آخر الأخبار

أفضل استثمار هو بناء الإنسان الواعي

شارك

أفضل استثمار هو بناء الإنسان الواعي
يمر مجتمعنا بمرحلة مصيرية وحساسة، ويواجه تحديات كبيرة تتمثل في سياسات الإجحاف والتمييز العنصري، وهدم البيوت غير المرخصة، ومحاولات اقتلاع الإنسان العربي من أرضه. وفي ظل هذه الظروف، يصبح بناء الإنسان الواعي والمثقف والمنتمي لمجتمعه من أهم الواجبات الوطنية والاجتماعية التي تقع على عاتق الأسرة والمدرسة والسلطات المحلية.
إن بناء شخصية المواطن لا يقتصر على تزويده بالمعرفة الأكاديمية فقط، بل يشمل تعليمه وتثقيفه وتوعيته، وغرس قيم الانتماء والمسؤولية والشهامة والمروءة والكرم والأخلاق الحميدة في نفسه. وتتحمل المؤسسات التربوية والتعليمية والاجتماعية، مثل المدارس ومكاتب الخدمات الاجتماعية والنفسية وغيرها، مسؤولية كبيرة في إعداد المواطن الصالح القادر على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
فالتعليم والتربية هما الأساس في بناء المجتمعات، والإنسان يشبه النبتة؛ إذا حظيت بالرعاية السليمة أعطت ثمارا طيبة وصحية. والقيم والمبادئ لا تنشأ من فراغ، بل تُغرس في شخصية الفرد منذ طفولته وفي بيئة صالحة وسليمة. وكما يقول المثل: "من شبّ على شيء شاب عليه"، لذلك فإن التربية السليمة والتوجيه الصحيح في مراحل العمر الأولى يشكلان حجر الأساس في بناء شخصية الإنسان.
وعندما ننجح في بناء الفرد بناء سليما، فإننا نكون قد وضعنا الأساس لبناء مجتمع متقدم ومتطور ومتعلم ومتعاون، بعيد عن التخلف والعصبية العائلية والطائفية والعنف والجريمة. وهذا يتطلب إصلاحا حقيقيا في منظومة التعليم، وتقوية مكانة المعلم ورفع شأنه، والاهتمام بتربية الأطفال منذ مرحلة الحضانة والروضة وحتى انتهاء المرحلة الثانوية.
ولا يمكن إنكار وجود خلل كبير في تربية قسم من أبنائنا في الوقت الحاضر. فقد تعثرنا كمجتمع في نقل جزء من موروثنا الحضاري وقيمنا الأصيلة وعاداتنا الحميدة إلى الأجيال الجديدة، كما أن هناك تقصير وإهمال من بعض الأهالي في متابعة أبنائهم وتوجيههم. ومن الطبيعي أن يكبر الطفل على ما تعود عليه، فإذا أهملت تربيته في الصغر، كبرت معه المشكلات في الكبر. وكما قيل: "من حسنت بدايته حسنت نهايته". فالجريمة والانحراف والعنف لا تنشأ من فراغ، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة تراكمات من الإهمال التربوي والاجتماعي.
ومن هنا، فإن على السلطات المحلية، من خلال أذرعها الاجتماعية والتربوية، أن تقوم بدور أكبر في دعم العائلات محدودة المعرفة والثقافة، ومساندة الأسر المفككة التي تعاني من صعوبات في تربية أبنائها. ويجب أن تعمل مكاتب الخدمات الاجتماعية والمدارس والمختصون التربويون على إعداد برامج توجيهية وتربوية للأهالي والأطفال، وأن توفر بيئة آمنة وصحية تساعد على تنشئة الأجيال الجديدة تنشئة سليمة.
كما ينبغي الاهتمام بالحضانات ورياض الأطفال، ومراقبة أدائها وتطوير برامجها التربوية والتعليمية، لأن السنوات الأولى من عمر الطفل هي المرحلة الأهم في تكوين شخصيته وغرس القيم والسلوكيات الإيجابية فيه. حماية الطفل وتنشئته السليمة ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع بأسره.
إن الاستثمار الحقيقي لأي مجتمع ليس في الحجر أو المشاريع العمرانية فحسب، بل في الإنسان نفسه. فبناء الإنسان الواعي والمتعلم وصاحب القيم والأخلاق هو الطريق الأقصر نحو مجتمع آمن ومتقدم ومتماسك. وإذا نجحنا في تربية أبنائنا وتعليمهم وتأهيلهم بصورة صحيحة، فإننا سنخطوa خطوة كبيرة نحو الحد من العنف والجريمة، وتعزيز روح التعاون والانتماء، وصناعة مستقبل أفضل لأبنائنا وأحفادنا.
فبناء الإنسان هو بناء للوطن، وبناء الأجيال هو الضمانة الحقيقية لمستقبل أكثر عدلا وأمنا وازدهارا.
الدكتور صالح نجيدات

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا