آخر الأخبار

بين حديث عن توحيد في المعارضة وجمود بين الاحزاب العربية

شارك

الاستطلاع الجديد الذي نشر اليوم عن طريق “טאטיקה מחקרים ומדיה”، والذي شمل 500 مشاركًا من اليهود والعرب، يكشف مشهدًا سياسيًا إسرائيليًا يتغير بسرعة في بعض جوانبه، ويبقى جامدًا بشكل لافت في جوانب أخرى. فالمعطيات التي أظهرها الاستطلاع حول إمكانية توحيد أحزاب المعارضة بقيادة غادي أيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير لابيد، والتي تمنح هذا التحالف الافتراضي 38 مقعدًا، تبدو كأنها زلزال سياسي، لكنها في الحقيقة زلزال محدود التأثير. فالأرقام تشير إلى أن هذا التوحيد يرفع قوة الأحزاب الثلاثة مجتمعة بمقدار طفيف فقط مقارنة بمجموعها منفردة، وأنه لا يغيّر صورة المعسكرات: معسكر معارضي نتنياهو يبقى عند 56 مقعدًا دون الأحزاب العربية، سواء وُجد التحالف أم لم يوجد.

هذا الثبات في صورة الجبهات يكشف حقيقة أعمق: المعادلة السياسية في إسرائيل لم تعد تُحسم داخل المعسكرات اليهودية وحدها. فحتى عندما تتحد شخصيات ثقيلة الوزن مثل أيزنكوت وبينيت ولابيد، وتنتج قائمة هي الأكبر في الكنيست، تبقى الخريطة السياسية مقفلة ما لم يدخل اللاعب العربي إلى الساحة.

الاستطلاع نفسه يوضح أن الأحزاب العربية – رغم تراجع بعضها أو بقائها على الحافة – ما زالت تمثل عنصرًا لا يمكن تجاوزه. فالقائمة المشتركة (الجبهة والتغيير) تحصل على 5 مقاعد، والقائمة العربية الموحدة (الاسلامية) على 5 مقاعد أخرى، بينما يبقى التجمع تحت نسبة الحسم. ومع ذلك، فإن مجموع المقاعد العربية يبقى ثابتًا تقريبًا، ويستمر في لعب دور “بيضة القبان” التي لا يستطيع أي معسكر تجاهلها.

لكن الصورة في الشارع اليهودي، كما تعكسها نتائج الاستطلاع، تكشف عن مفارقة. فمن جهة، هناك استعداد متزايد لدى جزء من الجمهور اليهودي للتعامل مع الأحزاب العربية كجزء من اللعبة السياسية، خصوصًا في ظل إدراك متنامٍ بأن أي حكومة مستقرة تحتاج إلى دعم خارجي أو داخلي من خارج المعسكرات التقليدية. ومن جهة أخرى، تبقى نسبة كبيرة من الجمهور اليهودي متحفظة أو رافضة لأي شراكة سياسية مع العرب، سواء لأسباب أيديولوجية أو أمنية أو بسبب المناخ السياسي المشحون منذ سنوات.

هذا التناقض يضع الأحزاب العربية أمام سؤال استراتيجي كبير: كيف يمكن تحويل القوة الرقمية إلى قوة سياسية حقيقية في ظل شارع يهودي منقسم، وشارع عربي يشعر بالإحباط من أداء ممثليه؟

الاستطلاع الجديد يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فبينما تظهر المعارضة اليهودية قدرة على إنتاج تحالفات جديدة، تبقى الأحزاب العربية في حالة جمود تنظيمي وسياسي. لا توجد مبادرات تحالفية مقنعة، ولا خطاب جديد، ولا رؤية مشتركة، ولا وجوه جديدة. وفي الوقت الذي تتقدم فيه المعارضة اليهودية نحو إعادة تشكيل نفسها، تبقى الأحزاب العربية أسيرة خلافات قديمة، وصراعات شخصية، وغياب مشروع جامع، ان كان بقائمة واحدة او اكثر.

هذا الجمود العربي يبدو أكثر خطورة عندما نقرأ نتائج الاستطلاع في سياقها الكامل. فمعسكر نتنياهو يبقى عند 50–51 مقعدًا، والمعارضة عند 56، والعرب عند 9–10. أي أن أي تغيير بسيط في نسبة التصويت العربي يمكن أن يقلب المعادلة بالكامل. ومع ذلك، لا نرى حتى الآن أي جهد منظم لرفع نسبة التصويت، أو لاستعادة ثقة الجمهور العربي، أو لتقديم خطاب سياسي يعكس أولويات الناس في الأمن الشخصي، والسكن، والاقتصاد، ومكافحة الجريمة.

الصورة في الشارع اليهودي، كما تعكسها الأرقام، تقول إن هناك نافذة سياسية يمكن استثمارها، لكنها نافذة ضيقة، وتحتاج إلى عمل سياسي ذكي، لا إلى ردود فعل متأخرة. أما الصورة في الشارع العربي، فهي تقول إن الناس مستعدون للمشاركة إذا شعروا بأن صوتهم سيُحدث فرقًا، وأن ممثليهم قادرون على العمل المشترك، وأن هناك مشروعًا سياسيًا يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.

الاستطلاع الجديد لا يقدم فقط أرقامًا، بل يقدم تحذيرًا. فالمعارضة اليهودية تتحرك، وتعيد ترتيب صفوفها، وتبحث عن طرق جديدة لتغيير الخريطة السياسية. أما الأحزاب العربية، فإن لم تتحرك الآن، فقد تجد نفسها خارج اللعبة في اللحظة التي تكون فيها اللعبة بحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.

في النهاية، الأرقام ليست قدرًا. لكنها مؤشر واضح على أن العرب قادرون على التأثير، وأن تأثيرهم يتوقف على قرار واحد:
هل يريدون أن يكونوا جزءًا من صناعة السياسة، أم مجرد رقم في هامشها؟

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا