لا تبدو معضلة الطاقة الشمسية في ليبيا مرتبطة بنقص المورد الطبيعي، بقدر ما ترتبط بقدرة البلاد على تحويل هذا المورد إلى كهرباء مستقرة وقابلة للتوسع. فبينما تتمتع ليبيا بموارد شمسية كبيرة، لا تزال منظومة الكهرباء تعتمد بدرجة شبه كاملة على مصادر الطاقة التقليدية.

وفي محاولة لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية، أطلق جهاز الطاقات المتجددة مبادرة "غو غرين "، التي تستهدف تركيب أنظمة شمسية فوق أسطح المنازل، إلى جانب المنشآت العامة والمرافق الزراعية والصناعية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 حملة أمنية وتشديد للمنافذ.. ماذا يحدث للمهاجرين الأفارقة في عدن؟
* list 2 of 2 الدمازين تتحدى الحرب.. عودة تدريجية للأسواق والمدارس في النيل الأزرق end of list

ويستهدف البرنامج المنزلي تركيب 500 ميغاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية فوق أسطح المنازل خلال خمس سنوات، مع توفير خيارات للتسجيل والدعم الفني والتمويل.

لكن قدرة المبادرة على إحداث تحول فعلي في قطاع الكهرباء ترتبط بثلاثة اختبارات أساسية: الإمكانات الشمسية، وقدرة الشبكة على استيعاب الطاقة الجديدة، ثم التمويل والحوكمة.

مصدر الصورة محطة الطاقة الشمسية في مدينة الكفرة جنوب ليبيا (الجزيرة)

الشمس متوافرة.. لكن تحويلها إلى كهرباء هو التحدي

تؤكد أحدث الأدبيات العلمية أن ليبيا تمتلك موارد شمسية قوية، لكنّ الاستفادة منها لا تتوقف على وفرة الإشعاع، فمثلا، تشير دراسة حديثة منشورة في يونيو/حزيران 2026 بمجلة "إينيرجي" إلى أن الإمكانات الكبيرة للطاقة المتجددة في ليبيا لم تتحول بعد إلى مشاريع واسعة النطاق قابلة للتنفيذ والتمويل والاعتماد عليها بصورة مستقرة.

وراجعت الدراسة الموارد والتكاليف وقابلية تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة، وخلصت إلى أن الطاقة الشمسية الكهروضوئية تُعَد في عدد من السيناريوهات من الخيارات التنافسية على المدى القريب، لكن النتائج تتأثر بشروط التمويل، وقيود الشبكة، والخسائر، وتدهور المعدات، وتكاليف الاستبدال والموثوقية.

ويرى الدكتور سامي الأوجلي، مدير مركز الاستشارات في العلوم البيئية بجامعة بنغازي ومدير الشبكة العربية للتغير المناخي، أن ليبيا تمتلك فرصة كبيرة لتوسيع الطاقة الشمسية بفضل اتساع مساحتها وارتفاع الإشعاع الشمسي، لكنه يشدد على أن نجاح المبادرة يحتاج إلى حوكمة إدارية سليمة وتنفيذ منظم وشفاف، بعيدا عن المصالح التجارية غير المنضبطة والفساد.

إعلان

ويشير إلى أن المواطن يحتاج إلى أنظمة ذكية ومنخفضة التكلفة، خصوصا أنظمة الطاقة الشمسية فوق الأسطح، معتبرا أن نجاح "غو غرين" يرتبط بالسياسات المعتمدة، وترشيد الإنفاق، والبروتوكولات التي تضعها الجهة المنفذة، وفي مقدمتها جهاز الطاقات المتجددة.

مصدر الصورة الانتقال إلى منظومة تعتمد بدرجة أكبر على الطاقة النظيفة يرتبط بتكاليف التكنولوجيا (رويترز)

اختبار الشبكة.. ماذا يحدث عندما تنتشر آلاف الأنظمة؟

لا تتوقف المسألة عند تركيب الألواح؛ إذ إن انتشار أنظمة شمسية بأعداد كبيرة يفرض تحديا إضافيا يتعلق بقدرة الشبكة على استيعاب الكهرباء المنتجة.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، بحثت دراسة منشورة في دورية "ديسكوفر ساستينابيليتي" سيناريوهات إدماج الطاقة الشمسية والرياح والتخزين والتوربينات الغازية في قطاع الكهرباء الليبي، مع مستويات مختلفة من اختراق الطاقة المتجددة.

وأكدت الدراسة أن الانتقال إلى منظومة تعتمد بدرجة أكبر على الطاقة النظيفة يرتبط ليس فقط بتوافر الموارد، وإنما أيضا بتكاليف التكنولوجيا وشروط السوق والسياسات وآليات الدعم.

ويضع سامي الشبكة في قلب نجاح المبادرة، موضحا أن إدخال أعداد كبيرة من الأنظمة الشمسية يحتاج إلى تنسيق واضح مع الشبكة القائمة وتحديث بنيتها، مع تحقيق التوازن بين مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة.

كما يرى أن الطاقة الشمسية المنتجة يمكن أن تخفف الضغط على الشبكة خلال فترات ذروة الطلب، وتحسن كفاءة استهلاك الطاقة، مع إمكانية توجيه الكهرباء إلى قطاعات إنتاجية مثل المصانع.

لكنّ الألواح فوق الأسطح لا تمثل حلا موحدا لكل المباني، بحسب سامي، فاختلاف الارتفاعات وأنواع البناء، وإمكانية الوصول إلى الأسطح، والظلال، والغبار، وارتفاع درجات الحرارة، والعواصف، كلها عوامل تستدعي تقييما فنيا منفصلا لكل مبنى قبل تركيب النظام وصيانته.

التمويل وثقة المستهلك.. الحلقة الحاسمة

تختلف "غو غرين" عن المبادرات السابقة، وفق سامي، في استهدافها شريحة أوسع من المستهلكين، تشمل الأفراد والأسر والمحلات والمستخدمين الصناعيين وغيرهم؛ ولذلك فإن نجاحها يتطلب إقناع المواطنين بأن الطاقة الشمسية مصدر مستدام وموثوق، مع توفير عقود واضحة وأسعار وحوافز مناسبة.

ويشير إلى خصوصية السوق الليبية، حيث اعتاد المستهلك الحصول على الكهرباء دون دفع مباشر بالشكل المعمول به في أسواق أخرى، مما يجعل تصميم الحوافز والأسعار عنصرا أساسيا في تشجيع المواطنين على الاستثمار في الطاقة الشمسية.

وتتفق هذه النقطة مع الدراسة الحديثة الصادرة في يونيو/حزيران 2026، التي اعتبرت قابلية التمويل والمخاطر الاقتصادية والقيود التقنية والمؤسساتية من العوامل التي تحدد انتقال ليبيا من الإمكانات النظرية إلى المشاريع القابلة للتنفيذ.

ولا يعني التوسع في الطاقة الشمسية، وفق سامي، التخلي الفوري عن النفط والغاز، بل بناء مزيج طاقي متوازن خلال مرحلة انتقالية، بالتوازي مع تحسين كفاءة استهلاك الطاقة وتطوير الكفاءات الهندسية والفنية وتعزيز التعاون الدولي.

وبذلك، يقول إن اختبار هذه المبادرة لا يتعلق فقط بعدد الألواح التي ستوضع فوق الأسطح، وإنما بقدرة ليبيا على بناء منظومة متكاملة تجمع بين المورد الشمسي، والشبكة الحديثة، والتمويل، والحوكمة، وثقة المستهلك. فوفرة الشمس تمنح ليبيا فرصة كبيرة، لكنّ تحويل هذه الفرصة إلى كهرباء موثوقة ومستدامة يتطلب أكثر من مجرد تركيب الألواح.

إعلان