في ظل تصاعد الضغوط المعيشية وتباين التقديرات حول «الأجر العادل» القادر على مواكبة كلفة الحياة، تثار تساؤلات داخل الأوساط العمالية وأصحاب الأعمال حول مستقبل الحد الأدنى للأجور في مصر، وحدود زيادته الممكنة دون الإضرار بقدرة القطاع الخاص على الاستمرار.
وبين تقديرات تربط الأجر بمعدلات التضخم واحتياجات الأسرة الأساسية، وأخرى تحذر من كلفة الزيادات على الاستثمارات وفرص العمل، تتسع فجوة الرؤى بشأن الرقم الأقرب لتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية واستدامة النشاط الاقتصادي.
وقال علاء السقطي، رئيس اتحاد مستثمري المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وعضو المجلس القومي للأجور، في تصريحات لـ«الشروق»، إنه لابد من التفرقة بين الحد الأدنى العادل للرواتب، وبين مناسبة حد جديد لآخر سابق له، موضحًا أن الأول يضمن للعامل سداد احتياجات أسرته، بينما الثاني يراعي كلًا من العامل وصاحب العمل، في إمكانية تمويله لزيادات أجور العاملين دون الإضرار به.
وتابع السقطي أن الحد الأدنى العادل للأجور حاليًا قد يقدر بـ10 آلاف جنيه شهريًا لأسرة مكونة من 4 أفراد، مع افتراض ثبات جميع العوامل المحيطة به، كأسعار المحروقات والخدمات وثبات نسبة التضخم وغيرها، مستطردًا أنه على المستوى الفعلي، فإن هذا الرقم لن يستطيع أرباب الأعمال تدبيره، لأنه يعني زيادة الأجور المدفوعة بنسبة تقترب من 50% لكل عامل، وفق الحد الأدنى الحالي للرواتب، وهذه تكلفة كبيرة قد لا يستطيعون تحملها بمفردهم.
وأضاف أن الحد الأدنى للأجور لابد أن يرتفع بنفس مقدار زيادة التضخم، موضحًا أن هذه الزيادة تمكن المواطن فقط من البقاء في نفس المستوى الذي كان عليه عند تقاضي الأجر السابق، إلا أنها لن تحسن من مستوى معيشته، مبينًا أنه لا توجد أي نقاشات حالية داخل المجلس القومي للأجور بشأن زيادة الحد الأدنى قريبًا.
وأفاد بأنه في حال تمت زيادة الرواتب هذا العام، فإنه من الأفضل أن تقدم الحكومة حزمة حوافز لدعم أصحاب الأعمال في مواجهة نمو مصروفاتهم، وفي مقدمة ذلك، تقليص أسعار الفائدة التي يدفعونها.
وسجل معدل التغير الشهري في الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين، 1.2% في يناير 2026 مقابل 1.5% في يناير 2025 و0.2% في ديسمبر 2025. وعلى أساس سنوي، سجل معدل التضخم العام للحضر11.9% في يناير 2026 مقابل 12.3% في ديسمبر 2025 حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
بينما سجل معدل التغير الشهري في الرقم القياسي الأساسي لأسعار المستهلكين، الذي يعده البنك المركزي المصري، 1.2% في يناير 2026 مقابل 1.7% في يناير 2025 و0.2% في ديسمبر 2025. وعلى أساس سنوي، سجل معدل التضخم الأساسي 11.2% في يناير 2026 مقابل 11.8% في ديسمبر 2025.
وحددت منظمة العمل الدولية، بالتعاون مع معهد أنكر للأبحاث، في تقرير عبر موقعيهما الرسميين، أجر المعيشة المرجعي في المناطق الحضرية المصرية لعام 2025 عند 14,624 جنيه شهريًا لأسرة مكونة من 4 أفراد، وهو ما يعادل 292 دولارًا، فيما قيماه في الريف بـ10,884 جنيه (217 دولارًا)، بعد احتساب قيمة التضخم والاستقطاعات الإلزامية استنادًا إلى أحدث اللوائح الضريبية المعمول بها في البلاد.
ويعرف أجر المعيشة عالميًا بأنه مستوى الأجور اللازم لتوفير مستوى معيشي لائق للعمال وعائلاتهم، مع مراعاة ظروف البلد، ويتم حسابه بناءً على العمل الذي يتم إنجازه خلال ساعات العمل العادية.
من جانبه، يرى مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، أن الحد الأدنى للأجور ليس مجرد رقم، بل هو مجموعة من الإجراءات ترتبط بالتضخم وحد الإعفاء الضريبي، إلى جانب أسعار الخدمات الحكومية والمحروقات، علاوة على المبادرات الطبية والتمويلية، وما إلى ذلك، مشيرًا إلى أنه لا يمكن تحديد رقم معين كحد أدنى عادل للأجور، بعيدًا عن كل تلك المتعلقات.
ودعا البدوي خلال تصريحات لـ«الشروق» لمراجعة كل تلك العوامل في القريب، والوقوف بعدها على القيمة العادلة للحد الأدنى للرواتب لتطبيقه خلال 2026، مشيرًا إلى ضرورة تشديد الرقابة على شركات القطاع الخاص لمتابعة صرف الأجور المعلنة.
في السياق ذاته، قال رجل الأعمال مجدي طلبة، رئيس مجلس إدارة شركة تي آند إس للملابس، والتي يعمل بها ما يزيد عن 7500 عامل، إن الحد الأدنى العادل للأجور في الظروف الراهنة ربما يتراوح بين 8-9 آلاف جنيه في حال ثبات الأسعار الحالية، مشيرًا إلى أنه في حال تطبيقها، سيتوجب على الحكومة مساندة أصحاب الأعمال في تعويض زيادة التكلفة.
وأواخر العام الماضي، طالبت نقابة العاملين بالقطاع الخاص بضرورة دعوة المجلس القومي للأجور للانعقاد بشكل عاجل للنظر في تداعيات زيادة الأسعار، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 9 آلاف جنيه على الأقل حتى يتناسب مع مستوى المعيشة الراهن، القرار الذي جاء في أعقاب إعلان الحكومة رفع أسعار المحروقات بنسب تترواح بين 10-12%.
وشدد طلبة خلال تصريحات لـ«الشروق»، على ضرورة النظر في ضرائب كسب العمل، والتي تستمر في النمو، خاصة فيما يتعلق بالصناعات كثيفة العمالة، محذرًا من أن زيادة الأعباء المالية على أصحاب هذه الصناعات قد يتسبب في خسارة كبيرة ربما تصل إلى الإفلاس مع مرور السنوات.
وأشار إلى أن الاستثمارات الأجنبية في مصر، تحديدًا في المجالات التي تعتمد كثيرًا على العمالة اليدوية، قد تتأثر أرباحها كثيرًا بزيادة الأجور، إلى جانب الضرائب وفوائد الديون، الأمر الذي ينذر بتخارجها من السوق، ما لم تتحمل الحكومة جزءً من هذه الزيادة.
وأظهر آخر أبحاث الدخل ولإنفاق المعلنة من قبل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن 2019-2020، أن 29.7% من السكان تحت خط الفقر، فيما صرح رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في وقت قريب، بأن النسبة قد تكون ارتفعت إلى 30%، مشيرًا إلى أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي انتهجته الحكومة ساهم في زيادة معدل الفقر بشكل طفيف.
ويشار إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، وجه الحكومة اليوم، بالإعلان عن حزمة اجتماعية جديدة خلال الساعات المقبلة، وبدء تطبيقها قبل بداية شهر رمضان الكريم، بحيث تكون في صورة دعم نقدي مباشر للفئات المستحقة لمساندتها.
كما وجّه السيسي بأهمية صرف مرتبات شهر فبراير الجاري لموظفي الدولة خلال الأسبوع الحالي وقبل حلول الشهر الفضيل.
المصدر:
الشروق