آخر الأخبار

مطلوب بناء الوطن العربي من جديد على أسس ديمقراطية بعيدا عن الأنظمة العشائرية الفاسدة

شارك

يمر الوطن العربي منذ عقود طويلة بحالة من الضعف والتراجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حتى أصبح عاجزا عن مواكبة تطور الأمم والشعوب المتقدمة. والسبب الرئيس في ذلك يعود إلى طبيعة الأنظمة السياسية التي حكمت المنطقة، والتي قامت في كثير من الأحيان على أسس عشائرية وقبلية ضيقة، بعيدة عن مفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة والعدالة والمشاركة الشعبية.

لقد أهملت الأنظمة العشائرية والقبلية في العديد من البلدان العربية شؤون شعوبها وأوطانها، وركزت اهتمامها على حماية مصالحها الخاصة والحفاظ على سلطتها. وفي سبيل ذلك لم تتردد هذه الأنظمة في التعاون مع القوى الاستعمارية والارتهان لها، طلباً للحماية وضمانا لاستمرار الحكم. ونتيجة لذلك بقيت أجزاء من الوطن العربي تحت النفوذ الأجنبي وتحت تأثير القواعد العسكرية الأجنبية، الأمر الذي أضعف سيادة الدول العربية وقيد قدرتها على اتخاذ قراراتها بحرية واستقلال , واستغلت القوى الاستعمارية هذا الوضع واستغلت ثرواتها واصبحت هذه الانظمة العشائرية خادمه وحامية لمصلحة الاستعمار على حساب شعوبها.

في ظل هذه الأنظمة الفاسدة، تراجع مفهوم الهوية الوطنية ، وبرز بدلا منها خطاب ديني ومذهبي وطائفي أصبح عند البعض هوية بديلة عن هوية الوطن . فبدلا من أن يكون الوطن هو الجامع المشترك لكل أبنائه على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم ، أصبح بعض الناس يربطون الوطن بالحاكم أو بالنظام السياسي القائم. والحقيقة أن الوطن أكبر من أي نظام سياسي؛ فهو البيت الدافئ الذي يحتضن الجميع، وبدونه لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش بأمن واستقرار.

إن من يخون وطنه أو يسعى إلى تخريبه إنما يشبه من يهدم بيته بيده. فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو مستقبل أبنائنا واجيالنا القادمة. وكل عمل يضعف الدولة أو يهدد استقرارها ينعكس سلباً على مصالح المواطنين وعلى مستقبل أولادهم وحياتهم الكريمة.

إن انتشار التيارات الدينية المتشددة والمذهبية والطائفية المتصارعة يشكل خطرا حقيقيا على وحدة الوطن العربي الكبير واستقراره. فهذه التيارات عندما تتحول إلى أدوات للصراع السياسي تؤدي إلى تمزيق المجتمعات وإثارة الفتن بين أبناء الشعب الواحد، مما يهدد السلم الأهلي ويقوض أسس الدولة.

لقد أدى وجود الأنظمة الفاسدة والصراعات المذهبية والطائفية إلى اندلاع العديد من الحروب الأهلية في العالم العربي خلال العقود الخمسة الماضية . هذه الحروب احدثت جرحا نفسيا عميقا في النفوس ودمرت المدن والقرى، وخربت المدارس والجامعات، وأنتجت أجيالاً تعاني من ضعف التعليم وانتشار الأمية، مما أعاد كثيراً من المجتمعات العربية سنوات طويلة إلى الوراء و أعاق تقدمها.

إن كثيرا من القيادات العربية منذ مرحلة الاستقلال وحتى اليوم لم تكن مؤهلة بالقدر الكافي لقيادة شعوبها نحو بناء دول حديثة ومتطورة. ولذلك أصبح من الضروري إحداث تغيير حقيقي في بنية الحكم من خلال بناء أنظمة ديمقراطية حديثة تقوم على احترام إرادة الشعوب، وسيادة القانون، والمساواة بين المواطنين، وتكافؤ الفرص.

إن بناء وطن عربي قوي ومتقدم يتطلب إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية تهتم بالإنسان قبل كل شيء، وتضع مصلحة الوطن والمواطن فوق أي مصلحة أخرى. كما يتطلب صهر كل القوميات والاعراق في قالب المواطنة الصالحة وتعزيز مفهوم المواطنة والانتماء للوطن ، ونبذ الطائفية والعصبية، والاهتمام بالتعليم والعلم والتنمية.

فالأمم لا تتقدم إلا عندما تحترم شعوبها، وتمنحها الحرية والعدالة والفرصة للمشاركة في بناء مستقبلها. وعندها فقط يستطيع الوطن العربي أن يستعيد عافيته ويلحق بركب الشعوب المتقدمة، ويمنح أبناءه الحياة الكريمة التي يستحقونها.

الدكتور صالح نجيدات

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا