آخر الأخبار

القوة وحدها لا تكفي/ بقلم: محمّد دراوشة

شارك

في عالمٍ يزداد اضطرابًا، يبدو أن صوت السلاح يعلو على كل الأصوات. جيوش تتحرك، تحالفات تتبدل، وصواريخ تُطلق في سماءٍ أنهكتها الحروب. ومع ذلك، ورغم كل هذا الضجيج، يظل سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح: هل تكفي القوة وحدها لصناعة مستقبل آمن ومستقر؟

التجربة الإنسانية، قبل التجربة السياسية، تقول بوضوح إن القوة قد تُسكت خصمًا، لكنها لا تُقنع شعبًا. قد تُسقط نظامًا، لكنها لا تبني دولة. قد تفرض واقعًا، لكنها لا تصنع شرعية.
لقد رأينا ذلك في العراق، وفي ليبيا، وفي سوريا، وفي اليمن. رأينا كيف يمكن للحرب أن تفتح الباب، لكنها تعجز عن بناء البيت. وكيف يمكن للقوة أن تُحدث تغييرًا سريعًا، لكنها تفشل في تحويله إلى استقرار طويل الأمد.

اليوم، ومع تصاعد التوترات بين قوى إقليمية ودولية، تتكرر الدعوات في الدول القوية إلى “الحسم العسكري” وكأن التاريخ لم يترك لنا ما يكفي من الدروس. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الحروب لا تنتهي عند آخر صاروخ، بل عند أول اتفاق سياسي.
فالسلاح، مهما كان متطورًا، لا يستطيع أن يجيب عن سؤال: ماذا بعد؟

المعضلة ليست في امتلاك القوة، بل في غياب الرؤية التي تُرشد استخدامها.
القوة بلا رؤية تتحول إلى فوضى. والسلاح بلا مشروع سياسي يتحول إلى عبء. والنصر العسكري بلا خطة لما بعده يتحول إلى بداية أزمة جديدة، لا نهاية أزمة قديمة.

إن أي مواجهة، مهما كانت نتائجها، ستبقى ناقصة ما لم تُرفق بخطة سياسية واضحة، تُحدد شكل اليوم التالي، وتمنع الانزلاق إلى فراغ أو فوضى. وهذا ما أثبتته كل التجارب الحديثة: لا يمكن لأي قوة أن تفرض استقرارًا لا يستند إلى عدالة سياسية.

وهنا يظهر الملف الفلسطيني. فلا يمكن الحديث عن استقرار إقليمي دون التطرق إلى القضية الفلسطينية، التي تُعدّ الجرح المفتوح الأقدم في المنطقة.
فكل محاولة لبناء شرق أوسط جديد، أو هندسة توازنات جديدة، أو صياغة تحالفات جديدة، ستظل ناقصة ما لم يُوضع هذا الملف على الطاولة بجدية، وبشجاعة، وبإرادة حقيقية للحل.

القضية الفلسطينية ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه، ولا ملفًا يمكن تأجيله، ولا أزمة يمكن إدارتها إلى ما لا نهاية. إنها مفتاح الاستقرار، وغياب حل عادل لها يعني بقاء المنطقة في دائرة التوتر مهما تغيّرت التحالفات أو تبدّلت موازين القوى.

فلا يمكن لأي قوة عسكرية، مهما بلغت، أن تُلغي حقيقة أن هناك شعبًا يسعى إلى الحرية، وإلى تقرير مصيره، وإلى حياة كريمة على أرضه.
ولا يمكن لأي ترتيبات إقليمية أن تنجح إذا تجاهلت هذا الحق، أو حاولت الالتفاف عليه.

إن مستقبل المنطقة لن يُكتب بالصواريخ، بل بالاتفاقات، ولن يُصاغ بالتحالفات العسكرية، بل بالتفاهمات السياسية، ولن يتحقق بالردع وحده، بل بالعدالة. القوة قد تمنع حربًا، لكنها لا تصنع سلامًا. والسلاح قد يحقق توازنًا، لكنه لا يحقق استقرارًا. أما الاستقرار الحقيقي، فلا يتحقق إلا عندما يشعر كل طرف أن له مكانًا في المستقبل، وأن حقوقه معترف بها، وأن صوته مسموع.

ختامًا، القوة بلا رؤية تتحول إلى فوضى، والردع بلا عدالة يتحول إلى قنبلة موقوتة. إن المنطقة بحاجة إلى شجاعة سياسية لا تقل عن الشجاعة العسكرية.
بحاجة إلى رؤية تُنهي الصراعات بدل أن تُديرها. وبحاجة إلى إرادة تُعيد الملف الفلسطيني إلى مركز الطاولة، لا إلى هامشها. فالقوة قد تفتح الطريق، لكن السياسة وحدها هي التي تُحدد إلى أين نمضي.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا