آخر الأخبار

واقعة "سيدة الإسكندرية"صرخة صادمة للمجتمع ضد منظومة القوانين

شارك
صورة أرشيفية رمزيةصورة من: Maya Alleruzzo/AP Photo/picture alliance

شهدت الأيام والأِشهر الماضية حوادث انتحار لسيدات مصريات بسبب معانتهن اجتماعياً واقتصادياً وأبرزهم السيدة التي أنهت حياتها في بث مباشر ما أثار صدمة واسعة في الشارع المصري، ودفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإصدار توجيهات بسرعة إعداد تشريعات للبرلمان لحماية الأسر المصرية. مع ذلك، يرى بعض الخبراء لـDW أن القوانين وحدها غير كافية، مطالبين بتغيير الخطاب المجتمعي والثقافي والديني ليكون أكثر إنصافًا للمرأة.

تعالت المطالب المصرية بتعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي يعود في أساسه إلى عام 1920ولم يعد يعكس الواقع المصري، على خلفية ما قامت به سيدة أربعينية برمي نفسها من شرفة منزلها، بعد بث مباشر استمر نحو ساعة، عبًرت خلالها عن معاناتها من ضغوط الحياة وتحملها مسؤولية طفلتيها بمفردها دون دعم. وفي أعقاب هذه الحادثة صدرت توجيهات رئاسية إلى البرلمان بتسريع إصدار حزمة من التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية، وإنشاء صندوق لدعم الأسرة، وفق وسائل إعلام مصرية رسمية، ما قد ينهي عقود من الجدل والتأجيل.

ولم تكن حادثة سيدة الإسكندرية بمعزل عن غيرها، ففي أعقاب هذه الحادثة بيوم أقدمت طبيبة مصرية على إنهاء حياتها بالقفز من الطابق الثامن في محل سكنها. وفي شهر مارس/آذار الماضي، أقدمت سيدة بإنهاء حياة نفسها وأسرتها بالكامل بعد تدهور حالتهم المادية إثر امتناع الأب عن الإنفاق.

قانون موحد لمواجهة التشتت

أكدت النائبة نشوى الشريف، عضو مجلس النواب، في حديثها لـ DW عربية، أن هناك ثلاث أولويات يجب مراعاتها عند مناقشة قانون الأحوال الشخصية الجديد. تتمثل في إعداد قانون موحد، وفتح حوار مجتمعي حقيقي يشمل جميع الأطراف، إلى جانب التركيز على قابلية تطبيق القانون على أرض الواقع.

وأضافت البرلمانية المصرية أن القوانين الحالية تعاني من عدة مشكلات أساسية أبرزها التشتت التشريعي، نتيجة وجود قوانين متعددة في فترات زمنية مختلفة إلى جانب عدم التوازن ببعض الملفات مثل "الرؤية" و "الاستضافة" و ترتيب الحضانة. كما أشارت الشريف إلى بطء إجراءات التقاضي وصعوبة تنفيذ الأحكام، خاصة فيما يتعلق بالنفقة، لذلك، شدًدت على أن الحل يكمن في إعادة صياغة شاملة تضع مصلحة الطفل في المركز.

وفيما يتعلق بجهود الدولة لدعم المرأة المعيلة، أكدت الشريف أن الدولة المصرية وفّرت عددًا من الآليات من خلال خدمات الدعم القانوني والإرشاد، وتقديم صندوق تأمين الأسرة لضمان صرف النفقة، إلى جانب دور مؤسسات مثل المجلس القومي للمرأة في التوعية والمساندة. ورغم أهمية هذه الجهود، إلا أن التحدي لا يقتصر على توفير الدعم، بل يمتد إلى ضمان وصوله في الوقت المناسب، حسب الشريف.

ضغوط النساء تكشف خلل المنظومة الأسرية

رغم غياب إحصاءات دقيقة تكشف معدلات الانتحار في مصر ، تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن مصر لاتعد من الدول ذات المعدلات المرتفعة عالميًا. ومع ذلك، تتصدر مصر الدول العربية في هذا المؤشر، إذ سجلت ما بين 3 إلى 3.4 حالات انتحار لكل 100 ألف نسمة عام 2019، بإجمالي تجاوز 3700 حالة.

اعتبرت هبة الصباحي، استشاري الصحة النفسية ورئيس مجلس أمناء مؤسسة "نبت"، في تصريحات لـDW عربية، أن حوادث الانتحار كشف بوضوح أن الأسرة لا تمثل مجرد إطار اجتماعي، بل تُعد خط الدفاع الأول للتوازن النفسي.

وترى بأن هناك تداخل لعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية لتفسير انتحار السيدات، مثل الضغوط الأسرية، ضعف الدعم النفسي، التعرض للعنف أو الابتزاز العاطفي، والشعور بالوحدة وفقدان الأمان.

وطالبت الصباحي بإعادة النظر في منظومة الدعم المقدمة للمرأة المطلقة والمعيلة، ليس فقط على المستوى الاجتماعي، بل على المستوى التشريعي أيضًا لضمان حياة كريمة بعد الطلاق، حيث تواجه أحيانًا نظرة مجتمعية ضاغطة تحد من فرصها في إعادة بناء حياتها.

وشدًدت على أن قضايا الأسرة لا يجب أن تُدار بمنطق رد الفعل عقب الأزمات، بل من خلال سياسات وقائية وتشريعية ونفسية متكاملة، تعيد التوازن للأسرة.

ضعف آليات الدعم المقدمة للنساء

تواجه أغلب المطلقات والمعيلات ضغوطا اقتصادية ومادية ، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة الأسر التي تعولها نساء قد تصل إلى 18٪ من إجمالي الأسر المصرية، وغالبًا ما تتحمل كثير من السيدات أعباء إعالة أطفالهن بمفردهن في ظل محدودية الدعم الاقتصادي.

ومن ضمن هؤلاء النساء (د.م) 30 سنة فضلت عدم الكشف عن هويتها، وهي أم لطفلين، هجرها زوجها وتركها تتحمل مسؤولية الطفلين ما اضطرها للعمل لساعات طويلة يوميًا لتأمين احتياجاتهم. ورغم لجوئها إلى القضاء للحصول على نفقة لأولادها إلا أن طليقها قدم مستندات غير حقيقية تثبت أنه عاطل عن العمل حتى لا تحصل على مقابل مادي، حسب قولها.

وأضافت لـ DW "الضغوط المتراكمة دفعتني في لحظات لضعف للتفكير في الانتحار ولكنني كنت أتراجع في كل مرة أتـذكر أنني ساترك أطفالي لوحدهم دون ظهير. وتابعت " عندما أتذكر قصة المنتحرة أتوقف طويلاً أمام فكرة الأطفال الذين يتركون خلف المأساة".

وفي هذا السياق دعت منى عزت، حقوقية ورئيس مجلس أمناء مؤسسة النون لرعاية الأسرة لـ DW إلى إنشاء صندوق لدعم الأسر الأكثر احتياجًا، يتم تمويله من خلال آليات حكومية، بهدف ضمان الحد الأدنى من الإنفاق على الأطفال، معتبرة أن الأسرة ليست شأنًا خاصًا فقط، بل قضية مجتمعية تتطلب تدخل الدولة لحماية الأطفال وضمان سلامتهم.

وانتقدت ضعف آليات الدعم المقدمة للنساء، مشيرة إلى أن بعض برامج الدعم النقدي تتوقف بمجرد عمل المرأة، رغم استمرار احتياجاتها، خاصة في حال تقاعس الزوج عن الإنفاق. وأكدت أن هذه الوقائع تستدعي مراجعة شاملة للخطاب المجتمعي والديني، بعيدًا عن تكريس السلطة الأبوية و أن فكرة امتلاك الأب للصلاحيات الكاملة لم تعد مقبولة مجتمعيًا والمطلوب التعامل بمبدأ الشراكة بين الزوجين.

وأكدت على أن استمرار الأوضاع الحالية دون تغيير في الخطاب الثقافي والمجتمعي سيؤدي إلى تكرار الانتحار وزيادة معدلات العنف الأسري.

الانتحار بين الحكم الشرعي ودور التوعية الدينية

أعادت قضية انتحار بعض السيدات مؤخراً النقاش حول مسألة التعامل الديني مع قضايا الانتحار، إذ ظهرت أصوات متشدًدة تطالب بتكفير المنتحر، وبين أصوات أخرى رافضة لهذا الطرح مؤكدة أن لكل حالة ظروفها. وجاء طرح الدكتور سعد الدين هلالي، الذى أشار إلى أن بعض صحابة نبي المسلمين وقعت منهم مثل هذه الأفعال، كمحاولة لتخفيف حدة الخطاب المتشدًد والتعامل بمنظور إنساني مع مثل هذه الحالات.

في هذا الإطار، أكد الشيخ علي المطيعي، من علماء الأزهر في حوار لـDW أن الانتحار "مُحرّم شرعًا وقد يصل إلى حد الكفر بالله". لكنه شدًد على أنه لا يجوز الحكم على الأشخاص بعينهم، نظرًا لعدم الإلمام بالظروف الإنسانية والنفسية التي يمرون بها، مؤكدًا جواز الترحم والصلاة عليهم . وأوضح أن دور المؤسسات الدينية يتركز فقط في التوعية والتوجيه، مشيرًا إلى تخصيص خطبة الجمعة للحديث عن الصبر، والتحذير من اليأس.

وأشار إلى أن المسؤولية لا تقع على عاتق المؤسسات الدينية، بل الأسرة لأنها الركيزة الأساسية في بناء الوعي، وأن غياب القيم الدينية والأخلاقية داخلها قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات بشكل أكبر.

يمكن القول أن حادثة السيدة التي أقدمت على إلقاء نفسها قد دقت ناقوس الخطر نحو أوضاع كثير من النساء المعيلات، وهناك شبه اتفاق على إعادة النظر بشكل شامل على الأبعاد القانونية والمجتمعية والدينية في منظومة الأسرة ككل. غير أن هذا الحماس القائم سيتوقف على مدى جدية الجهات المعنية في تحويل التعاطف إلى سياسات فعالة.

تحرير: ع.ج.م

تنبيه من المحرر:

الانتحار ليس حلا لأي مشكلة والحياة أجمل تحت أي ظرف. ويمكن للمرء اللجوء إلى الجهات المختصة بتقديم رعاية نفسية، أو للأقرباء أو الأشخاص الموثوق بهم للتغلب على الأفكار التي يمكن أن تدفع للإقدام على الانتحار. بعض التطبيقات والمواقع تقدم معلومات غير حقيقية.

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا