بعد أستراليا، تتجه فرنسا إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عاماً. خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في طريقة تعامل الدول مع مواقع التواصل، وتكشف عن قلق بات قضية صحة عامة وتشريع.
لم يعد السؤال الأساسي: كم ساعة يقضي الأطفال أمام الشاشة؟
بل سؤال أعمق: كيف تغيّرت الطفولة نفسها؟
بين جيل نشأ قبل السوشيال ميديا - جيل كان وقته أبطأ، ومساحته أوسع للتجربة، وأخطاؤه البسيطة يمكن أن تمحى وتنسى - وجيل بدأ حضوره الرقمي قبل أن يكتمل وعيه بذاته، تبدو الفجوة أبعد من اختلاف في الأدوات. إنها فجوة في إيقاع الحياة، وفي طريقة بناء العلاقات، وفي الكيفية التي يرى فيها الطفل نفسه ويقيس قيمته.
في الثمانينيات، والتسعينيات، ومطلع الألفية، قبل الإشعارات والتنبيهات، كان اللعب جزءاً أساسياً من اليوم. يحدث في الخارج أكثر، ويستمر لساعات من دون جدول أو إشراف دائم. الملل لم يكن حالة طارئة يجب القضاء عليها، بل وقتاً عادياً من الزمن اليومي.
في تلك المساحة، كان الطفل يبتكر لعبته، يتشاجر ثم يتصالح، ويتعلّم من دون دروس مباشرة كيف ينتظر، وكيف يشارك، وكيف يتحمّل الخسارة. الصداقات كانت تبنى في الحي والمدرسة، ضمن دائرة يعرف فيها الطفل من يراه وكيف يرى. الأخطاء كانت ترتكب، يتعلّم الطفل منها، ثم ينساها ويتجاوزها، لم تكن تُصوَّر ولا تُعاد مشاركتها.
اليوم، تظهر تقارير تنظيمية مثل تقارير هيئة الاتصالات البريطانية أن الأطفال يدخلون العالم الرقمي في سن مبكرة، وفي بيئة رقمية لم تُصمَّم أساساً لتناسب مراحل نموهم أو حساسيتهم النفسية.
تظهر أحدث بيانات "هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية" (أوفكوم) أن التحول في عادات الأطفال الرقمية يبدأ في سن مبكرة جداً. فقد ارتفعت نسبة الأطفال بين 3 و5 سنوات الذين يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي من نحو الربع في عامي 2021 و2022، إلى 29 بالمئة في 2023، ثم إلى 37 بالمئة في 2024. ويقول 36 بالمئة من الأهالي إنهم يستخدمون هذه المنصات نيابةً عن أطفالهم، بينما يشير 19 بالمئة إلى أن الطفل يستخدمها بشكل مستقل.
كما تظهر البيانات تصاعداً في مشاهدة فيديوهات البث المباشر، حيث بات نحو ثلثي الأطفال بين 3 و17 عاماً (66 بالمئة) يتابعون هذا النوع من المحتوى، مقارنة بـ 63 بالمئة في 2023 و58 بالمئة في 2022، مع زيادة أوضح بين الفئة العمرية 8–12 عاماً.
وفي الوقت نفسه، يمتلك 79 بالمئة من الأطفال بين 3 و17 عاماً حساباً أو ملفاً شخصياً على منصة تواصل اجتماعي أو تطبيق مراسلة أو موقع مشاركة فيديو أو بث مباشر، ويضع 16 بالمئة منهم صورة شخصية متاحة للجميع.
ولا يقتصر الأمر على المشاهدة، إذ إن 16 بالمئة من الأطفال بين 3 و17 عاماً يبثّون محتوى مباشراً بأنفسهم، وترتفع النسبة إلى 21 بالمئة بين المراهقين (13–17 عاماً)، وتكون أكثر شيوعاً بين الأطفال في المناطق الحضرية وبين الأسر ذات الدخل الأعلى.
في هذا السياق، تقول ريهام منذر، الأخصائية النفسية للأطفال والمدربة على أساليب التربية، في حديثها مع بي بي سي عربي، إن "الملل ليس حالة سلبية في حياة الطفل، بل مساحة صامتة يعمل خلالها الدماغ على تطوير نفسه".
في لحظات الملل، يجبر الطفل على البحث عن بدائل للتسلية. هذا البحث البسيط، كما تشرح، "هو ما يفعل الخيال، ويعزز الإبداع، ويساعد الطفل تدريجياً على التعرف إلى مشاعره والتعامل معها، بدل الهروب منها".
أما اللعب غير المنظم، فتصفه بأنه من الركائز الأساسية للنمو النفسي والاجتماعي. "في هذا النوع من اللعب، ومن دون تدخل مباشر من البالغين، يتعلم الطفل مهارات حياتية أساسية: كيف يشارك الآخرين، كيف يتفاوض، كيف يقرأ الإشارات غير اللفظية، وكيف يحل نزاعات صغيرة بنفسه، كالخلاف على لعبة أو دور".
توضح منذر أن كثيرين ينظرون إلى هذا اللعب على أنه "بلا هدف"، بينما تظهر الدراسات النفسية والتربوية أنه يساهم في بناء ضبط النفس، وتنمية المهارات الاجتماعية، وتعزيز الاستقلالية العاطفية على المدى الطويل.
المشكلة، كما تقول، "تبدأ عندما تستبدل هذه المساحات الطبيعية بمحتوى رقمي سريع الإيقاع وعالي الاستثارة، مثل الريلز وتيك توك ومقاطع الفيديو القصيرة. في هذه الحالة، لا يخسر الطفل وقت اللعب فقط، بل يخسر فرصة التدرب على الصبر والتهدئة الذاتية". فبدلاً من أن يتعلم كيف يهدئ نفسه تدريجياً، يعتاد على "التهدئة الفورية" التي توفرها الشاشة.
بين سن 11 و15 عاماً، يدخل المراهق مرحلة حساسة تعرف بتشكّل الهوية. تشرح ريهام منذر أن الدماغ في هذه المرحلة يكون أكثر حساسية لفكرة القبول والرفض: كيف يراني الآخرون؟ وهل أنا محبوب أم لا؟
هذه الأسئلة ليست جديدة على المراهقة، لكنها اليوم تعاش في بيئة مختلفة جذرياً. فالإجابات لم تعد تأتي فقط من الأسرة أو المدرسة أو الأصدقاء، بل من شاشة تقاس فيها القيمة بعدد الإعجابات والمشاهدات والتعليقات.
وعندما يبدأ تقدير الذات بالتشكّل عبر هذه المؤشرات، تتغيّر معايير القيمة الشخصية. يشعر المراهق بأنه "جيد" إذا حصد تفاعلاً، و"محبوب" إذا نال إعجابات، بينما تتراجع فكرة النمو الطبيعي القائمة على التجربة والخطأ والتعلّم.
هذا الواقع يعزّز المقارنة الاجتماعية، ويغذّي ما يعرف بالخوف من أن يفوتنا شيء، أو (الفومو) كما يعبّر عنه جيل اليوم: شعور دائم بأن الآخرين يعيشون أكثر ويحققون أكثر. وهو شعور، كما تشير منذر، قد يبدو بسيطاً، لكنه يولّد قلقاً مستمراً وإحساساً بعدم الكفاية.
وتلفت منذر إلى إشارات مبكرة يمكن أن يلاحظها الأهل، تدل على أن الهوية تتجه نحو "الأداء" بدل الاكتشاف: تقلّب المزاج تبعاً للتفاعل، انشغال مفرط بالصورة والمظهر، هوس بالكمال، وصعوبة الاستمتاع باللحظة من دون توثيقها أو "تحسينها" رقمياً.
وتتقاطع هذه القراءة مع تحذيرات رسمية، أبرزها تقرير صدر عام 2023 عن مكتب الجراح العام للولايات المتحدة التابع لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية، أشار إلى أن المراهقين الذين يقضون أكثر من ثلاث ساعات يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي يواجهون ضعف احتمال الإصابة بأعراض الاكتئاب والقلق، وأن 46 بالمئة من المراهقين بين 13 و17 عاماً قالوا إن هذه المنصات تجعلهم يشعرون بسوء تجاه صورة أجسادهم. ووصف التقرير هذه المرحلة العمرية بأنها شديدة الهشاشة، لأن الدماغ لا يزال في طور الاكتمال.
كما تشير خريطة المراجعات البحثية التي أعدّها كبار الأطباء في المملكة المتحدة إلى أن الدراسات تناولت طيفاً واسعاً من النتائج النفسية والاجتماعية، ولم تقتصر على الاكتئاب والقلق بوصفهما أكثر الاضطرابات شيوعاً، بل شملت أيضاً مؤشرات أخرى، مثل تقدير الذات، والشعور بالوحدة، والارتباط الاجتماعي، ومستوى الرضا عن الحياة.
تقرّ جهات صحية عدة بأن دعم الأطفال والمراهقين في استخدام الوسائط الرقمية قد يكون تحدّياً للأهل، خاصة مع تطبيقات وألعاب لا يعرفونها جيداً. وتشدد الإرشادات الرسمية على أن الدور الأبوي لا يقوم على المنع فقط، بل على الحوار والمرافقة ووضع حدود واضحة.
وتوصي الكلية الملكية للأطباء النفسيين في بريطانيا بالاتفاق مع الأبناء على حدود زمنية لاستخدام الشاشات، وبمساعدتهم على تحقيق توازن بين الوقت الرقمي والأنشطة غير الرقمية، مثل الرياضة والتفاعل الاجتماعي. كما تلفت إلى أهمية الالتزام بالتوصيات العمرية للتطبيقات، واستخدام أدوات الضبط الأبوي للحد من المحتوى غير المناسب.
وفي ما يتعلق بالسلامة، تنصح الإرشادات بشرح أن الإنترنت مساحة عامة، وتشجيع الأطفال على التحدّث إذا واجهوا ما يقلقهم. كما تدعو إلى تعزيز التفكير النقدي، وتذكير الأبناء بأن ما يُعرض على الشاشات لا يعكس دائماً الواقع الكامل.
وتؤكد الجهات الصحية أن سلوك الأهل أنفسهم يلعب دوراً أساسياً، من خلال تقديم نموذج لاستخدام متوازن للأجهزة، مثل تجنّب الهواتف أثناء الوجبات وعدم إبقائها في غرف النوم ليلاً قدر الإمكان.
هنا تشدد ريهام منذر على نقطة أساسية: "المنع وحده لا يكفي. فالمراهق يحتاج إلى حاجتين نفسيتين جوهريتين: الانتماء والشعور بالقدرة والإنجاز".
إذا لم يجد المراهق مصادر حقيقية لهاتين الحاجتين في حياته اليومية، تصبح الشاشات بديلاً سريعاً يمنحه شعوراً مؤقتاً بالقيمة. الانتماء، كما تقول، "يمكن بناؤه عبر صداقات حقيقية، نشاطات جماعية، هوايات مشتركة، أو حتى حياة منزلية أكثر حضوراً. أما الشعور بالقدرة، فيأتي من التجربة والتعلّم والإنجاز، لا من التفاعل الرقمي وحده".
وتشير إلى أن كثيراً من البيوت اليوم باتت مليئة بالصمت: "كل فرد على هاتفه، وغابت الأحاديث واللعب المشترك. إذا لم يُملأ هذا الصمت بحوار ووجود فعلي، فمن الطبيعي أن ينسحب المراهق أكثر نحو الشاشة". المطلوب، كما تقول، هو توازن واضح: "قرب ولطف من جهة، وحدود وضوابط من جهة أخرى".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة