في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ترتيب أثر الصدمة داخل نتائج أعمال الشركات الأمريكية في الربع الأول من العام الحالي، إذ تظهر إفصاحات الشركات أن الضغط المباشر تركز حتى الآن في الطاقة والطيران والسفر عبر الوقود وتعطل الأصول والعمليات، بينما استفادت البنوك الكبرى ومديرو الأموال من التقلب الذي ضرب الأسواق ورفع نشاط التداول والرسوم.
يأتي ذلك في وقت لا يزال فيه موسم الإفصاحات في بدايته، لكن ما صدر يكشف بوضوح أن أثر الحرب لم يتوزع بالتساوي على القطاعات، بل خلق خريطة جديدة للرابحين والخاسرين، بين شركات تواجه كلفة تشغيلية أعلى وضغوطا على النشاط، وأخرى استفادت من تقلب الأسواق وارتفاع النشاط المالي.
تبدأ القراءة الأوضح من قطاع الطاقة، لأنه يجمع بين ارتفاع الأسعار وتعطل التشغيل في الوقت نفسه، فقد قالت شركة إكسون موبيل في إفصاحها إن أصولها في الشرق الأوسط تمثل نحو 20% من إنتاجها العالمي المكافئ للنفط، وإن اضطرابات بدأت في مارس/آذار خفضت الإنتاج العالمي المكافئ للشركة بنحو 6% في الربع الأول مقارنة بالربع الأخير من 2025، كما أصابت الهجمات منشآت لإنتاج الغاز الطبيعي المسال.
وفي الاتجاه نفسه، قالت شركة "إس إل بي" إن إيرادات الربع الأول ستكون أقل من المتوقع، مع أثر إضافي على ربحية السهم المخفف يتراوح بين 6 و9 سنتات نتيجة تعطل العمليات والتنقلات في الشرق الأوسط. وتضع هذه الإفصاحات قطاع الطاقة الأمريكي في قلب مفارقة واضحة، إذ ترفع الأسعار الأعلى الإيرادات الاسمية، لكن الحرب نفسها تقتطع من الأحجام والتشغيل والشحن.
وتتأكد هذه الصورة على مستوى السوق العالمية للطاقة، إذ قالت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في الشهر الجاري إن أسواق النفط تعيش "فترة من التقلبات الحادة وعدم اليقين" بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية.
وفي هذا السياق، قالت مديرة قسم الأبحاث وتحليل السوق في شركة "ريفر برايم" أسيل العرانكي للجزيرة نت إن أثر الحرب على قطاع الطاقة لا يزال رهنا بمسار التصعيد والتهدئة، موضحة أن أسعار النفط شهدت تقلبات حادة مع تراجعات مؤقتة بفعل آمال تهدئة الصراع، في حين ارتفع الذهب بوصفه ملاذا آمنا نتيجة استمرار عدم اليقين. وأضافت أن أي تصعيد جديد، خصوصا في المناطق الإستراتيجية مثل مضيق هرمز، قد يدفع أسعار النفط إلى ارتفاع حاد ويضغط على الاقتصاد العالمي كله.
يعكس قطاع الطيران والسفر الصدمة بصورة أوضح، إذ أعلنت شركة دلتا في 8 أبريل/نيسان أنها حققت إيرادات 14.2 مليار دولار في الربع الأول، لكنها ربطت توقعاتها للربع الثاني بزيادة تتجاوز ملياري دولار في كلفة الوقود، مع إجراءات سريعة لاحتواء أثر الوقود الأعلى.
أما شركة كارنيفال (Carnival) فقالت إن نتائج الربع الأول تأثرت سلبا بنحو 54 مليون دولار بسبب الوقود والعملات مقارنة بالتوجيه، وإن نظرتها لعام 2026 تتضمن أثرا يتجاوز 500 مليون دولار من التغيرات الأخيرة في الوقود، مما يعني أن الحرب انتقلت سريعا من الخليج العربي إلى دفاتر شركات النقل والسفر الأمريكية، لا عبر انهيار الطلب حتى الآن، بل عبر ارتفاع الكلفة وإعادة رسم المسارات والانتشار التشغيلي.
