آخر الأخبار

العبودية: من تمرد المستعبَدين إلى ولادة هايتي، ما قصة الثورة التي غيّرت التاريخ؟

شارك
مصدر الصورة

في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1791، قتلت القوات الفرنسية دوتي بوكمان في شمال مستعمرة سان دومينغو، ثم قطعت رأسه وأحرقت جسده وعرضت الرأس على رمح في مدينة كاب فرانسيه.

أرادت السلطة الاستعمارية من المشهد أن تعلن نهاية التمرد الذي ساهم بوكمان في إشعاله قبل أقل من ثلاثة أشهر، لكن مقتله لم يوقف القتال؛ فقد أقام بعض المتمردين طقوس حداد عليه استمرت ثلاثة أيام، ثم واصلوا الانتفاضة، وفق دراسة صادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج.

اختفى الرأس الذي عُلّق لترهيب المستعبَدين، وبقي اسم صاحبه مرتبطاً في الذاكرة الهايتية ببداية ثورة ستغير مصير الجزيرة.

وبعد أكثر من قرنين، اختارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" يوم 23 أغسطس/آب، ذكرى انطلاق تلك الانتفاضة، ليكون اليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وإلغائها.

لكن في ذلك اليوم لم يصدر قانون يمنح المستعبَدين حريتهم، ولم يجتمع برلمان لإلغاء الرق، فلماذا اختارت اليونسكو بداية تمرد، بدلاً من أحد التواريخ التي صدرت فيها مراسيم الإلغاء؟ وكيف تمكنت انتفاضة بدأت في مزارع السكر من هز نظام امتدت جذوره وطرقه التجارية عبر آلاف السنين؟

من العبودية القديمة إلى تجارة الأطلسي

لم تبدأ العبودية على السفن التي عبرت المحيط الأطلسي، فقد عرفت حضارات قديمة كثيرة أشكالاً من الاسترقاق والعمل القسري، وإن اختلفت مصادر المستعبَدين ومكانتهم والوظائف التي أُجبروا على أدائها.

في المدن اليونانية القديمة، كان الأسر في الحروب والقرصنة والبيع من الطرق التي يفقد بها الإنسان حريته، وتشير دراسة صادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج إلى أن العبودية اليونانية لم تقم أساساً على لون البشرة؛ فقد استُعبد اليونانيون وغير اليونانيين، وعملوا في المنازل والزراعة والحرف والمناجم.

وفي روما، اتسع النظام مع توسع الإمبراطورية وتحويل أسرى الحروب إلى مستعبَدين، ويوضح المتحف البريطاني أنهم وُجدوا في المدن والأرياف والمزارع والمنازل والأعمال التجارية، ولم يكن ممكناً تمييزهم من مظهرهم أو لون بشرتهم وحدهما.

وامتدت تجارة البشر لاحقاً عبر البحر المتوسط والصحراء الكبرى والبحر الأحمر والمحيط الهندي، لكن التجارة التي توسعت عبر الأطلسي منذ القرن الخامس عشر اتخذت نطاقاً مختلفاً؛ إذ جمعت بين النقل القسري لملايين الأفارقة، واقتصاد المزارع الاستعمارية، والعبودية الوراثية التي ارتبطت تدريجياً بالأصل الأفريقي ولون البشرة.

وأعادت هذه المنظومة تشكيل مدن وموانئ وجزر كاملة، ففي أرخبيل الرأس الأخضر، أصبحت ريبيرا غراندي، المعروفة اليوم باسم "سيدادي فيلها"، أول مدينة استعمارية أوروبية تُبنى في المناطق المدارية، ثم تحولت بحكم موقعها بين أفريقيا والأمريكتين إلى منصة لتجميع المستعبَدين ونقلهم عبر الأطلسي، وفق اليونسكو.

وعلى الساحل السنغالي، أصبحت جزيرة غوري مركزاً لتجارة الرقيق تنافست عليه البرتغال وهولندا وبريطانيا وفرنسا، ولا تزال مباني احتجاز المستعبَدين فيها تقابل منازل التجار الواسعة، في مشهد تصفه اليونسكو بأنه شاهد على واحدة من أكبر مآسي الاستغلال البشري.

لم تُنشأ دول غرب أفريقيا الحديثة من أجل تجارة الرقيق، لكن مواقع استعمارية ازدهرت داخل شبكتها، ومنها نُقل الأسرى إلى مزارع بعيدة كانت تزداد ثراء كلما وصلتها سفن جديدة محملة بالبشر.

وتقدّر قاعدة بيانات سليف فويجيز أن نحو 12.5 مليون أسير أُركبوا السفن من أفريقيا، ووصل منهم نحو 10.7 ملايين إلى الأمريكتين، أما الباقون، فماتوا قبل العبور أو خلاله.

وعند الطرف الآخر من الطريق، كانت سان دومينغو تتحول إلى أغنى مستعمرات فرنسا.

ثروة من السكر والقهوة

احتلت سان دومينغو الجزء الغربي من جزيرة هيسبانيولا في البحر الكاريبي، وأصبحت بحلول ستينيات القرن الثامن عشر المستعمرة الأكثر ربحية في الأمريكتين، بفضل إنتاج السكر والقهوة، بحسب مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأمريكية.

وبحلول عام 1789، كان نحو نصف مليون مستعبَد يعيشون في مستعمرة تضم قرابة 7800 مزرعة، في مقابل نحو 35 ألفاً من البيض و32 ألفاً من الأحرار ذوي الأصول الأفريقية والمختلطة، وفق دراسة نشرتها مطبعة جامعة كامبريدج.

كانت أقلية صغيرة تملك الأراضي والسلاح والقانون، بينما حُوّلت الأكثرية إلى قوة عمل قسرية تنتج الثروة من دون أجور أو حقوق.

ووفر "قانون السود"، وهو مجموعة مراسيم فرنسية بدأت عام 1685، الإطار التشريعي لهذا النظام، فقد صنفت مادته الرابعة والأربعون المستعبَدين "أموالاً منقولة"، وأجازت مادة أخرى تقييدهم وضربهم، بينما بلغت عقوبة الهروب المتكرر الموت، وفق وثائق الجمعية الوطنية الفرنسية.

مصدر الصورة

حرية توقفت عند البحر

اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 وأصدرت "إعلان حقوق الإنسان والمواطن"، لكنها لم تحسم ما إذا كانت مبادئ الحرية والمساواة تشمل المستعبَدين في المستعمرات، وتشير دراسة صادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج إلى أن الإعلان التزم الصمت حيال العبودية.

وفي سان دومينغو، انقسم المستوطنون البيض بين أنصار الملكية ومؤيدي الثورة، وطالب الأحرار من ذوي الأصول الأفريقية والمختلطة بحقوق سياسية مساوية لحقوق البيض، أما المستعبَدون، الذين شكلوا الغالبية، فظلوا خارج وعود الطرفين.

وبينما كان السياسيون يتجادلون حول حدود المساواة، بدأ المستعبَدون تنظيم طريقهم الخاص إليها.

كان دوتي بوكمان واحداً من هؤلاء، فقد جُلب من جامايكا إلى سان دومينغو على متن سفينة تعمل بصورة غير قانونية، ثم أصبح شخصية دينية ومنظماً قاد الهجمات الأولى على مزارع الشمال، وفق جامعة كامبريدج.

وتربط الذاكرة الهايتية بداية الثورة باجتماع سري في منطقة غابية تُعرف باسم "بوا كايمان"، قاده بوكمان إلى جانب الكاهنة سيسيل فاطيمان، وتعاهد فيه ممثلون عن عدد من المزارع على التمرد.

لكن بعض تفاصيل الاجتماع دُوّنت بعد الأحداث بسنوات، كما يختلف المؤرخون في تاريخه وما جرى خلاله، لذلك تتعامل الدراسات الحديثة معه بوصفه جزءاً راسخاً من الذاكرة الهايتية، مع التحفظ على الروايات التي يصعب إثباتها، بحسب بحث نشرته مطبعة جامعة كامبريدج.

