تتراجع في برلين مظاهر الحياة اليهودية العلنية، مثل ارتداء الكيباه، بسبب الحوادث المعادية للسامية.صورة من: Michele Tantussi/AFP/Getty Images

فاز حزب اليسار في انتخابات مجلس نواب العاصمة الألمانية برلين ، والتي جرت في 20 أيلول/سبتمبر الماضي. وبحصوله على نحو 26 بالمائة من الأصوات فقد تفوق حزب اليسار بوضوح على الحزب المسيحي الديمقراطي، الذي حصل على أقل بقليل من 19 بالمائة. وهذا يزيد من فرص تولي مرشحة حزب اليسار الرئيسية، إليف إيرالب منصب عمدة برلين - وهذا يمثل لحزبها إنجازًا غير مسبوق.

حملة انتخابية مع مغني راب معادٍ للسامية

جرت يوم الخميس (الأول من تشرين الأول/أكتوبر) محادثات أولية بين حزب اليسار وكل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي و حزب الخضر من أجل تجاوز أكبر عقبة محتملة في طريق تشكيل ائتلاف حكومي: أي إقرار واضح من حزب اليسار بمعارضته معاداة السامية وإدانتها. وذلك بسبب وجود شكوك تحوم حول مصداقية حزب اليسار وممثليه في حماية الحياة اليهودية في ألمانيا.

لقد تصدّر خلال حملة حزب اليسار الانتخابية ظهور مغني راب معادٍ للسامية عناوين الأخبار وأثار غضبًا واسعًا. وبعد فوزه في الانتخابات أقام حفلًا انتخابيًا حضره زعيم عشيرة كان متورطًا في العديد من الجرام الجنائية الخطيرة. وقد نفى قادة حزب اليسار علاقتهم بهذا الشخص، سواء على المستوى الاتحادي أو مستوى الولايات.

المجلس المركزي لليهود في ألمانيا: "حزب اليسار غير جدير بالثقة"

ومن جانبه يرى جوزيف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا ، أن ردود فعل حزب اليسار هي مجرد كلام فارغ، حيث قال في بيان صحفي نُشر بعد يومين من الانتخابات: "حزب اليسار لم يعد يملك مصداقية في مكافحة كراهية اليهود ومعاداة السامية، التي يتسامح مع وجودها داخل صفوفه ويتركها تنتشر بحرية". كما ناشد شوستر بصراحة الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر عدم الدخول في ائتلاف مع حزب اليسار الفائز في الانتخابات.

وحول ذلك تحدث أيضًا مسؤولون رفيعو المستوى في الحكومة الاتحادية. فقد اتهم وزير الدولة المستقل لشؤون الثقافة والإعلام، فولفرام فايمر ، حزب اليسار بـ"استعراض معاداة السامية للعلن"، وقد وضع تمويل القطاع الثقافي في برلين، والذي تم الاتفاق عليه مؤخرًا مع حكومة الولاية ويبلغ حجمه 2.9 مليار يورو للعقد القادم، موضوع تساؤل وربما مراجعة. وادعى فايمر أن العديد من العاملين في مجال الثقافية قلقون من احتمال تشكيل حكومة بقيادة حزب اليسار.

"معاداة السامية والمصادرات تهدد الاقتصاد"

وقد شنت وزيرة الشؤون الاقتصادية والطاقة الألمانية، كاترينا رايشه ، من الحزب المسيحي الديمقراطي، هجومًا آخر على حزب اليسار بسبب تخطيطه لمصادرة أملاك شركات الإسكان الخاصة الكبرى. ونشرت وزارتها على حسابها في موقع إنستغرام مقطع فيديو بعنوان "معاداة السامية والمصادرات تهدد الاقتصاد". وتصف رايشه حزب اليسار بأنه حزب "يعيش بشكل علني معاداة السامية، التي تخيف اليهود في هذه المدينة، وتحارب الحياة اليهودية، وترحّب بالجريمة المنظمة في حفلاته الانتخابية".

ومن جانبه يريد حزب اليسار الآن رفع دعوى قضائية لإجبار وزيرة الشؤون الاقتصادية والطاقة على حذف مقطع الفيديو. وانتقدت رئيسة الحزب على المستوى الاتحادي، إينيس شفيرتنر تصرفات الوزيرة المنتمية للحزب المسيحي الديمقراطي، بقولها: "الوزيرة كاترينا رايشه تنشر بأموال دافعي الضرائب دعاية ضد حزب اليسار على القناة الرسمية لوزارة الشؤون الاقتصادية والطاقة".

شاركت الفيلسوفة سوزان نيمان في نقاش حول الصراع في الشرق الأوسط ضمن فعاليات منتدى الإعلام العالمي الذي أقامته DW عام 2024صورة من: Philipp Böll/DW

150 يهودية ويهوديًا يدافعون عن حزب اليسار

وفي رسالة مفتوحة عبّر 150 يهوديًا ويهودية من خلفيات اجتماعية مختلفة عن دعمهم لحزب اليسار. ومن بين الموقعين على هذه الرسالة كل من الكاتبة إيفا ميناسه وكذلك المديرة السابقة لمنتدى أينشتاين في بوتسدام الفيلسوفة سوزان نيمان. ودعا الموقعون على الرسالة إلى "مدينة اجتماعية وآمنة"، وشددوا على تصويت لأحزاب مختلفة.

وقد شرحوا دوافعهم على النحو التالي: "نحن نكتب هذه الرسالة لأننا سمعنا مرارًا وتكرارًا في الأسابيع الأخيرة الادعاء نفسه: أن حزب اليسار يشكّل خطرًا على اليهود، وأن الدخول في ائتلاف معه يعرّض أمن مجتمعاتنا للخطر. نحن نرفض تصوير الوضع بهذا الشكل، ليس لأننا نقلل من شأن المخاوف، بل لأننا نتعامل معها بجدية أكثر مما تفعل التحذيرات السطحية".

تحذيرات من حزب البديل اليميني المتطرف جزئيًا

ويرى الموقعون على الرسالة العدو الأكبر للحياة اليهودية في ألمانيا هو حزب البديل من أجل ألمانيا ، من دون تسميته باسمه؛ إذ كتبوا: "في وقت يسير فيه حزب يكشف جزئيًا عن فاشيته نحو السلطة في جميع أنحاء ألمانيا، تتنصل وسائل الإعلام الرئيسية وقطاعات (مهمة) من مجتمعنا اليهودي من مسؤوليتها عندما تستمر في التظاهر وكأن حزب اليسار يشكل الخطر الأكبر على أمن اليهود".

لقد تمكن أيضًا حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يصنّفه مكتب حماية الدستور حزبًا يمينيًا متطرفًا في بعض أجنحته، من مضاعفة نتائجه في الانتخابات البرلمانية لكل من ولاية ساكسونيا-أنهالت وولاية برلين وولاية مكلنبورغ-فوربومرن . وفي ولاية ساكسونيا-أنهالت يحتاج حزب البديل عدة مقاعد فقط لتحقيق الأغلبية المطلقة؛ ومع ذلك ربما يصبح مرشحه الرئيسي، أولريش سيغموند بدعم من تحالف سارة فاغنكنيشت أول رئيس وزراء ولاية ألمانية من حزب البديل من أجل ألمانيا.

"استغلال سياسي انتهازي"

وعلى خلفية ذلك جاء في الرسالة المفتوحة: "إن الاستمرار في اتهام حزب اليسار على وجه الخصوص بمعاداة السامية لا يعتبر مجرد استغلال سياسي انتهازي، بل يساوي تقريبًا بين أي نقد للسياسات الإسرائيلية ومعاداة السامية".

وحزب اليسار هو الحزب الوحيد المُمثَّل في البرلمان الألماني (البوندستاغ) ويرفض تصدير ألمانيا أسلحة إلى إسرائيل بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلي في قطاع غزة بعد الهجوم الإرهابي الذي شنته حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. ويصف حزب اليسار - استنادًا إلى قرار صدر عن مؤتمره العام - نتائج الحرب التي بدأت بعد ذلك بأنها إبادة جماعية.

إليف إيرالب تسعى لبناء جسور للحوار والتواصل

وكذلك تصنّف منظمات حقوق الإنسان ولجنة تابعة للأمم المتحدة أعمال إسرائيل بأنها إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. بينما تستند الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو إلى حقها في الدفاع عن النفس.

يؤدي النقاش الحاد حول معاداة السامية في حزب اليسار إلى تعقيد تشكيل حكومة في ولاية برلين. وفي مؤتمر حزبي خاص عُقد على عجل، أكدت المرشحة المحتملة لمنصب عمدة برلين، إليف إيرالب أن مهمة حزبها هي التقريب بين الناس وبناء جسور للحوار والتواصل: "وبذلك يجب أن يكون واضحًا تمامًا أن التحريض على العنف لا يجوز أبدًا، ولا يجوز أن تخرج من على منصاتنا تصريحات تثير خوف اليهود".

"سأدعم الحياة اليهودية المتنوعة في برلين"

وبنفس المؤتمر انتقدت إيرالب مجددًا ظهور مغني الراب المعادي للسامية خلال الحملة الانتخابية في برلين. وأوضحت السياسية المنحدرة من أصول تركية أن اليهود يجب أن يشعروا بالأمان في برلين. وقالت إيرالب: "سأدعم الحياة اليهودية المتنوعة في برلين وأكافح معاداة السامية. وكذلك يجب أن يشعر الفلسطينيون والمسلمون بالتقدير والأمان".

وقد أعرب أمام المبنى الذي أقيم فيه المؤتمر الحزبي الخاص لحزب اليسار نحو عشرين يهودية ويهوديًا عن تضامنهم مع حزب اليسار. وعرضوا أمامهم على الأرض لافتة كُتب عليها بمزيج من العبرية والألمانية "مازيل توف لحزب اليسار". وهذه الكلمات يمكن ترجم كتهنئة للحزب على فوزه في الانتخابات التي جرت في برلين في 20 أيلول/سبتمبر.

الفنان سكوت غرابيل، المقيم في نيويورك، خلال حوار مع DW: "نحن أيضاً جزء من الحياة اليهودية".صورة من: DW

"نحن أيضًا جزء من الحياة اليهودية"

وضمن هذا السياق قال الفنان المنحدر من نيويورك، سكوت غرابيل لـ DW: "معاداة السامية حقيقة واقعية، ونحن نعلم ذلك. ولكن ثلاث سنين من الإبادة الجماعية حقيقة واقعية أيضًا. والاحتلال غير الشرعي والتدمير القسري والتهجير في الضفة الغربية - كل هذا حقيقة واقعية. ولهذا السبب لا يمكننا أن نأخذ شكاوى معاداة السامية على محمل الجد، بينما ترتكب إسرائيل إبادة جماعية".

وأكد سكوت غرابيل أنهم يقفون هنا لدعم حزب اليسار في تحقيق سياسات تقدمية. وأضاف: "نحن نريد أيضًا أن نبرز تنوع الهوية اليهودية في المجتمع الألماني. الجميع يتحدثون عن الجوانب المختلفة - ونحن أيضًا جزء من الحياة اليهودية".

أعده للعربية: رائد الباش