آخر الأخبار

أطلال نظام مائي مملوكي قرب قلعة القاهرة تكشف كيف تسلّق الماء لأعلى

شارك

أعلنت البعثة الأثرية المصرية الفرنسية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار والمعهد الفرنسي للآثار الشرقية (إيفاو) الكشف عن نظام مائي متكامل وبقايا مسجد يعودان للعصر المملوكي نفسه في محيط قلعة صلاح الدين (قلعة الجبل) بالقاهرة.

ويشمل النظام المائي المكتشف بئرين ضخمتين لتخزين الماء ورفعه، يتصل كل منهما بمنظومة سواقٍ، وحولهما مسارات حركة الدواب، وغرف لإيوائها، ومخازن للأعلاف، وأحواض لسقيها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لون الأباطرة وعيد العثمانيين.. الشجرة التي تحفظ روح إسطنبول من زحف الإسمنت
* list 2 of 2 "ليست مجرد مهنة".. مكتبات الخرطوم تعاود نشاطها رغم ندوب الحرب end of list

وعلى حافة الصخر الذي تجثم عليه قلعة صلاح الدين، كانت الحيوانات تدور لجر ساقية (آلة لرفع الماء بسلسلة من القواديس تديرها الدواب) تغرف من عمق سحيق وترفع، قادوسا إثر قادوس، إلى قمة الجبل، حيث تنتظره الحامية والخيل والبشر والمزروعات. وكان الحيوان نفسه يرتوي، حين يمتلئ الخزان، من حوض مُلئ بالماء الذي رفعه.

مصدر الصورة بقايا من النظام المائي بمحيط قلعة صلاح الدين الأيوبي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

هذا المشهد بالذات أعادته الأرض من تحت منطقتي عرب اليسار والحطابة الملاصقتين للقلعة، وبذلك يكتمل الطرف الأخير من رحلة الماء، حيث كان يصل إلى أعلى الحصن فيُرفع ويُخزَّن.

وما يمنح الكشف ثقله، بحسب بيان وزارة السياحة والآثار، أنه يكشف للمرة الأولى عن تفاصيل الجزء الأخير من المنظومة الهيدروليكية المرتبطة بسور مجرى العيون، وهو جزء لم تتناوله المصادر التاريخية المعروفة؛ إذ كانت الحوليات تخبرنا أن الماء وصل، وتصمت عن الكيفية التي تسلق بها آخر الطريق.

عطش القلعة

تقوم القلعة على نتوء من جبل المقطم، صخر جاف يعلو النهر.

ومنذ الشروع في بنائها سنة 572هـ/1176م، رأى وزير صلاح الدين والمشرف على عمارتها بهاء الدين قراقوش الأسدي أن يُحفر في قلب الصخر بئر تؤمّن الماء وقت الحصار.

تلك هي بئر يوسف، أو "بئر الحلزون"، التي تغور نحو 90 مترا، يلتف حولها سلم حلزوني صُمّم ليُغطّى بالتراب فيصير منحدرا تنزل عليه الثيران إلى منتصف العمق، تدير سواقي ترفع الماء طبقة طبقة.

إعلان

غير أن الحفر حين توغل في الجبل بلغ ماء مالحا، فاحتاجت القلعة إلى جواب آخر عن عطشها.

مصدر الصورة بقايا نظام السقاية ورفع الماء بمحيط قلعة صلاح الدين الأيوبي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ومن هنا وُلد سور مجرى العيون، إذ يُرفع ماء النيل عند "فُم الخليج" (على ضفة مصر القديمة) ليسير فوق سلسلة من القناطر المدببة حتى آبار القلعة.

مصدر الصورة "سور مجرى العيون" التاريخي في القاهرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وضع صلاح الدين أساس الفكرة، ثم أعاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون (السلطان المملوكي الذي طال حكمه لمصر مطلع القرن الثامن الهجري) بناء القناطر كاملة سنة 712هـ/1312م، وعززها لاحقا السلطان قانصوه الغوري (آخر سلاطين المماليك الكبار قبل الفتح العثماني). بحسب تقرير سابق للجزيرة نت نُشر مطلع العام الحالي، نقلاً عن محافظة القاهرة التي تصف السور بأنه "هرم العمارة المائية".

وكان النظامان معا، البئر والسور، يدوران على المحرك المتواضع نفسه، حيوان يمشي في دائرة، والكشف الجديد هو الطرف المستقبل من النظام الثاني، حيث يصل ماء القناطر فيُرفع إلى داخل الحصن.

مصدر الصورة جانب من بقايا النظام المائي والمسجد المملوكي بمحيط قلعة صلاح الدين الأيوبي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وصف مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية (المؤسسة العلمية القائمة في القاهرة منذ عام 1880) بيير تاليه البعثة بأنها نموذج رائد للتعاون العلمي الدولي في الآثار الإسلامية، ورأى أن الحفائر في القاهرة التاريخية تضيء جوانب جديدة من تاريخها الحضاري.

أما وزير السياحة والآثار شريف فتحي فعدّ الكشف إضافة نوعية لفهم البنية العمرانية والوظيفية لمنطقة القلعة عبر العصور الإسلامية، باعتبارها قلب الحكم والإدارة في مصر قرونا طويلة.

وفي الحطابة، كشفت البعثة عن مسجد مملوكي بقي منه إيوان القبلة (قاعة الصلاة المتجهة نحو مكة) ومحرابه، وجزء من رواقه الجنوبي الغربي وأرضياته الحجرية، وإلى جواره غرفة دفن، ومقابر من فترات إسلامية مختلفة تضم بقايا عظام آدمية، ومقبرة يُرجَّح أنها تعود إلى صدر الإسلام.

حرفة الماء

للحطابة (عند سفح القلعة ضمن حي الخليفة) هوية تشدها إلى الماء إذ ارتبط تاريخها بالقلعة منذ نشأتها الأيوبية، ثم نمت على طريق قوافل الحج في العصر المملوكي، فامتلأت بمنشآت تخزين الماء وتوزيعه، للقلعة وللحجيج معا. كان الماء حرفتها ووظيفتها قبل أن يصير، اليوم، أثرها المدفون.

وتقف أحياء الحطابة وعرب اليسار الآن على أرض تكرر إدراجها في خطط التطوير والإزالة بالقاهرة، فعبّر سكان يحملون حجج ملكية تمتد أجيالا عن خشيتهم من التهجير، بينما تتحدث الدولة عن صون النسيج العمراني والحرف.

وقبل أشهر قليلة، استدعى ترميم سور مجرى العيون نفسه ضجة على منصات التواصل، إذ حذّر ناشطون وخبراء آثار مما وصفوه بـ"صنفرة الحجر" وإزالة "بصمة الزمن" عن واجهته.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار