تشير المعطيات السياسية داخل إسرائيل إلى أن الحروب المتكررة التي خاضتها الحكومات الإسرائيلية خلال العقدين الأخيرين، وخصوصاً في عهد نتنياهو ، أدت إلى ما يمكن تسميته في علم السياسة بظاهرة “تطبيع الحرب” داخل المجال العام الإسرائيلي. أي أن المواجهات العسكرية، حتى عندما تُقدَّم بوصفها إنجازات أو “انتصارات تكتيكية”، لم تعد تمتلك القدرة نفسها على إحداث تحولات عميقة في الرأي العام أو في السلوك الانتخابي.
في العقود السابقة، كان النجاح العسكري يُترجم غالباً إلى رأس مال سياسي يعزز موقع القيادة الحاكمة. غير أن تكرار جولات القتال في غزة ولبنان وسوريا، إضافة إلى التوترات المستمرة مع إيران، أدى إلى حالة من الإشباع الأمني لدى المجتمع الإسرائيلي. بمعنى أن الجمهور بات يتعامل مع العمليات العسكرية بوصفها جزءاً من الروتين الاستراتيجي للدولة، وليس حدثاً استثنائياً قادراً على إعادة تشكيل المشهد السياسي.
من هذا المنظور، حتى لو وصلت المواجهة مع ايران إلى تحقيق أقصى أهدافها العسكرية المحتملة، فمن غير المرجح أن ينعكس ذلك بصورة حاسمة على الخريطة الانتخابية في إسرائيل. فالتجربة السياسية تشير إلى أن الناخب الإسرائيلي أصبح يفصل بشكل متزايد بين الإنجاز العسكري والحكم السياسي الداخلي، حيث تُحدد خياراته الانتخابية بعوامل أخرى مثل الاقتصاد، والأزمات الداخلية، والانقسام الاجتماعي، وأداء الحكومة في القضايا المدنية.
وعليه، يمكن القول إن أي نجاح عسكري محتمل قد يمنح حكومة دفعة سياسية مؤقتة في الخطاب العام، لكنه على الأرجح لن يؤدي إلى تحول بنيوي في موازين القوى الحزبية. بل إن الاحتمال الأكبر هو أن يصل كل من نتنياهو والمجتمع الإسرائيلي سريعاً إلى إدراك أن هذه المواجهة، مثل غيرها من المواجهات السابقة، لن تغيّر جوهرياً اتجاهات التصويت أو طبيعة الاستقطاب السياسي القائم.
بعبارة أخرى، لقد تحولت الحرب في الوعي السياسي الإسرائيلي من حدث استثنائي يغير السياسة إلى أداة اعتيادية ضمن إدارة الصراع، وهو تحول يحدّ بشكل واضح من قدرتها على إعادة تشكيل الخارطة السياسية.
المصدر:
كل العرب