وترى العرانكي أن قطاع الطيران يبقى الأكثر تضررا من بين القطاعات المرتبطة مباشرة بالحرب، لأنه يواجه ما تصفه بـ"الصدمة المزدوجة" المتمثلة في ارتفاع كلفة الوقود وضعف الطلب، وهو ما يدفع الشركات إلى تقليص الرحلات ورفع أسعار التذاكر وخفض النفقات التشغيلية، مع احتمال إعادة النظر في خطط التوسع المستقبلية إذا طال أمد التوتر.
في المقابل، تظهر نتائج أعمال البنوك الصادرة حتى اليوم صورة مختلفة، إذ أعلن بنك "غولدمان ساكس" ربحية سهم بلغت 17.55 دولارا في الربع الأول، بينما أظهرت نتائج "جي بي مورغان" و"سيتي" و"ويلز فارغو" أرباحا قوية مدفوعة بنشاط الأسواق والتداول ورسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية.
وارتفعت أرباح "جي بي مورغان" إلى 16.49 مليار دولار، و"سيتي" إلى 5.79 مليارات دولار، و"ويلز فارغو" إلى 5.25 مليارات الدولارات، فيما استفادت هذه المؤسسات من اقتصاد لا يزال متماسكا ومن تقلبات السوق التي رفعت التداول وأعادت الزخم إلى بعض الأعمال الاستثمارية.
وتقول العرانكي إن هذا التباين بدا واضحا داخل القطاع المصرفي نفسه، موضحة أن ويلز فارغو قدم أداء قويا نسبيا في الربع الأول مع ربحية سهم بلغت 1.60 دولار ونمو سنوي في صافي الدخل بنسبة 15%، إلى جانب ارتفاع صافي دخل الفوائد بنسبة 5% والدخل غير المرتبط بالفوائد بنسبة 8% بدعم من توسع محفظة القروض والودائع، لكن الإيرادات الإجمالية جاءت أقل من التوقعات رغم نموها بنسبة 6%، مما ضغط على نظرة المستثمرين وأدى إلى تراجع السهم في التداولات المبكرة.
وأضافت أن "سيتي" قدم أداء قويا بدوره في الربع الأول، مع نمو ملحوظ في الإيرادات والأرباح بدعم من توسع شامل عبر مختلف قطاعاته، إذ ارتفعت الإيرادات بنسبة 14% وقفز صافي الدخل بنسبة 42%، مع تحسن الكفاءة التشغيلية والعائد على حقوق المساهمين وأداء قوي في أنشطة الأسواق والخدمات المصرفية الاستثمارية، وهو ما يعكس، بحسب تقديرها، زخما إيجابيا واستمرارا في تعزيز الربحية رغم ارتفاع التكاليف.
وفي ما يتعلق بـ"جي بي مورغان"، أشارت العرانكي إلى أن البنك سجل إيرادات قياسية من أنشطة التداول، لكنه لم يكن بمنأى عن ضغوط الأسواق، إلا أن تنوع مصادر إيراداته بين التداول والخدمات المصرفية الاستثمارية والخدمات المصرفية للأفراد، إلى جانب نهجه الحذر في إدارة المخاطر وقوة مركزه الرأسمالي، أبقاه في موقع أكثر قدرة على التعامل مع التقلبات الاقتصادية العالمية.
لكن هذه الأرباح نفسها حملت تحذيرا ضمنيا وصريحا من أن المكسب الحالي قد يكون مؤقتا، فقد أشار "غولدمان ساكس" إلى "أوضاع سوق أكثر تقلبا" وإلى مشهد جيوسياسي شديد التعقيد، بينما قالت وكالة أسوشيتد برس إن البنوك نفسها حذرت من أن أسعار الطاقة المرتفعة وعدم الاستقرار الجيوسياسي قد يضغطان لاحقا على الاقتصاد الأمريكي وعلى إنفاق المستهلكين.
في المجمل تظهر هذه الصورة أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تدفع الشركات الأمريكية كلها في اتجاه واحد، بل أعادت توزيع الأثر بين القطاعات، ففي حين تحملت الطاقة والطيران والسفر الصدمة التشغيلية الأولى، استفاد القطاع المالي من ارتفاع التقلب ونشاط التداول، لكن هذا المكسب يبقى مرتبطا بمرحلة مبكرة قد تفسح لاحقا المجال لضغوط أوسع إذا استمرت الحرب وارتفعت كلفة الطاقة أكثر أو طال أمد الاضطراب في المنطقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة