وقف أحمد صالح أبو شهاب صباح اليوم في مصمص يشاهد منزله ينهار أمام عينيه بعد نحو 10 سنوات من المعركة القضائية. لم يكن ينظر إلى حجارة وإسمنت فحسب، بل إلى ذكريات وسنوات من الانتظار والأمل تتساقط مع كل جزء من البيت.
قد يكون الهدم تنفيذًا لقرار قضائي، لكن المشهد الإنساني يبقى مؤلمًا؛ رجل يقف شاهدًا على انهيار بيته، وفقدان المسكن الذي ارتبط بحياته وأسرته.
فالحق في الأرض والمسكن ليس مجرد قضية قانونية، بل قضية كرامة وانتماء وأمان إنساني.
وشهدت قرية مصمص، صباح اليوم الأربعاء، حالة من الغضب والاستياء الشعبي عقب تنفيذ أمر هدم منزل المواطن أحمد صالح أبو شهاب، وسط انتشار مكثف لقوات الشرطة التي رافقت الجرافات خلال عملية الهدم.
وبحسب المجلس المحلي طلعة عارة، فإن المنزل كان حاصلًا على تراخيص بناء قانونية و”نموذج 4” لربط الكهرباء، إلا أن “دائرة أراضي إسرائيل” ادعت ملكيتها لجزء من قسيمة الأرض المقام عليها المنزل، رغم عدم اعتراضها خلال مراحل الترخيص والبناء.
ورافق عملية الهدم توتر ميداني ومواجهات بين الشرطة والأهالي والمعتصمين، حيث أفادت مصادر محلية باستخدام القنابل الصوتية والاعتداء على عدد من المتواجدين في المكان، ما أدى إلى وقوع إصابات وحالة من الخوف والهلع، خاصة بين طلاب مدرسة مصمص الابتدائية القريبة من موقع الهدم. كما تم تسجيل أضرار في عدد من المركبات التي كانت مركونة في المنطقة.
وقال رئيس المجلس المحلي طلعة عارة، محمد جلال إغبارية، في حديث لموقع “بكرا”، إن الحديث يدور عن “حالة هدم غريبة وغير مسبوقة”، مشيرًا إلى أن المنزل كان مرخصًا بشكل قانوني وحاصلًا على “نموذج 4” من شركة الكهرباء.
وأوضح إغبارية أن دائرة أراضي إسرائيل لم تعترض على المشروع خلال إجراءات الترخيص، لكنها عادت لاحقًا وادعت أن جزءًا من الأرض يقع ضمن ملكيتها، رغم أن الحديث يدور عن مساحة واسعة كان بالإمكان إيجاد حلول تخطيطية بشأنها.
وأضاف أن المجلس المحلي عرض على دائرة أراضي إسرائيل عدة حلول خلال إعداد الخطة التفصيلية للحي، بما في ذلك تخصيص أراضٍ بديلة ضمن المنطقة نفسها مقابل الجزء المختلف عليه، إلا أن جميع المقترحات قوبلت بالرفض.
وأشار إلى أن أمر الهدم قائم منذ عام 2021، وأن العائلة لم تتقدم حينها باعتراض مباشر بسبب وجود مسار تفاوضي لحل القضية، ولأن المنزل كان مرخصًا قانونيًا. وفي الفترة الأخيرة، وبعد إبلاغ العائلة بقرب تنفيذ الهدم، توجهت إلى المحكمة التي رفضت بحث طلب تجميد التنفيذ بحجة أن أمر الهدم صدر قبل سنوات.
وأكد إغبارية أن المجلس حاول التواصل مع الشرطة ولجان التخطيط والجهات المختصة لمنع تنفيذ الهدم، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح، مضيفًا: “وصلوا اليوم، دمروا سيارات وممتلكات، نفذوا الهدم واعتقلوا أشخاصًا، في خطوة واضحة تأتي ضمن مسار تصعيدي ذي أهداف سياسية. ما حدث كارثي إلى أبعد الحدود”.
من جانبه، أصدر مركز مساواة بيانًا شديد اللهجة اعتبر فيه أن هدم منزل مرخص في مصمص يشكل “تصعيدًا خطيرًا ومقصودًا” في مرحلة تسبق انتخابات الكنيست.
وقال المركز إن المنزل حصل على جميع التراخيص القانونية اللازمة، بما في ذلك “نموذج 4”، وإن دائرة أراضي إسرائيل لم تعترض خلال مراحل الترخيص والبناء، قبل أن تدعي لاحقًا ملكيتها لجزء من الأرض.
وأضاف البيان أن هدم منزل مرخص بعد استنفاد الإجراءات القانونية يشكل سابقة خطيرة ورسالة مقلقة للمواطنين العرب، مفادها أن الالتزام بالقانون لم يعد كافيًا لحماية حقهم في السكن والأرض.
وأشار مركز مساواة إلى أن المجلس المحلي طرح عدة حلول عملية لمنع الهدم، إلا أنها لم تلق تجاوبًا من الجهات الرسمية، معتبرًا أن ذلك يعكس توجهًا نحو التصعيد بدلًا من البحث عن حلول عادلة.
وربط المركز بين ما جرى في مصمص وبين ما وصفه بتصاعد الاستهداف السياسي والمدني للمجتمع العربي، لافتًا إلى أن عملية الهدم جاءت بعد يوم واحد فقط من استدعاء رئيس لجنة المتابعة السابق محمد بركة للتحقيق على خلفية مقطع فيديو يعود إلى عام 2022.
كما أشار المركز إلى أن قضايا الأرض والمسكن وهدم المنازل كانت محورًا أساسيًا في مؤتمر المكانة القانونية للمواطنين العرب الذي عقده الأسبوع الماضي، حيث تناول المحامي حسين أبو حسين قضية منزل عائلة أبو شهاب بشكل خاص، مستعرضًا الجوانب القانونية والقضائية المرتبطة بها.
وأدان مركز مساواة ما وصفه بالعنف الذي رافق عملية الهدم ضد الأهالي والمعتصمين، محذرًا من أن هذه السياسات تنسجم مع دعوات اليمين المتطرف لتأجيج المواجهة مع المجتمع العربي.
وأكد المركز في ختام بيانه أن ما جرى في مصمص ليس حدثًا معزولًا، بل مؤشر خطير على مرحلة جديدة من التصعيد تستوجب تحركًا عاجلًا لوقف المساس بحقوق المواطنين العرب في الأرض والسكن والأمن الشخصي.
وفي أعقاب الهدم، توافد عشرات الأهالي والناشطين إلى المكان للتضامن مع العائلة، فيما أكدت اللجنة الشعبية في المنطقة مواصلة متابعة القضية ودعم العائلة التي وجدت نفسها بلا منزل بعد سنوات طويلة من الإجراءات القانونية والمساعي لإيجاد حل يمنع الوصول إلى هذا المشهد المؤلم.
وزاد من حدة الغضب والاستياء في أعقاب هدم منزل عائلة أبو شهاب، تصريح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي تفاخر بسياسة هدم المنازل، قائلًا: “خلال السنة الأخيرة هدمنا 7500 بيت في النقب وحده”. وجاءت هذه التصريحات بعد ساعات من هدم المنزل في مصمص، ما أثار انتقادات واسعة واعتبره ناشطون وقادة مجتمع عربي دليلًا على النهج المتشدد الذي تتبناه الحكومة في قضايا الأرض والمسكن
المصدر:
بكرا