أما المؤكد، فهو أن الانتفاضة المنظمة بدأت مساء 22 أغسطس/آب 1791، وامتدت إلى صباح اليوم التالي، حيث أشعل المتمردون مزارع ومصانع السكر، وانتقلت الحركة سريعاً عبر السهل الشمالي، قبل أن ينضم إليها عشرات الآلاف.

الثورة التي فرضت الإلغاء

سرعان ما تحولت الانتفاضة إلى حرب متعددة الأطراف، شارك فيها الملكيون والجمهوريون الفرنسيون والأحرار من ذوي الأصول المختلطة وفصائل المستعبَدين السابقين، ثم تدخلت بريطانيا وإسبانيا طمعاً في انتزاع المستعمرة من فرنسا.

ومن هذه الحرب خرج توسان لوفرتور، الذي أصبح أشهر قادة الثورة، مع أنه لم يكن من بدأها، فقد ظهر في صفوف المتمردين لاحقاً، وقاتل في البداية إلى جانب إسبانيا، قبل أن ينتقل إلى فرنسا عندما أعلنت إلغاء العبودية.

بدأ الإلغاء من داخل سان دومينغو في أغسطس/آب 1793، حين أعلن المفوض الفرنسي ليجيه - فيليسيتي سونتوناكس تحرير المستعبَدين في المقاطعة الشمالية تحت ضغط الثورة والحرب.

وبعد أشهر، وصل إلى باريس وفد منتخب عن المستعمرة، ضم جان بابتيست بيلي، الذي وُلد في السنغال وبيع طفلاً في سان دومينغو، قبل أن يشتري حريته ويصبح ضابطاً وأول رجل أسود يشغل مقعداً في المؤتمر الوطني الفرنسي، بحسب معهد شيكاغو للفنون وقصر فرساي.

وفي 4 فبراير/شباط 1794، أقر المؤتمر الوطني إلغاء العبودية في المستعمرات الفرنسية، وفق أرشيف الجمعية الوطنية الفرنسية.

لكن القرار لم يكن منحة جاءت من باريس؛ فقد سبقته الحرية التي فرضتها الثورة داخل المستعمرة، كما خشيت فرنسا أن يدفع استمرار العبودية المتمردين إلى التحالف مع أعدائها.

انضم توسان بعدها إلى الفرنسيين وقاد قواته ضد الإسبان والبريطانيين، وبحلول عام 1801، كان قد بسط سلطته على الجزيرة وأصدر دستوراً أكد إلغاء العبودية ومنحه منصب الحاكم مدى الحياة، مع إبقاء صلة اسمية بفرنسا، وفق المتحف الوطني للتاريخ والثقافة الأفريقية الأمريكية.

كانت سان دومينغو لا تزال مستعمرة على الورق، لكنها لم تعد خاضعة لفرنسا كما كانت.

مصدر الصورة

نابليون يحاول استعادة المستعمرة

في عام 1802، أرسل نابليون بونابرت حملة عسكرية ضخمة بقيادة صهره شارل لوكلير لإعادة فرض السيطرة الفرنسية ونزع سلاح قوات توسان.

وفي الوقت نفسه، أعاد العبودية في مستعمرات فرنسية أخرى، من بينها غوادلوب، ومع أن القانون لم يعلن صراحة إعادتها في سان دومينغو، رأى قادة الثورة أن حريتهم أصبحت مهددة.

اعتُقل توسان ونُقل إلى فرنسا، حيث توفي في السجن عام 1803، لكن القتال استمر بقيادة جان جاك ديسالين، ومع تفاقم خسائر الجيش الفرنسي بفعل المعارك والحمى الصفراء، هُزمت قواته في معركة فيرتيير في نوفمبر/تشرين الثاني 1803.

وفي الأول من يناير/كانون الثاني 1804، أعلن ديسالين استقلال البلاد باسم هايتي.

وتصف اليونسكو هايتي بأنها أول دولة مستقلة في العصر الحديث تنشأ من ثورة ناجحة للمستعبَدين، فلم ينتزع الثوار قراراً بإلغاء الرق فحسب، بل هزموا الجيش الذي حاول إعادة النظام القديم.

لكن فرنسا لم تعترف بخسارة أغنى مستعمراتها من دون ثمن.

"فاتورة الحرية"

في عام 1825، أرسل الملك الفرنسي شارل العاشر أسطولاً حربياً إلى سواحل هايتي، وربط الاعتراف باستقلالها بدفع 150 مليون فرنك ذهبي تعويضاً لمالكي المزارع السابقين.

وهكذا أُجبرت الدولة التي أسسها المستعبَدون السابقون على تعويض الذين خسروهم بوصفهم "ممتلكات"، إلى جانب الأراضي والمزارع.

قبلت هايتي الشروط تحت التهديد، واقترضت من مصارف فرنسية لتسديد الدفعات، وخُفض المبلغ لاحقاً، لكن الديون المرتبطة به استمرت حتى عام 1947 وأثقلت مالية البلاد لأجيال، وفق دراسة نشرتها مطبعة جامعة كامبريدج.

ربحت هايتي الحرب، لكنها دخلت النظام الدولي محاصرة بالعزلة والديون؛ إذ خشيت الدول التي تعتمد على العبودية أن تصبح ثورتها نموذجاً قابلاً للتكرار.

لماذا اختير 23 أغسطس؟

لم تُنهِ انتفاضة أغسطس تجارة الرقيق فوراً، فقد تراجعت فرنسا عن الإلغاء في أجزاء من إمبراطوريتها، واستمر الرق في مستعمراتها حتى إلغائه نهائياً عام 1848، بينما ظلت السفن تنقل الأسرى الأفارقة عبر الأطلسي عقوداً أخرى، وسُجلت آخر رحلة معروفة إلى كوبا عام 1867، وفق سليف فويجز.

لكن انتفاضة سان دومينغو حطمت الفكرة القائلة إن المستعبَدين مجرد ضحايا ينتظرون من الحكومات منحهم الحرية. فقد نظموا ثورتهم، وأجبروا فرنسا على تغيير القانون، وهزموا الجيش الذي حاول إخضاعهم، ثم أسسوا دولتهم.

لهذا اعتمدت اليونسكو 23 أغسطس يوماً دولياً عام 1997، قبل أن يُحيى للمرة الأولى في هايتي عام 1998، ثم في جزيرة غوري السنغالية في العام التالي، حيث يخلد التاريخ بداية المقاومة التي قادت إلى الإلغاء، لا المرسوم الذي جاء بعدها، بحسب اليونسكو.

ولا تزال معركة الذاكرة مستمرة، ففي مايو/أيار 2026، صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية بالإجماع على مقترح لإلغاء "قانون السود" رسمياً، على الرغم من فقدانه أثره القانوني منذ زمن بعيد، ولا يزال المقترح يحتاج إلى استكمال مساره في مجلس الشيوخ، وفق الجمعية الوطنية الفرنسية.

وقبل ذلك بشهرين، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يصف الاتجار بالأفارقة المستعبَدين والاستعباد القائم على التمييز العرقي بأنه "أخطر جريمة ضد الإنسانية"، بتأييد 123 دولة، ومعارضة ثلاث وامتناع 52 عن التصويت، وفق سجل الأمم المتحدة.

مصدر الصورة

ثلاثة أيام دولية مرتبطة بالعبودية

23 أغسطس/آب، المقاومة

خصصته اليونسكو لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وإلغائها، وربطته بانتفاضة سان دومينغو عام 1791 ودور المستعبَدين في إسقاط النظام.

25 مارس/آذار، الضحايا

خصصته الأمم المتحدة لإحياء ذكرى ضحايا الرق وتجارة الرقيق عبر الأطلسي، وآثارها الاجتماعية والعنصرية الممتدة، وفق الأمم المتحدة.

2 ديسمبر/كانون الأول، العبودية المعاصرة

يركز اليوم الدولي لإلغاء الرق على العمل القسري والزواج القسري والاتجار بالبشر وغيرها من صور الاستغلال الحديثة.

وتقدّر الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية أن نحو 50 مليون شخص كانوا يعيشون في أوضاع تندرج ضمن العبودية المعاصرة عام 2021.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا