة بندر عباس، والتي تُعد مركزا رئيسيا لعمليات الحرس الثوري الإيراني وإمداداته ونقل ذخائره نحو المضيق.
في المقابل، وردّا على الهجمات الأمريكية، وسّعت إيران نطاق استهدافاتها المباشرة، حيث صعّدت هجماتها على مواقع في الأردن والكويت والبحرين، كما ادعى الحرس الثوري مهاجمة قاعدة أمريكية في سوريا كان قد انسحب منها الجيش الأمريكي قبل أشهر.
أعلنت الولايات المتحدة إكمال الليلة الثامنة على التوالي من الضربات الجوية ضد إيران، عقب إعلانها الرسمي عن مقتل اثنين من أفراد الجيش الأمريكي في الأردن وفقد ثالث تأكد مقتله لاحقا، بالإضافة إلى مقتل جندي أمريكي آخر في شمال العراق أثناء عملية تفجير محكومة لذخيرة غير منفجرة على طائرة مسيّرة إيرانية تم إسقاطها.
وأوضحت القيادة المركزية الأمريكية أن أحدث موجات الضربات حينها استهدفت منشآت الدفاع الجوي الإيراني وأجهزة المراقبة الساحلية العسكرية في سيريك وشادغان وآبادان، بهدف إضعاف قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز وعقاب الحرس الثوري ردّا على استهداف القوات الأمريكية في الأردن.
من جانبها، نددت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهجوم أمريكي استهدف موقع محطة طاقة نووية قيد الإنشاء في دارخوين، وهو ما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تحقيقاتها جارية بشأنه.
في الوقت ذاته، شهدت الساحة الأردنية تصعيدا ميدانيا مباشرا ومكثفا إذ أطلق الجيش الأردني صفارات الإنذار وأعلن إسقاط 3 صواريخ باليستية إيرانية فوق أراضيه، ورصد الجيش الإسرائيلي إطلاق صواريخ من داخل إيران باتجاه مدينة العقبة الأردنية الواقعة على الحدود.
رافق ذلك تحرك دبلوماسي إذ استدعت الحكومة الأردنية القائم بالأعمال الإيراني رسميا للإعراب عن احتجاجها الشديد على الهجمات الأخيرة.
شهد اليومان تصعيدا دبلوماسيا كبيرا، إذ هدد ترمب بتدمير جسر إيراني أو محطة طاقة، بما في ذلك داخل طهران، في كل مرة تهاجم فيها إيران سفينة في مضيق هرمز، في مسعى لرفع الكلفة على إيران، وفق محللين.
أرسل ترمب هذا التهديد بينما يدرس كلا من وقف إطلاق النار والتصعيد العسكري الكبير، وشروطه الأساسية لوقف إطلاق النار هي أن تتوقف إيران عن هجماتها على السفن وتعيد فتح مضيق هرمز، وجاء ذلك بعد أكثر من 10 ليال من الهجمات الأمريكية المكثفة على إيران.
لكن تهديد ترمب استدعى سريعا وعيدا إيرانيا -في المقابل- بالرد بالمثل، واستهداف البنية التحتية والجسور ومنشآت الطاقة في المنطقة، إذا مضت واشنطن في تنفيذ تهديداتها، مما أنذر بانزلاق المواجهة إلى حرب مفتوحة.
وفي 23 يوليو/تموز لمح ترمب إلى أن هناك حاجة لمزيد من الضربات لدفع إيران إلى الموافقة على شروطه، وقال في خطاب ألقاه في ولاية جورجيا: "إنهم يتلقون ضربات قاسية للغاية، وهم يريدون التوصل إلى اتفاق".
وكان الرد الإيراني حينها على لسان محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، الذي قال إن مضيق هرمز "لن يعود إلى وضعه الذي كان عليه قبل الحرب".
وتابع قاليباف: "في منطقة لا نستطيع فيها بيع النفط، لن يبيع أحد النفط. وإذا لم يجرِ ضمان أمننا، فلن تكون أي بنية تحتية آمنة. إن أمن المضيق يعتمد على غياب القوات الأمريكية".
في الوقت نفسه، استمرت الضربات الأمريكية المحدودة، بينما بقيت الاتصالات الدبلوماسية قائمة، ما جعل 23 يوليو/تموز يوما جمع بين التهديد بالتصعيد الكبير والإبقاء على نافذة للتفاوض.
توقفت الضربات الجوية الأمريكية بعد 13 يوما متتاليا، وأوضح ترمب لاحقا أن هذا التوقف جاء استجابة لمطالب دول الوساطة بإعطاء فرصة للمفاوضات.
وقال ترمب إنه سيعطي فرصة محدودة للمحادثات مع إيران وإذا فشلت فإنه سيشن هجوما واسعا عليها.
غير أن تقارير صحفية أشارت إلى أن توقف الضربات الأمريكية جاء في ظل نفاد بنك الأهداف في إيران، ومخاوف من استنزاف الصواريخ والذخائر الأمريكية.
أعلن الجيش الأمريكي، عبر بيان للقيادة المركزية، اعتراض صواريخ باليستية متعددة أطلقها الحرس الثوري الإيراني باتجاه القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، في عملية وصفتها واشنطن بـ"محاولة هجوم مباغتة".
وأكد الحرس الثوري الإيراني لاحقا العملية، مشيرا إلى أنه وجّه عدة صواريخ باليستية مستهدفا قاعدة جوية أمريكية ومركز قيادة تابعا للقيادة المركزية في الأردن ردا على الإجراءات الأمريكية. وأكدت القيادة المركزية عبر منصة إكس أن جميع الصواريخ الإيرانية تم اعتراضها بنجاح دون تحديد الموقع بدقة في بيانها الأول.
من ناحية أخرى، نفذت القوات الجوية الأمريكية والسعودية ضربات مشتركة ومنسقة داخل الأراضي العراقية، إذ استهدفت المقاتلات مواقع لوجستية ومخازن أسلحة تابعة لجماعات مسلحة موالية لإيران.
وأكدت الرياض تنسيق الضربات مع القيادة المركزية الأمريكية ردّا على هجمات المسيّرات التي استهدفت منشآتها النفطية انطلاقا من أراضي العراق، مشددة على أنها لا تسعى للتصعيد ولكنها سترد على أي عدوان.
أما واشنطن، فقد حثت إيران وحلفاءها على الكف عن هذه الهجمات لتجنب المزيد من الرد العسكري.
وتظهر حركة الأحداث منذ 8 يوليو/تموز كيف بدأ الأمر بانهيار الدبلوماسية وإلغاء مذكرة التفاهم، ليتحول سريعا إلى كرة ثلج خرجت عن السيطرة، إذ لم تعد المواجهة محصورة في التوتر الملاحي داخل مضيق هرمز، بل اتسعت رقعتها فجأة لتشعل ساحات إقليمية عدة.
اليوم، بين تهديدات ترمب بقصف البنية التحتية في عمق طهران، وإصرار إيران على معادلة "العين بالعين"، يقف المشهد بالكامل على مفترق طرق حاسم بين القبول بهدنة مؤقتة أو الانزلاق نحو انفجار شامل، لتبقى الأيام القليلة المقبلة وحدها كفيلة بكشف الاتجاه الذي ستسلكه المنطقة.
المصدر:
الجزيرة