يكشف تحقيق في صناعة الصحة والعافية عن الجانب الخفي وراء بعض المكملات الغذائية ومنتجات التجميل الأكثر رواجا في الأسواق.
إذ تقف وراء مكونات مثل الكولاجين وزيت الكريل وسم النحل وسكوالين أسماك القرش سلاسل توريد عالمية تثير مخاوف بيئية وأخلاقية، في وقت يشكك فيه خبراء في قوة الأدلة العلمية التي تستند إليها بعض الوعود التسويقية.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت منتجات مثل مساحيق الكولاجين وكبسولات زيت الكريل وسيرومات سم النحل إلى عناصر أساسية في سوق الصحة والعافية، مدفوعة بترويج المشاهير والمؤثرين والانتشار الواسع للادعاءات المتعلقة بفوائدها.
لكن خلف هذه المنتجات الجذابة، توجد قصص أكثر تعقيدا تتعلق بمصادر مكوناتها وتأثير إنتاجها على البيئة والحيوانات. فبينما يهتم كثير من المستهلكين بقراءة السعرات الحرارية والمكونات المكتوبة على العبوات، فإنهم نادرا ما يبحثون عن مصدر تلك المواد أو طريقة الحصول عليها.
ويكشف التحقيق أن بعض مكونات هذه الصناعة تأتي من مناطق تمتد من أعماق المحيط الجنوبي إلى غابات الأمازون وأجزاء من القارة الإفريقية، وأن إنتاجها أثار انتقادات من جماعات حماية البيئة والرفق بالحيوان بسبب تهديده لأنواع حيوانية ونظم بيئية مختلفة.
وفي المقابل، يرى خبراء أن بعض الفوائد الصحية والتجميلية التي تُنسب إلى هذه المنتجات لا تزال تفتقر إلى أدلة علمية قوية، وأن تأثيرها قد يكون أقل بكثير مما توحي به الحملات الإعلانية.
يعد الإيجياو أحد أكثر المنتجات المثيرة للجدل في سوق المكملات الغذائية. وتُسوّق هذه المادة الهلامية الداكنة، المصنوعة من غلي جلود الحمير، على أنها تساعد في تحسين البشرة وعلاج فقر الدم وتعزيز الصحة وطول العمر. وتدخل المادة في تصنيع مكملات غذائية ومشروبات وحلويات.
ويشير خبراء إلى أن الأدلة العلمية التي تدعم كثيرا من الادعاءات الصحية المرتبطة بالإيجياو محدودة.
وقال الدكتور أنتوني بوكر، المحاضر في علم الأدوية العرقية بجامعة وستمنستر، إن الدراسات المتوفرة لا تزال ضعيفة، وإن معظم الادعاءات التسويقية لا تستند إلى أدلة كافية.
وأضاف أن عددا محدودا من التجارب السريرية يشير إلى إمكانية استخدام الإيجياو في تخفيف بعض الأعراض المرتبطة بأنواع معينة من فقر الدم، لكنه أوضح أن هذه النتائج لا تثبت تفوقه على العلاجات القياسية.
كما وصف الادعاءات المتعلقة بقدرته على علاج السرطان أو تحسين صحة القلب أو إطالة العمر بأنها غير مدعومة بأدلة علمية كافية أو مبالغ فيها.
ورغم الجدل العلمي، يواصل الطلب على الإيجياو الارتفاع. وتقدّر منظمة "بروك أكشن فور ووركينغ هورسز آند دونكي" أن نحو ستة ملايين حمار تُذبح سنويا لتوفير الجلود اللازمة لهذه الصناعة.
وتحذر المنظمة من أن استمرار هذه التجارة قد يهدد أعداد الحمير في إفريقيا، خصوصا مع تزايد اعتماد الشركات على استيراد الجلود من القارة بعد تراجع أعداد الحمير في الصين.
كما تشير جماعات حقوق الحيوان إلى أن ازدهار هذه التجارة يرتبط بزيادة سرقة الحمير وعمليات الذبح غير القانونية، ما يؤثر في المجتمعات التي تعتمد على هذه الحيوانات في النقل والعمل.
لا تقتصر المخاوف على المكملات الغذائية، إذ تواجه بعض مكونات صناعة التجميل انتقادات مماثلة، ومن أبرزها السكوالين، وهو مركب مرطب يدخل في صناعة كريمات مكافحة الشيخوخة والسيرومات وأحمر الشفاه.
ورغم أن كثيرا من الشركات أصبحت تستخدم بدائل نباتية مستخرجة من الزيتون أو قصب السكر، فإن دعاة حماية البيئة يؤكدون أن بعض المنتجات لا تزال تعتمد على السكوالين المستخرج من أسماك القرش.
وتعد أسماك قرش الغولبر من أكثر الأنواع استهدافا، بسبب احتواء أكبادها على كميات كبيرة من الزيت الغني بالسكوالين. إلا أن بطء نمو هذه الأسماك وطول فترة حياتها وقلة عدد صغارها يجعلها شديدة التأثر بالصيد الجائر.
وفي بعض المناطق، تراجعت أعداد هذه الأنواع بأكثر من 80% خلال العقدين الماضيين، ما دفع إلى إدراجها ضمن الأنواع المحمية بموجب اتفاقية التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض.
ويقدّر ناشطون أن جزءا من السكوالين المستخدم عالميا في مستحضرات التجميل لا يزال يأتي من أسماك القرش، وأن إنتاج طن واحد منه قد يتطلب صيد آلاف الأسماك.
سم النحل.. بين الوعود التجميلية والمخاوف البيئية
أصبح سم النحل مكونا شائعا في منتجات العناية بالبشرة، خصوصا الكريمات والسيرومات التي تُسوّق على أنها بديل طبيعي للبوتوكس.
ويُجمع السم باستخدام ألواح زجاجية مزودة بأسلاك كهربائية دقيقة توضع عند مدخل خلية النحل، حيث يحفز التيار الخفيف النحل على اللسع وترك قطرات السم على السطح، من دون أن يفقد حياته كما يحدث في اللسعات التقليدية.
ويقول خبراء إن جمع كميات محدودة من السم لا يبدو أنه يسبب ضررا كبيرا لخلايا النحل، لكن تأثير الإنتاج واسع النطاق لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة.
وأوضح البروفيسور نورمان كاريك من جامعة ساسكس أن جمع السم بكميات صغيرة لا يمثل مشكلة كبيرة، لكنه حذر من أن الإنتاج الصناعي المتكرر قد يؤثر في سلوك النحل الطبيعي وإنتاج العسل.
أما من الناحية التجميلية، فتظل الأدلة محدودة. وقالت الدكتورة إيما ويدجوورث، استشارية الأمراض الجلدية، إن وصف سم النحل بأنه "بوتوكس طبيعي" هو تعبير تسويقي أكثر منه وصفا علميا.
يُسوّق زيت الكريل باعتباره نسخة أكثر فخامة من زيت السمك، إذ يزعم المصنعون أنه يمتص بسهولة أكبر في الجسم ويوفر فوائد صحية متقدمة.
لكن خبراء التغذية يقولون إن الأدلة التي تثبت تفوقه على زيت السمك التقليدي لا تزال محدودة.
وأوضح دوان ميلور، أخصائي التغذية المسجل في مستشفيات جامعة ليستر التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، أن زيت الكريل يحتوي على أحماض أوميغا-3 الدهنية نفسها الموجودة في زيوت الأسماك.
وأضاف أن وجود مضادات الأكسدة في زيت الكريل قد يجعله أكثر استقرارا، لكنها تساعد أساسا في منع تحلل الزيت، ولا تعني بالضرورة الحصول على فوائد صحية إضافية.
كما أن الادعاءات المتعلقة بدعم زيت الكريل لصحة القلب والدماغ والمفاصل ليست حصرية له، إذ يمكن الحصول على فوائد مماثلة من مصادر غذائية أخرى.
لكن الجدل لا يتعلق بالفوائد الصحية فقط، إذ يثير صيد الكريل في القطب الجنوبي مخاوف بيئية. وعلى الرغم من تأكيد الجهات المعنية بإدارة مصايد الأسماك هناك أن الصيد الحالي لا يخل بالتوازن البحري، يخشى دعاة حماية البيئة من تأثير زيادة الصيد على الأنواع التي تعتمد على الكريل غذاء، مثل الحيتان والفقمات والبطاريق وبعض أنواع الأسماك.
الكولاجين.. بين فوائد محدودة وثمن بيئي مرتفع
أصبحت مكملات الكولاجين واحدة من أنجح منتجات صناعة الصحة والعافية، حيث تُسوّق باعتبارها وسيلة لتحسين مظهر التجاعيد وتعزيز صحة المفاصل والحفاظ على شباب البشرة.
لكن الخبراء يرون أن الحقيقة أكثر تعقيدا من الوعود التسويقية المنتشرة.
وقال جيمي كريستي، أخصائي الكيمياء الحيوية الغذائية في شركة "جست فيتامينز"، إن الكولاجين لا يمكن اعتباره مكونا سحريا كما يعتقد بعض المستهلكين، لكنه في الوقت نفسه ليس بلا فائدة تماما، مشيرا إلى أن الأدلة العلمية تقع بين هذين الموقفين.
ولا تقتصر التساؤلات حول الكولاجين على فوائده الصحية، إذ تمتد إلى مصدره وتأثيره البيئي.
ويُستخرج الكولاجين عادة من جلود الأسماك والخنازير والأبقار، لكن النوع البقري، وهو الأكثر شيوعا، أثار مخاوف بسبب ارتباطه بسلاسل توريد في مناطق تعاني من إزالة الغابات.
ووفق تحقيق أجراه مكتب الصحافة الاستقصائية، فإن صناعة الكولاجين البقري ترتبط بفقدان مساحات من غابات الأمازون، إضافة إلى انتهاكات بحق السكان الأصليين في البرازيل.
المصدر: ديلي ميل
المصدر:
روسيا اليوم